من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها الإنقاذ خلال العقدين الماضيين أنها تسببت من خلال سياستها الإدارية والتنافسية والحزبية واسلوبها في إدارة الصراع السياسي في ايقاظ العصبيات القبلية التي انخرط فيها متعلمون ومثقفون كان من المفترض بقدر حظهم في الكسب ان يكونوا حائط صد ضد العصبية والجهوية الخبيثة لا أن يعيدوا انتاجها ليتخذوها سلما لتحقيق تطلعاتهم الخاصة المشروعة وغير المشروعة على نحو ما نشاهد ونرى .
المثقفون القبليون من الحكام والمتطلعون للحكم هدموا كلما ما حققه جيل الرواد الذين تجاوزوا ببناء الأحزاب القومية الكبرى كل أسباب القبلية ودمجوا بين شرائح المجتمع وقطاعاته التقليدية والحديثة في تلك الأحزاب التي جمعت بين أروقتها كل جهات وقبائل السودان في اكبر انجاز ثقافي في تلك المرحلة.
كما هزموا فلسفة المدينة حيث حملت مدن السودان العريقة راية البناء القومي فكانت جامعا لكل أبناء السودان الذين اصبح انتمائهم للمدينة وليس للقبيلة حيث كانت ولا زالت ام درمان كمثال فقط بكل تنوعها عنوانا لذلك الانصهار والتواصل . فكان الانتماء للمدينة بديلا حضاريا للانتماء للقبيلة وهو انتماء لا يتسق مع متطلبات التمدن .
وهو انتماء بحتفي به العالم المتحضر ففي أميركا مثلا يكون الانتماء للمدينة فتجد من يقول لك إني Washingtonian أو Virginian أوnew Yorker
الخ فما أجمل أن يكون انتمائنا لمدننا لنهزم تلك العصبية القبلية المقيتة فيكون من بيننا الأم درماني والكوستاوي والبورسوداني والقضارفي والأبيضاوي والفاشري إلى اخره.
اليس من الواجب في هذا الظرف الحرج أن تصدر الدولة مرسوما يحرم العصبية القبلية بدلا من تقنين ذلك من خلال اطلاق الأسئلة البائسة ” من وين إنتا ” قبيلتك شنو ” . أليس من الواجب تحريم القانون لقيام أي روابط على أساس قبلي وهو أسوأ الحقوق التي تكفلها الدولة كروابط القبائل رابطة أبناء قبيلة كذا ورابطة أبناء قبيلة كذا حتى بين أسوار الجامعات للأسف . أليس من المفيد أن تكون الروابط بأسماء المدن والمناطق بدلا أن من أن تكون تجمعا قبليا محضا . أليس من المؤسف أن يتباري الولاة والمسؤولين في تلبية الدعوات من تجمعات أبناء القبائل داخل العاصمة التي من أهم واجباتها العمل على تأكيد البناء القومي والوحدة الوطنية بما تجمع وماتملك من أدوات التأثير الثقافي والإعلامي والإبداعي لانتاج شخصية سودانية تجمع كل خصائص ومكونات السودان.
هي تساؤلات وملاحظات آن أوان مناقشتها وعلى أصحاب الياقات البيضاء ممن يتخذون القبيلة سلما للصعود إلى طموحاتهم المشروعة أن يدركوا أن بإمكانهم أن يجدوا كل مكونات الوطن ذلك السلم لتحقيق طموحاتهم يوم يكون انتماءهم له وليس لها .
elhassanmedia@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم