كلام عابر
يطول الحديث عن الاستاذ محمود السعدني فاكهة الكلمة العربية الذي غيبه الموت يوم الثلاثاء 4 مايو الماضي، ليس لأنه غير قابل للاستنساخ والتكرار فحسب ولكن لأن رحيله تزامن مع مرور المجتمعات التي بذل كل عمره في تبني قضاياها تعيش أسوأ حالات العجز والتيه. لم يكن السعدني مجرد كاتب ساخر وفكاهي ممن تعج بهم الصحف العربية ولكنه مفكر اختط لنفسه أسلوبا جديدا في الكتابة والمفردات جمع فيه بين الضحك والبكاء ومازج فيه السخرية بالقضايا الكبيرة. هو ينتمي إلى قلة من المبدعين الذي يوظفون الإبداع لخدمة الإنسان المسحوق ، يتشابه في ذلك مع مبدعين نعرفهم يجيء على رأسهم في بلادنا صلاح أحمد ابراهيم الذي تمر هذه الأيام ذكري رحيله السابعة عشر ورفيق دربه الذي سبقه بعدة أشهر في الرحيل علي المك الذي تخصص في الكتابة عن نماذج من قاع المجتمع، ولم تمهله الأيام ليكمل ما بدأه من كتابة تكشف الوجه الآخر من حقيقة الواثق صباح الخير الذي صلبوه في أواخر أيام النميري. وتمر هذه الأيام الذكرى السنوية السابعة عشر لرحيل صلاح، وقد درج واحد من أكثر معجبي ومحبي صلاح وحافظي آثاره على الكتابة عن صلاح في كل سنة في ذكرى الرحيل ، وفي كل مرة كان يسبق الآخرين ويفتح لهم نافذة جديدة على صلاح، ثم خرس ذلك القلم السيال فجأة، وكف الرجل عن كتابته الراتبة إلي يوم الناس هذا ، فقد شغلته التزامات المنصب الوثير وملأت عليه حياته ولم يعد لديه متسع للشاعر المتمرد.
ومن خارج السودان نستحضر نقوقي واثيونقو الذي ضاقت به كينيا فاحتضنته جامعات كالفورنيا، والكاتب المغربي الراحل محمد شكري الذي يطلقون عليه لقب “صعلوك” الرواية العربية وحنا مينا السوري وماركيز الكولومبي. جميعهم اختاروا الوقوف إلى جانب البسطاء وهو خيار يقود ،عاجلا أم آجلا، إلى غضب السلطة،إلا من رحم ربي، ويجر إتهامات اقلها تهمة الشيوعية التي استبدلت حاليا بالعلمانية، وفي كل مرة تتوسع مساحة المسحوقين في ظل تلاشي ما كان يعرف تاريخيا بالطبقات الوسطى ويزداد الغضب، ولكنه قدر هؤلاء المبدعين وخيارهم الذي اختاروه عن يقين لا يتزعزع واستعداد دائم لدفع الثمن بطيب خاطر.
ترك السعدني وراءه مكتبة ضخمة تزيد مؤلفاتها عن الأربعين كتابا ، وخلف وراءه مدرسة قائمة بذاتها للكتابة العربية ستبقى لأجيال عديدة قادمة. تتصدر هذه العبارات الراسخة في الذاكرة كتاب “الولد الشقي”، أشهر مؤلفات السعدني، والذي كان سيرة ذاتية بطعم الصدق الموجع، وتأريخا لكل المجتمع المصري من حوله خصوصا طبقة المسحوقين فيه : ” ولسوف تظل تلك الأيام هي أحلى أيام العمر وأقساها، ولو قدر لي العودة مرة أخرى إلى الحياة ، لاخترت نفس الاشخاص ونفس الأحداث ، ونفس الطريق ، لأنه كان يلوح دائما على آخر الطريق هدف ثابت أسعى إليه بلا هوادة ، وبإرادة من حديد” .
صدق السعدني، فقد كان له هدف ثابت سعى إليه بلا هوادة وبإرادة من حديد حقا، ولم يقهره إلا المرض والموت.
رحم الله محمود السعدني.
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم