شي من دفتر الطفولة (6) .. بقلم: عثمان يوسف خليل
5 مايو, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
31 زيارة
o.yousif@icloud.com
مذكرات وذكريات من جراب قروي
الحياة في الجزيرة لها طعمها الخاص وهي مربوطة بالمواسم الزراعية..ومن المواسم التي لا يمكن ان أنساها ولا تفارق مخيلتي ابدا،موسم الخريف.ففي هذا الوقت من العام تعود الطيور المهاجرة الى أعشاشها وهي انواع كثيرة منها الهدهد والسمبر وطير البقر او ابو النعيج كما يسمونه اضافة ألى تلك الطيورالشهيره الذي فهمونا ونحن بعد صغار في المدرسة انها صديقة المزارع، وتكثر ايضا في هذا الوقت تلك الطيورالكبيرة مثل ابو السعن وهو طائر ضخم يعيش على لحوم الحيوانات النافقة وكذلك الحدي او الصقور مع ملاحظة ان الحدي متواجد على مدار العام، ولكن اكثر هذه الطيور كانت من الطيورالصغيرة الحجم مثل طير ام قيردون وقدوم احمر وطير الجنة وهو طائر اخضر اللون وجميل المنظر وعلى فكرة يكن السودان محبة شديدة لهذا الطاير وقد ذكروه في أغانيهم وحكاويهم ومنهم ذلك الشاعر الذي كان يناجي هذا الطاير الحنين حيث قال :
حنين يا طير الجنه
يا مرسال شوقنا لاهلنا
طير بالأشواق رك في الحلة
قول للبنريده طولنا
هذا بالاضافة الى للطيور الصديقة والاليفة الاخرى والمتواجدة على مدار العام مثل ود ابرق..اما قدوم احمر وهذا الأخير وعلى وجه الخصوص من الطيور التي نعشقها على غيرها من الطيور الاخرى وهي كثيرة لا اتذكر أسماءها وكانت تتعب معنا خاصة في بداية الخريف حيث كنّا نصطادها اما بالشرك وهو عبارة عن موخرة صفيحة يخرم ثم تعقد به سبايب اذناب الحمير ومن له القدرة فيستعمل شعر الحصان وهو الاقوى وقد كانت الحصين نادره لم أر منها الا عند القاسم عبد الملك.. وعلى ذكر تلك الحمير وشعورها فقد حرشني المسلط ود ارباب ذات عصرية ان اقترب من حمارة حاج اسحق ود امحد الهادي والتي قادتها أرجلها الأربعة عند بيت ناس نديدي التعيس ود ارباب وما ان لمست ذنبها الا واجد نفسي أقع على الارض وملطخ بالدماء ورفيقي يضحك كان لم يحدث شي ويأخذني ابي الي ابى عشر حيث الحكيم الوحيد في المستشفى الريفي وعندما ترجع بي الذاكرة لتلك الحادثة القوية اكتشف ان مسكنتي وغتاتة ود ارباب كادت ان تفقدني عيني اليمنى ومازالت اثارالخياطة موجوده حتى الان على حاجبي ..اما الطريقة الاخرى في صيد الطيور اضافة الي الشرك فهي القلابة وكان النور ابن خالتي احد أمهر من يقوم بذلك مع صحب له وما ان تنزل مطرة واحدة الا ونهرول الى المصرف ونحن فرحين ..والمصرف على فكرة لاهو بالحفرة ولا هو جدول إنما هو عبارة عن جرف سطحي يحيط بالقرية من الجهات الثلاث ولكنه عندما يمتلا في الخريف نحسبه ونحن صغار كأنه نهر كبير..لا اعلم من الذي قام بحفره ولكني متاكد انهم اولا الخضر( العمدة وابنه الطيب وأخيه الشيخ الفكي) كان الغرض منه صرف مياه الأمطار وكذلك مياه الحواشات بعيدا عن بيوت القرية كما المصرف مكانا للإنس في العصريات خاصة عند ملعب القرية الرئيسي لكرة القدم وعلى تل المصرف كنّا ننصب اغصاننا وتحت هذه الاغصان الشوكية ندفن اشراكنا لا يظهر منها الا روءس السبيب والتي تكون في شكل زردة مربوطة على الاخرام التي جهزت لهذا الغرض وحبات العيش كنوع من انواع التمويه والخداع وكنت عادة ماتسمع الشباب يتصايحون على مجموعة أسراب الطيور وهي تغدو خماصا تبحث عن اغواتها، تسمع أولئك الصبية والشباب وهم يصيحون وينادون على تلك الأسراب من الطيور (كسور كسور) والعجيب ان الطير او بعضه كان غالبا ما يستجيب لذلك النداء وهو لا يعلم ان مصيره الي تلك البطون النهمة.. ونعود اخر النهار باجواز قدوم احمر وهي ميتة ومقطوعة الرؤوس فيا لقساوة الصغر..ويتم تنظيفها ومن ثم الشواء على الجمر وعادة تشوى هذه الطيور بدون اضافة شي اليها ورغم انها صغيرة الحجم وقليلة اللحم الا انها كانت طيبة المذاق وعلى ذكر هذه الطيور أين هي الان؟ لأَنِّي لم أعد أراها هل هجرت السودان ام هاجرت هي الاخرى كما هاجر معظم أهل البلاد ام ياترى جافت الناس كما اشار اليها ذاك الشاعر الشايقي والذي صور حاله وهو يندب حظه ويقول:
حتى الطير رحل خلاني ماطيب لي خاطر..
العجيب ان اهل البلدة يتسامرون في مغربياتهم بحكاوي صيد الطيور ولكانها صيد حقيقي وهم على حالهم تلك تأتيهم رايحة شواء الطيور تنبعث من بعض البيوت وكأنها تغيظهم وكان من أمهر وأشهر صيادي الطيور في فريقنا عبد الرحمن عبدالله وأخيه الامين والذي اشتهر باللمين الحلبي وسيدنا اللمين داك كان على غلظة شديدة تلك الايام ولكنه الان كبر وصار شيخا..اما في الفريق الفوقاني فقد اشتهر فيهم اولاد جادالله باصطياد الطيور وبطريقة اكثر تطورا حيث انهم اخترعوا شرك من الحديد الملفوف دائريا وعليه قطعة من الخيش تغطى من الدائرة الخلفية ثم يوضع عود في المنتصف ويعقد حبل طويل على منتصف ذاك العود وعلى الارض تنثر حبوب الذرة وينتظر الصياد سرب الطيور التي تنزل لتناول طعامها وعندما ان يتأكد انها بدأت تلتقط الحب عندها يقوم بسحب الحبل فيتدلى الشرك على جموع الطيور والتي لن تجد مفرا ابدا وعند المغرب يضج ذاك الصاج بلحم طير مما يشتهون..ما أحلاها من ايام فقد عشناها وعاشت فينا….