فرح ودتكتوك “فقير الترابلة والرعوية” وجولات بين زمانه وزماننا .. بقلم: د. محمد عبدالرحمن أبوسبيب

 

العَجب إن جاك الحَلَق في زمن الرشاش

وان كان عِميت ومَرَتك شافت طشاش
وان كان ولادك عِدمو المعاش
وبنيتك البِكْرَه ظهر فيها الطياش
العجب إن إنعقد الدم في جِبيهتك
وان كان الصقور تاكل كِبيدتك
ومُرسال المك في البيت حارسك راجي جيتك

جولة أولى
هذه سبع لوحات ناصعة في رسمها دون تزويق، صممها الشاعر الصوفي فرح ودتكتوك لإنسان تناولته البلايا من كل صوب، ممسكة كل لوحة بزمام الأخرى في تسلسل درامي هابط، أو قل، صاعد وصولاً إلى ذروة المأساة. إنها لوحة مهيبة صوّرت حالة من الضنك الإجتماعي السائد في دولة الفونج مع بدايات تدهورها وتفكك مؤسساتها، جسّدها الشاعر في مزارع داهمه الحَلق ،مرض الزُهري، وأقعده زمن الخريف، وقت العمل والإنتاج، ولا يقف الأمر عند ذلك بل تتناوش الخطوب كل أفراد بيته، ومع كل ذلك، وهو في هذه الحالة من الإنهاك، والغبن يعتصر أحشاءه وكبده، هناك فأل سيئ ينتظر قدومه إلى البيت: إنه مرسال المك. والمرسال هو الشخص الذي يقدّر ويجمع الضريبة للسلطان أو المك، وهو من أكثر الناس بغضاً وسطوةً ومخافة في ذلك الزمن – لو كنت مزارع يقدّر ويأخذ من محصولك، ولو راعي من بهايمك، ولو تاجر من بضاعتك، يأخذ أكثر ما يمكنه لإرضاء سيده إلى جانب ما “يجنبه” لنفسه. هكذا يرسم ودتكتوك من خلال بصيرة شاعرية نافذة صوراً قاتمة لإنسان من زمانه نقرؤها فتزحم مخيلتنا صورٌ شبيهة في مقتها وضراوتها يعيشها الآن إنسان هذا البلد منذ أن إقتحمت الحركة الإسلامية دياره ففسدت وأفسدت.

جولة ثانية
والشيخ فرح، على الرغم من عدم دقة التوثيق والإتفاق حول ميلاده ووفاته (1635-1732م) إلا أنه من المؤكد أن حياته إمتدت حتى عدة عقود في القرن الثامن عشر، ومدفون في قرية الحجيرات بالقرب من سنار. هذا الصوفي لم يكن مثل الكثيرين من الفقرا والمتصوفة في زمانه وزماننا، فهو ليس من: “أهَل الدايرة أبّان وجوهاً نايرة يا البتعرفو الرّاكة والطايرة”. كان كما وصفه أحد حكام الفونج مستهزئاً “فقير ترابلة ورعوية”. فالرجل كان فقير أغبش وشاعر وناقد صريح للظلم والفوارق الإجتماعية، وللحاكم ولتردي القيم، فهو ينتمي لشريحة المتصوفة التي يصفها بعض مؤرخي التصوف الإسلامي بالتصوف الثوري أو الناشط والإيجابي غير المنكفئ، كما في نموذج الحلاج. وكما هو معروف، كثير من الأمثال والقصص والأشعار تنسب لودتكتوك دون توثيق، لكن في مجال الشعر يمكن بسهولة تمييز أسلوبه وحبكته الجمالية كما في هذه الأبيات التي وردت في مؤلف جي سبولدنق “العصر البطولي في سنار” ترجمة أحمد المعتصم الشيخ. وإذا أحكمنا النظر في هذه الأبيات فحاصل مدلولها، كما ألمحنا، يشهد بالواقع المعيشي والإجتماعي والسياسي في دولة الفونج في القرن الثامن عشر، وبدايات تفكك المؤسسة السياسية وإستقلال بعض أجزاء الدولة عن السلطة المركزية في سنار وظهور أمراء الحرب وإنتشار الفوضى والنزاعات والفساد مما أدى إلى شلل المنظومة الإقتصادية للدولة وفقدان قدرتها وهيبتها. هذا الواقع ينطبق، في جوهره، على راهن الدولة السودانية صنيعة حكم الحركة الإسلامية، فكأن “فقير الترابلة والرعوية” يُشرِّح ويحلل لنا أمر زماننا وحال دولتنا، دولة يطارد “مرسالها” صبية الأورنيش وستات الشاي وحتى “شفّع الدرداقات” من طلاب مرحلة الأساس الذين تجالد أياديهم الغضة أثقال الدرداقات في الأسواق أيام الجُمَع تأميناً “لحق الفطور”، هذا ناهيك عن ذلك المرسال الخفي أداة السلطة وذراعها الكؤود، وهو الضريبة بوجهها المباشر وغير المباشر تحاصر الإنسان من كل وجه يوماً بعد يوم، تقضم مما تبقى من رزقه دعماً لخزينة السلطان وتدعيماً لأمنه.

جولة ثالثة
تدقيق النظر أيضاً في هذه المقطوعة الشعرية يبين كيف وظف هذا المتصوف الثوري قدراته المتأصلة فيه كشاعر في التعبير عن موقف سياسي صريح ونقد مباشر لواقع إقتصادي ماثل، مستخدماً ترميزاً وقالباً جمالياً يذكرنا بتجارب كُتاب “القصة القصيرة” وأجناسها في أيامنا. فالنبض الحي لهذه المقطوعة الناتج عن حميمية لغتها رغم قسوة مضمونها يَعبُر بنا بسرعة من زمان الشاعر إلى زماننا ويتركنا أمام واقع صادم، إذ لم نغادر بعد مجتمع الشاعر وما زال إنسانه الذي وصفه وشقاءه هو نفسه إنساننا. وهذا يفضي بدوره إلى قراءة لتاريخ مجتمعاتنا ضمن مسار متصل من المسعى للعيش الكريم محفوفاً بصراع القوى الإجتماعية حول السلطة والتحولات في موازين السيطرة على الموارد الإقتصادية المتاحة، وبداهةً، على الرغم من إختلاف الواقع والمعطيات من حقبة إلى أخرى يظل جوهر الصراع كما هو وطبيعة الأزمة كما هي. فهناك مشابهة بين الزمانين تبدو في هشاشة المكوّن السياسي وآفاقه الفكرية لدولة الفونج، وفي البنية السياسية والأساس الآيديولوجي للدولة السودانية الحديثة. فمنذ إنقلاب الهمج على السلطان في القرن السابع عشر ظلت هناك شبكة من العلاقات المتوترة والمشوبة بالتربص بين أطراف النخبة الحاكمة، إلى جانب طبيعة العلاقة الرخوة بين مركز السلطة في العاصمة والأطراف المترامية للدولة، كما تبين الدراسات حول النظام الفونجي. كذلك تتجلى نفس الملامح في أزمة الدولة السودانية المعاصرة: نخبة في المركز مهترئة ومتناوشة، حاكمة بلا رؤية وبصيرة، وعلاقات خاسرة بينها وبين الأقاليم.

جولة رابعة
على أن قراءتنا لهذه المقطوعة تتجاوز بنا موضوعية التاريخ وحقائقه الناشفة إلى محاولة إستشعار البعد الإنساني في الوقائع التاريخية وتجسدها في ذوات بشرية شاخصة هي محور الحدث؛ إستشعار عادةً ما يأتينا من أسلوب “الواقعية” في الفن ومدارسها في أنواع وأجناس الفنون كما نشهدها في موروث الفنون عند مختلف الشعوب. فكلما سمحنا بإتساع السياق الذي إحتوى هذا النص الشعري وتمعّنا في مصادره، أي نظرنا بتمهُّل وتمعُّن في الحاضنة الإجتماعية والظرف التاريخي السياسي اللذان أورثانا، في نهاية الأمر، هذا المقطع الشعري، كلما سرى في خاطرنا السؤال حول حقيقة المسافة التي تفصلنا عن ذلك المجتمع ومدى إحساسنا، في الواقع، بالإنتماء إليه لحماً ودماً، ومدى مشاهدتنا له في مكونات مجتمعنا وفي قسمات وخصال أفراده من حولنا بما في ذلك ذواتنا. على أن هذا السؤال، والذي يضمر أيضاً الإجابة عليه، هو سؤال حول أصولنا، حول هوية ثقافية وسلالية معتمة ومشوشة. وهذا بدوره يدفع إلى عدم اليقين بما يجول في مخيلة أجيال من متعلمينا من صور هلامية بلا ملامح لمجتمعات تلك القرون، لأن حظها من معرفة تلك الحقب من تاريخنا لا يعدو مقتطفات من نصوص مدرسية مبتسرة أورثتها لهم مناهج دراسية قاصرة. أما الإجابة التي يضمرها السؤال فتكمن في ما يوحي به هذا الصوت الشعري ويقود إلى التفكر في مجمل البيئة الإجتماعية واللحظة التاريخية التي عاشها الشاعر وأنتج شعره. ذلك أن من شأن القيمة الجمالية النافذة في العمل الفني وواقعيته أن تنتقل بالمتلقي من متعة التجربة الجمالية الصرفة إلى الإستغراق أيضاً في الحيز المعرفي الذي يحتوي العمل، أي حقائق الحياة التي يقف عليها العمل وشكلت المادة التي إشتغل عليها مبدعه بما إمتلك من أدوات مهنته. من هنا جاء القول بدور الفن الأعظم في كسب المعرفة وتعميق الوعي وإستجلاء الهوية.

جولة خامسة
حقاً ما يجمع بين زماننا وزمن ودتكتوك هو قواسم المعاناة ومكابدة العيش وظلم الحاكم. كما أن حاضرنا الذي نعيشه وماضي شاعرنا الذي عاشه ليسا سوى حصيلة سلالات وثقافات تكاثرت وتنوعت وتساكنت وتمازجت في تاريخ متصل، لها قوامها الإجتماعي وهيكلها السياسي وأنساقها الثقافية وموروثها الفني وحظها من التكنولوجيا ونظم الإدارة وتقاليدها، كان ذلك ضمن دولة نشأت وسادت وما زالت منذ ما قبل التاريخ؛ وقد شكلت هذه السلالات والثقافات، في مستقرها في وادي النيل الأوسط وفي السهول والبوادي والجبال من حوله، لُحمة وسُداة هذه الدولة. على أن ما شهده زمان ودتكتوك من تدهور وما نشهده في زماننا من إنحطاط هو، من منظور جدلي تاريخي، مؤشر على مجتمعات حية ونابضه بالتناقض والصراع، لأن التدهور لا يعني الموات والهمود وإنما مؤشر على إستفحال الأزمة وضرورة نفي ما هو قائم والتأسيس لبديله. وما “فقير الترابلة والرعوية” هذا، إن أحسنا قراءته، إلا صوت جهير يدعونا لمنازلة الأزمة وإستصحاب بديلها.

abusabib51@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً