شيبتني المنابر ، أليس كذلك يا دقلو .. بقلم: د. زاهد زيد

الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان من أكثر الخلفاء العرب غزارة ومعرفة علمية ، فقد كان ملماً بالأدب، محباً للشعر، مكرماً للشعراء، وكان واسع الثقافة في العربية وعلومها، وهو من أفصح فصحاء العرب خطابة وحديثاً، وقيل إنه أدركه الشيب باكراً فسأله أحدهم قائلاً: لقد ظهر الشيب برأسك يا أمير المؤمنين.. فقال: ويحك أأعرض عقلي ولساني على الناس كل يوم جمعة ولا أشيب..؟ أي أنه كان يخطب في الناس كل يوم جمعة وقد كان يخاف من الزلل واللحن – وهو الخطأ في اللغة -.. وفي رواية أنه قال: شيبني الوقوف على المنابر، والخوف من اللحن( أي الخطأ )
ذلك ما كان من أمر قوم يخافون أن تزل بهم قدم وهم على المنابر ، وقد شهدنا زلات وزلات وقع فيها قوم وبفضل “السوشل ميديا ” أصبحت فضيحتهم بجلاجل ، من أمثال ” مش كدا يا وداد ” وغيرها من زلات ” عبد الرحيم حسين صاحب نظرية الدفاع بالنظر .
أفرزت لنا الفترة الانتقالية بعد اختفاء ” عاهلات الإنقاذ “عددا من الذين هوت بهم المنابر ، فاصبحوا صيدا سهلا لكافة المتندرين والساخرين من كل لون .
وفي أقل من شهر شهدنا ، ما شهدنا من الذين ركبوا صهوة المنابر ، ولأنهم ليسوا من فرسانها سقطوا ، وكان سقوطهم مدويا ، فها هي سليلة الحسب والنسب وابنة المتكلم الأعظم في تاريخ الياسة السودانية السيدة وزيرة الخارجية تسقط في منبر القاهرة مع وزير خارجيتها ” أخوها ” كما ادعت ، وتبيعنا في سوق الاستعمار ، لزلة المنبر التي لم ترث من أبيها قدرته على الكلام حتى سمي ” أبو الكلام ” .
وانتشرت كالنار في الهشيم تفلتات ” المتحدثين ” باسم بعض الحركات المسلحة ” غزاة الخرطوم الجدد ” ، فما أن يبدأ الواحد حديثه حتى تزل قدمه فيخرج ” الدراب ” ، فأحدهم ينظر أمامه فيرى عمارة فينتابه نوع من الحمية والحسد والغبن فيتوعد أهل الخرطوم بالويل والثبور وعظائم الأمور ، ولا يعلم أن العمارة التي أثارة نعراته حكومية أم غير ذلك ، ولا يعلم أن جل أهل الخرطوم مثله تماما ضائعون بين صفوف الخبز والبترول والغاز .
ثم يأتينا قائد من قواد الحملة الفاتحة للخرطوم ، فتزل قدمه هو الآخر ويدعو بغير تبصر لعدم اقصاء الجيش عن الحكم في الفترة القادمة ، مجرد زلة أخرى لا يسندها فكر ولا عقل ، فبدلا من أن يفكر في مشاريع لينهض بأهله المشردين في المعسكرات ، يأخذه بريق السلطة وجاذبية المايكرفونات فيخرج لنا هذه الدرر الثمينة ، التي عجز فلاسفة الحكم من زمن الفيلسوف الإنجليزي ” جون لوك ” وإلى اليوم عن إداركها .
ويركب الإخوة ” دقلو ” مركب الخطابة ، ويظنون أن زمن الغفلة امتد حتي هيأ لهم العقول لتسمع لهم وتطيع تماما كما قضت حكمته عز وجل أن يصيرا في أعلى مراتب القيادة العسكرية ، وبذلك يتم اختزال الكلية الحربية في أي تمرد يخرج منه المتمرد – بقوة سلاحه – فريقا أو لواءا كما الإخوة ” دقلو ” أو فيلسوفا ومنظرا كالمنظراتي ” مناوي “
يتكلم الإخوة ” دقلو ” ، ولم يبلغهم بعد قول الخليفة العالم والفقيه المتبحر ” شيبتني المنابر ” وأنى لهم ذلك وهم ” يا دوبك في فك الخط ” ، الواحد منهم لا يدرك أن العالم كله حين يتكلم ينظر إليه ، لم يعد هذا الخطاب موجه لجماعته في ” الخلا ” يحمله الهواء ويسمعه جنودهم الذين لا يحسنون العربية بقدر اجادتهم للفرنسية ، لغة بلادهم الرسمية .
هل نحن في السنوات خدّعات التي أخبرنا بها رسولنا الكريم كما جاء في الحديث عن أبوهريرة ، قال : ” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيأتي على الناس سنوات خدّعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة))، قيل وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة”.
نعم ينطق فيها الرويبضة ، ذلك الرجل التافه الذي ينبري ليتحدث في أمر العامة.
يقول المفسرون : التافه يعني الرجل الذي لا شأن له ولا معرفة له ولا علم له، لأن التفاهة الموصوفة في الحديث هي ليست لذاته أو نسبه إنما لما اطلع به والحديث في أمر العامة وهو في غيبة عن علم يفيده ويعينه على الحديث وفي غيبة عن تجربة تفيد في الحديث والعلم هنا الذي غاب عنه هو علم شرع وعلم واقع.
أما علم الشرع فهو الإحاطة بالنافع من العلوم ، دينية ودنيوية ، وأما علم الواقع فهو علم بما يحيط به من أحداث ووقائع ومعرفته بها معرفة العاقل المدرك ، ولا يعينه في هذه المعرفة إلا أدراكة لعلم الشرع دينا ودنيا . فإن غاب عنه ذلك فهو رويبضة .

zahidzaidd@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً