سوداني، عن الرحيل والعمل السري !! .. بقلم: جابر حسين
12 مايو, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
23 زيارة
h.gabir@yahoo.com
المتفرغون…
هل هم حقا مختفون،
أم هم
كما اللؤلؤ كامنون
في الصدف؟
ينسجون من وسامة الرؤي
ومن محارق السهر،
في ليالي القلق الخلاق
والأشواق
والعشق
والأحلام،
خزف… خزف.
عقودا
وزهورا
وحياة.
أنها الآن تضئ
لامعة وباهية
في سيرة الوطن
وفي مسار مجد شعبنا
تحف … تحف!
2:
( سوداني )،
كان يتنزل في الحزب
لكأنه يهبط إليه من عل!
لا …،
ليس ( كجلمود صخر حطه السيل من عل )
بل،
مثلما تنزل ملائكة في الناس
وتأتنس!
حليما كما الحليب
ويخفي من القلب والخفقان
الوجيب!
3:
و … كم تدثر بالشموع يشعلها فتضئ
لا لكي ينام،
بل ليطبع ( الدورة )* و( الشيوعي )*،
يلخص الواجبات
يستخرجها، كعروق الذهب
وصايا العمل اليومي
ومرات يجد في ( الميدان )* إشارات
وعلامات
رؤيا ودروبا للغد
للنضال إذ يتعقد ويشتد
ثم يعود يتعالي ويمتد
فيكون الثبات!
لا …،
أبدا لم يكون في القديم من الحرس
بل تجده دائما
قويا
ساطعا ولامعا
وئيدا يسير سيره
لكأنه يلامس المطر
وفي مسيره يتقن الحذر
ناهضا،
وبيقينه الحزبي كله
يقرع الجرس!
صامدا كما الجبال شامخا
وهينا،
كما انسياب الضوء
وامتداده ساعة السحر!
4:
لآ،
لم يمت
أنه الآن الآن
في الحزب…
وفي ساحة النضال الحدس!
جرس
جرس
جرس!)*
عبد المنعم عبد الله فضل المولي، الذي أشتهر في الناس ب ( عبد المنعم سوداني )، ولم أعرف ( سر ) هذه التسمية، إلا إذا أولنا الأمر بنسبته إلي لونه! سوداني، الذي رحل عن دنيانا فجر اليوم الأحد10/5/2020م، من أبناء قرية طيبة الشيخ عبد الباقي بالجزيرة، لكن مولده الحقيقي كان في الحزب الشيوعي حين إنتمي باكرا للحزب وهو العامل النقابي الذي ظل، من بعد، مكرسا كل حياته بالكامل للقضايا الجليلة للطبقة العاملة وحزبها الشيوعي.
عندما بدأ الحزب في أنشاء ( جهاز ) متكامل للطباعة الحزبية والجماهيرية، ثم أعد العدة لإمتلاك مطبعة خاصة به، بمقدورها العمل في العلن وفي ظروف السرية معا، وبعد أن أستقر الأمر بصدد المطبعة، فشرع الحزب، حوالي 1965م، شرع في إعداد كادر سري مؤهل، لتشغيل الطباعة وأدارتها، فتم اختيار: عبد المجيد بطران ومحمد محمود ( السنجك )، وإبراهيم زكريا، وعبد المنعم سوداني. وعبد الحميد علي، وسوداني هو آخر ذلك الرعيل الباسل من الكادر السري. (المختفين)، منهم من ذهب إلي مهمات حزبية أخري والقلة من بينهم من واظبوا علي العمل النضالي في جبهة الطباعة. وهي من المهام الصعبة كثيرة القسوة علي ذلك الكادر البطولي. فعلاوة علي توفر الإنضباط العالي فيمن يتولي هذه المهام، عليه أن يتمتع بروح المسئولية والصبر علي الشدائد والمحن التي تعترض نضالهم اليومي، ثم لا بد من توفر روح اليقظة المستمرة والدقة في ملاحظة ظروف التأمين والحرص علي أدوات العمل السري إضافة إلي حماية الكادر نفسه وإبعاد عيون الأمن والعسس عنهم وعن اماكن سكنهم و( محطات ) عملهم. سوداني، ظل محافظا علي تلك المهام حتي رحيله المفاجئ. وقد تعرض إبان حياته لأطوار مؤلمة، كانت كفيلة بأن تجعله يبتعد عن مهامه الحزبية لولا عزيمته وصموده وشجاعته في تجاوز المحن التي ألمت به، فقد رحلت عنه زوجته الأستاذة … وأبنته خلال حوالي شهر واحد، ثم تعرض لحادث سير وأصيب بنزيف في المخ تعافي منه بمجهود مقدر من كادر الأطباء الشيوعيين والديمقراطيين، برغم ذلك ظل سوداني في الطليعة من كادر الحزب العامل في جبهات العمل السري وغيرها، دائم الحضور والتواجد بالمركز العام ملبيا، بروح ثورية وإخلاص عميق للواجبات التي يكلف بها. اختار سوداني أسم ( الرشيد ) أسما حركيا له طوال حياته الحزبية. وصدف أن كان هناك زميلا أخرا في الكادر المتفرغ يحمل ذات الأسم( الرشيد )، وهو الأسم الرسمي للرفيق الرشيد محمد الحسن، وللتفرقة بينهما في عمل الحزب، عرف سوداني ب ( الرشيد الكبير)، والرشيد محمد الحسن ب ( الرشيد الصغير ). في أحدي مراحل النضال تعذر عمل مكتب الطباعة المركزي بالخرطوم، لظروف التأمين وغيرها، فتم تكليف (الرشيد الكبير) لينضم إلي ( الرشيد الصغير ) لتشغيل عمل ومهام الطباعة من ودمدني.وقد تم هذا العمل بإمتياز وقدرات فنية وتأمينية عالية، وظلت أعمال الطباعة من هناك حتي توفرت الظروف وعاد مكتب الطباعة ليباشر مهامة من المركز بالخرطوم.* ظل سوداني وفيا ومخلصا لمهنته الحزبية ومهامها، لكأنه لا يري في الدنيا غيرها، شرفا قد ناله منها وحياة ذات جدوي، فجعل كل حياته وقفا علي خدمة حزبه وقضايا الطبقة العاملة، وفي المهنة والواجب الذي عرفه وأتقنه: الطباعة. وكما أشرنا سابقا فقد كان حضورا بهيا، بصورة يومية تقريبا، في المركز العام للحزب، ينشرح فؤاده ويأتنس بمرأي الرفاق/ت وهم يأتون ليقوموا بأداء الأعمال الحزبية ثم ينصرفون، ذلك المشهد، مشهدهم، كان يسعده لا شك، فيجعله في جدوي الحياة المضيئة التي تستحق أن تعاش علي قول درويش، فواظب وداوم عليها. ظل سعيدا جدا، فرحا كطفل وجد ضالته، بالثورة وبالديمقراطية، فيطيل النظر، مبتسما، إلي رفيقاته ورفاقه فيري، فوق هاماتهم الجليلة، الرايات الحمراء في الأعالي ترفرف في سماوات البلاد التي أحبها.
عزاء لأسرته وأهله، لشقيقه عبد الله، وشقيقته فائقة، ولأبنه معتز، للحزب الشيوعي السوداني ولرفاقه ومعارفه والأصدقاء الخلص من حوله. ولتكن في الخلود وفي ضمير شعبنا، ودعنا، الآن، نوقد لروحك الشموع ونضئ دروب مسيرتك النضالية وسيرتك في العمل السري بعد أن خرجت إلينا، بكل مجدك، في العلن.
————————
هوامش:
——–
* ( الدورة )، هي الوثيقة الحزبية التي تسجل أعمال دورات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني.
* ( الشيوعي )، المجلة الداخلية لأعضاء الحزب.
* ( الميدان )، صحيفة الحزب الشيوعي السوداني.
* ( المختفون )، كتبت لمناسبة رحيل الرفيق عبد الحميد علي، القائد الشيوعي في العمل السري رفيق العمل الحزبي لمنعم سوداني، استعرناها لمناسبة رحيل سوداني.
* إفادة بالهاتف من الرشيد محمد الحسن مساء الأحد10/5/2020م.
رأيت أن أثبت هنا، لمناسبة رحيل كادر الطباعة، ما كنا قد كتبناه عن كادر الطباعة الشيوعي الراحل عبد المجيد بطران، بعض ضوء علي هذه السلالة النبيلة من كادر الحزب.
عبد المجيد بطران، أهذا أوان الرحيل؟!*
———————-
( آه،
ثم آآه!
في ذلك الليل البهيم المدلهم،
يتمزق الصمت الحدادي اللئيم
علي مسارنا
والليل يمر منتحبا بأطراف المدينة
يجتاحنا هم ثقيل أنها اقتربت …
فماذا ستخبرنا الأيام وهي تحوزنا
والليل أثقل وأفصح ما يكون!
لكأن طير الموت لا يزال يهشنا بجانحيه الأسودين، يخضها خضا هدوءنا و رغبتنا في الصراخ وفي الصمود تشخص حولنا الأشياء، ثم تميل ساقطة وتمعن في الأفول!
أشد صاحبتي ونرحل في زحام الناس نبتغي رؤية الوجه الذي في ضمير الحزب مدخرا لما يأتي…
لكننا،
لا ندري غدا ماذا يكون
يا بطران،
وكيف تشرق شمسه فينا
ولست علي المدينة؟!
تري،
هل نفتش عنك في أحيائها؟!
لا، ثم لا…
أنت الآن نجما وناقوسا في علاها يا حبيب)!
-ج/ح –
مرض الحشا الفلسطيني، ومرض القمع السوداني للشيوعيين:
د. فتحي عرفات، الشقيق الأصغر للراحل ياسر عرفات، كان قد درس، عاين وأختبر وتأمل، في الموت ( المفاجئ ) الذي ينال من الأمهات الفلسطينيات، فأكتشف، بعد التجارب العديدة لعينات حية وميتة، أن من الأسباب الأساسية لذلك الموت المفاجئ المتواتر، هو بسبب من تلك الألام الممضة والحسرات الكثار والتأثير العميق في دواخلهن، وتسرب ذلك الهول كله، تدريجيا وبتراكمات ممتدة، إلي أجسادهن والوظائف العضوية الحيوية لتلك الأجساد، حد أن أسماه فتحي ( مرض الحشا الفلسطيني )، ونشرت تلك الدراسة الهامة في العديد من الدوريات والمجلات الطبية العالمية. تذكرت كل ذلك، وأنا أتأمل، منذ سنوات، في دواعي وأسباب الموت المفاجي للشيوعيين/ت في بلادنا، الذي لكثرة ما يحدث، يحيرنا حد يصيبنا بالذهول، ويجعلنا في التأمل المجرح! لهذا، وبوعي حقيقي، كنت قد كتبت، فيما كتبت، أن محجوب شريف مات مقتولا، ذلك العنوان الذي لم تستسيغه، لربما لغرابته، صحيفتي الميدان والصحافة فغيرتا، كليهما، العنوان بأخر عاكس معني المقال بالكلية، وحدها (الراكوبة) التي نشرت العنوان كما هو، الشئ الذي جعلني أكتب عن ذلك (المسلك) وأنشره لديها شاكرا لها ( مهنيتها ) أيضا. فأنا علي يقين، أن الممارسات القمعية والحصار والمطاردات والإعتقالات المتكررة والسجون بزنازينها وتحقيقاتها المذلة وتعذيبها في (بيوت الأشباح) وأقبية الأمن، والحرمان من العلاج والدواء للمرضي، هي، من بين أسباب أخري كثيرة من تلك الممارسات المجافية لحقوق الإنسان وللطبيعة الإنسانية، هي المسؤولة، لحد كبير، عن هذه المقاتل العديدة وسط الشيوعيين/ت وأصدقاءهم من نساء ورجال بلادنا! وها هو بطران، واحدا في العديد ينضم إلي موكب الراحلين الشيوعيين، بذات العلة القاتلة، القمع والسجن والغبن!
بطران في كتاب مطابع الحزب:
عبد المجيد بطران أحد الذين تقاسموا، سنوات كثار، مع الحزب الشيوعي الخبز الحافي والمسغبة وجنون المراحل، كم تذوق، بقلب مطمئن وقناعة عميقة، مرارات الليالي وخشونة النهارات أبان الديكتاتوريات الغاشمة التي مرت علي بلادنا ولا تزال، عسكرية أو مدنية، عايش الحصار والمطاردات والإعتقالات، زار عديدا من الحراسات والسجون ناهيك عن ليالي ( الأرق الخلاق ) التي يعايشها ( المتفرغون / المختفون ) وهم ينادونها إليهم برهات الجمال والفرح وحب الحياة، لكأنهم يرونها، بمحض وعيهم، بشارت الغد وزهورها التي ستكون، لا محالة، سعادة وحريات وديمقراطية تنعم بها شعوبهم. وهو، منذ إلتحاقه طالبا في جامعة القاهرة فرع الخرطوم، انضم إلي الحزب الشيوعي، ناشطا في صفوفه بإخلاص ومحبة كثيرة فتألق ولمع نجمه وعلا، حتي ابتعثة الحزب، بعد تخرجه، إلي ألمانيا الديمقراطية في السبعينيات ليدرس هندسة المطابع. فقد كانت تلك من أوليات الحزب في العمل الإعلامي الذي يكون بين أيدي الرأي العام، محليا وخارجيا، مساهما في جبهة التنوير والوعي بقضايا المرحلة والنضال. لقد أدرك الحزب، منذ بواكيره الأولي في نضاله الممتد بلا توقف البته، ضرورة وأهمية (المطبعة) في حياة الحزب، العلنية أو السرية، فكان اهتمامه مبكرا أيضا بهذه الجبهة في عمله. يحكي التجاني الطيب بابكر عن الطباعة الحزبية ومطبعة الحزب فيقول*: ( … وعندما تمكن الحزب من شراء مطبعة قديمة استغنت عنها صحيفة (الأيام)، انتقلت الميدان بمطبعتها ومكاتبها لتستقل بمبني أوسع منفصل بعمارة عثمان صالح بالسوق العربي. وكانت تطبع قبل ذلك في مطبعة الأستاذ زين العابدين حسين شريف، في ميدان المحطة الوسطي بالخرطوم. وأتاحت المطبعة المستقلة مزيدا من الحرية في توقيت تقديم المواد للمطبعة وتبديلها وفي الإخراج. وقد أدارها عدد من العمال الممتازين المتفانين). ثم، يمضي تجاني في أفادته عن المطبعة والطباعة فيقول*:( وفقدت الميدان مطبعتها أثناء سنوات عهد عبود فتعاقدت مع مطبعة مصر علي طباعتها طيلة الفترة حتي مصادرتها مع مصادرة شرعية الحزب الشيوعي في 16 ديسمبر1965م. لكن أمر مطبعتها الخاصة ظل يشغلها، حتي تمكنت من شراء مطبعة جديدة، وصلت مع مؤامرة حظر الحزب، وقد صودرت المطبعة أيضا، ولكن الحزب رفع قضية كسبها وأستعاد المطبعة مع تعويض مالي، وكان ذلك علي مشارف الإنقلاب المايوي. ومرة أخري صودرت المطبعة عسفا وبقيت في مخازن الإذاعة حتي أستعادها الحزب بحكم قضائي بعد الإنتفاضة! وهذه المرة عملنا علي ألا تكون ضحية لأي مصادرة أخري!). ولما كان هذا هو الحال، ولما كانت هي الضرورة ( القصوي ) للعمل في هذه الجبهة، كان ما سوف يكون، فكان ( بطران ) أحد فرسان هذا الحقل الحيوي في حياة الحزب، المطبعة والطباعة، هو وزميله، في شئون الطباعة والحزب، بابكر سعيد الذي تأهل، مثلما بطران، بألمانيا الديمقراطية، وغيرهما.
وجه بطران فينا، ورحيله:
كنت، كلما تهاتفنا، وحتي أخر محادثة بيننا في العاشر من يناير الجاري2018م، استحثه وألح عليه أن نجري، معا، توثيقا لعمله الهام الذي بذله طوال سنوات في جبهة الطباعة في الحزب، وكان يبدو فرحا أن يقوم بهذا الواجب، الذي يعده من الضروريات في كتاب الحزب. وشغلتنا مشاغل الحياة عن إنجاز ما خططنا له حتي كان هول رحيله! رفيقنا المشترك تاج الأصفياء عثمان سعد كان بالخرطوم قبل أيام من رحيل بطران حين هاتفني ليبلغني أن بطران قد بتروا له أحد أصابع قدمه، وكنت أعلم ما ناله في السنين الأخيرة من أمراض السكر وضغط الدم وآلام الساقين والظهر، لكنه كان (كويس جدا) علي حد قوله. هاتفته مباشرة فلم يتم الرد علي إتصالي، وكنا، التاج وأنا، قد أتفقنا أن نزوره ولكنني أنا الذي لم أتمكن من مرافقة التاج للخرطوم بسبب يخصني، فضاعت عنا، كلينا، فرصة أن نلتقيه! قبل منتصف ليلة الخميس 25 يناير بقليل، قرأت، بالصدفة، علي صفحة رفيقنا أحمد علي دليل بالفيس النبأ المهول برحيله:( أنعي لكم الزميل عبد المجيد بطران رحمه الله. الدفن بمقابر فاروق في العاشرة مساء، العزاء بالحلة الجديدة شمال غرب ميدان المولد محطة ود المبارك، فقد جلل!). لم أنم تلك الليلة، وفي الصباح، الذي أشرق علينا بدونه، سارعت بمهاتفة التاج أنقل إليه النبأ، ثم لنبكيه معا، فقد كان صديقا ورفيقا ووجها جميلا في حياتنا!
العزاء لأسرته وأبناءه وأهله، للحزب الشيوعي ولرفاقه، فقد رحل بطران ولما يكمل بعد حكاية ( الطباعة والمطابع ) في تاريخ الحزب، لكن، علي التأكيد، ستظل مدونة ومضيئة تلك الصفحات من كتاب الطباعة في تاريخ الحزب والثورة حتي الأبد، وفي ضميرنا سيظل بطران قصة تروي وعلامة!
————————-
* ( عبد المجيد بطران، أهذا أوان الرحيل!؟)، جابر حسين/ الحوار المتمدن25/1/2018م.،
* كتاب ( الميدان )، الميدان، صوت شعب، قصة حزب، صفحتي(7/8 ).