سد النهضة … افراح النوبة والحبشة .. بقلم: امين رجب

 

جاءت الانباء السعيدة بامتلاء سد النهضة باول مخزون له من ماء النيل الازرق ليؤذن بحقبة جديدة و عهد مشرق لابناء كوش الشقيقين: النوبة والحبشة. 

هنا، و قبل ان استطرد فى موضوع المقال، لابد من وقفة لتبيان امر كثر فيه اللغط عن جهل او عن عمد سئ النية و هو امر امتلاء السد. لابد اولاً من التفريق بين امرين: الملء، الذى هو عمل متعمد بفعلٍ قاصد، و الإمتلاء، الذى يحدث طبيعةً و بدون عمد بالضرورة. من مبادئ الهيدرولوجيا انك لو اقمت بناءاً يعيق انسياب المياه فى مجرى مائى فسوف يتراكم الماء امامه ويعلو منسوبه حتى لو فتحت فى هذا العائق (السد) فتحات لانها لن تسمح بمرور نفس معدل السريان الحر السابق. هذا بالضبط ما حدث فى سد النهضة خاصة مع ازدياد معدلات الامطار. هذا اذاً “امتلاءاً” و ليس “ملئاً”، و قد صدق الاثيوبيون الذين كرروا مراراً ان “امتلاء” السد الاول هو جزء من بنائه، ولكن الاعلام المصرى الجاهل و من ورائه “الخبراء” اياهم ظلوا يولولون ويدعون ان اثيوبيا بدأت ملأ السد و يستدلون على ذلك بانخفاض مناسيب النهر خلف السد مع ان بيانات وزارة الرى كانت واضحة ان الانخفاض كان بالمقارنة مع مناسيب العام المنصرم و ليس انخفاضاً يومياً يدل على قفل البوابات، و لكن ماذا يمكن ان تقول للاعلام المصرى العبيط و لخبراء الكفتة المصريين!
نعود الآن لموضوعنا … فإنه لا يخفى على احد الظلم التاريخى الذى وقع على النوبيين جراء السد العالى من اغراق و تهجير و ضياع لتاريخهم و تراثهم و ثقافتهم و معيشتهم و طريقة حياتهم التى الفوها لآلاف السنين. و لا يساورنى شك ان من ضمن اهداف السد العالى كان تذويب التمايز الثقافى و العرقى للنوبيين كجزء من المشروع العروبى الناصرى فى مصر والذى انساق وراءه عسكر عبود ربما خيانةً و تآمراً و ربما جهلاً و سفهاً!
الآن، فإن من النتائج الاكيدة لسد النهضة ليس فقط انتفاء اى فائدة للسد العالى بل و بيان كارثيته كمخزن لمياه الفيضان لحماية مصر منه و تمكينها من الرى المستدام. فيضان النيل الازرق سيخزن الآن فى سد النهضة، و ما يتبقى منه، اذا تبقى شئ، فسيستفيد السودان بنصفه كما تنص اتفاقية 1929 المعدلة 1959 هذا بالإضافة الى ثلث حصته التى كانت تذهب الى مصر هباءاً كل عام! لا يمكن اذاً و الحال هكذا ان تبقى مصر على سد يكلفها 10 مليار متر مكعب من الماء سنوياً عن طريق البخر، فما ستكسبه من 5 مليار متر (وهو حصتها بعد خصم حصة السودان) اكثر من مما سيتبقى لها من نصيبها فى فوائض الفيضان، بعد سد النهضة.
لا اشك لحظة ان الاتفاقية سيئة الذكر المذكورة اعلاه سوف لن تصمد حتى يمتلئ سد النهضة فباقى دول الحوض الثمانية تنتظر بفارغ الصبر انتهاء معركة سد النهضة، و قد انتهت، لبدء تفعيل اتفاقية عنتيبى والتى لم يتبقى سوى توقيع دولة واحدة فقط حتى تصبح ملزمة لكل الحوض وتصبح اتفاقية 1959 لاغية وباطلة. حينها سيصبح السد العالى والبخر الذى يحدثه من الماضى الظالم والمظلم!
المحصلة المنطقية لما سبق اذاً هو تجفيف بحيرة النوبة و عودة النوبيين ليس فقط الى ارضهم القديمة بل و الى دلتا جديدة تشكلت تحت البحيرة خلال عشرات السنين منذ بدء غمر البحيرة. هذه الارض الجديدة و التى تقدر بربع مليون فدان هى تعويض السماء للنوبيين، او بالاحرى لاحفادهم، عن الظلم الطويل الذى عانوه و احتملوه.
فى يقينى ان سد النهضة هو انتقام السماء للنوبيين، و عدلها الذى يمهل ولا يهمل.
هنيئاً لابناء كوش من النوبة والحبشة فى السودان واثيوبيا، بل وفى مصر ايضاً

ameenalmahi@aol.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً