ظلت الديمقراطية في السودان تتعثر الخطي منذ العام 1956م بين مغامرات العسكر وعسفهم، وعصبية الطائفية ورجعيتها، وجاهلية السياسيين وصراعاتهم [1] ، ومؤامرات الاسلاموية وفسادها. بين كل هذا السفر المليء بالفشل ضلت الديمقراطية طريقها عن شعب ظل يقدم التضحيات الجسام لأجلها من خلال ملاحم ثورية سلمية في أكتوبر 1964م وأبريل 1985م ثم الثورة الشبابية العظيمة التي بهرت العالم بسلميتها في ديسمبر 2018م. وقد ان لهذا الشعب ان يقطف ثمار نضالاته في الظفر بحياة حرة وكريمة، وعلي الأحزاب السياسية ان تراجع اخطاءها وخطاياها وان تعيد النظر في هياكلها التنظيمية ومرجعياتها الفكرية ومنهجيتها في العمل السياسي وفق المتغيرات التي فرضتها ثورة ديسمبر المجيدة، وصولا الي ممارسة ديمقراطية راشدة تُخرج البلاد من مربع الفشل الذي لازمها طويلا وتُحقق للشعب السوداني حلمه في الحرية والسلام والعدالة.
الطائفة الدينية هي احدى القوالب المجتمعية التي تداخلت مع السياسة وشكلت نمطا من الممارسة الحزبية اضر ضررا بليغا بمسيرة الديمقراطية في السودان. يقول امام الانصار وزعيم حزب الامة معدداً عيوب الحزبية السياسية ذاكرا من ضمنها: ان بعض الاحزاب ذات الوزن الشعبي استعصت على “التجديد” وجعلت قيادتها تمارس دورها دون أية “مؤسسية” بل تعتمد على “ولاء طائفي” وان ذلك يحسب على جدوى الممارسة الديمقراطية [2]. في حقيقة الامر حسب وجهة نظر كاتب هذا المقال فان المسألة لا تتوقف علي مدي اعتماد قيادات الاحزاب علي “الولاء الطائفي” من عدمه، بل ان المشكلة في وجود الطائفة نفسها، فالكيان الطائفي في الاصل يتنافى مع “المؤسسية” و”التجديد” المشار اليهما في حديث امام الانصار اعلاه، وبالتالي يتنافى مع الديمقراطية. ففي كل الانتخابات التي جرت في السودان خلال ما عرف بالفترات الديمقراطية كانت الطائفة ككيان ديني-مجتمعي بمثابة “الجوكر” في ايدي بعض الاحزاب والذي كان دائما ما يمنحها الفوز في اللعبة السياسية السودانية. ولممارسة ديمقراطية معافاة يجب اولا تحييد هذا “الجوكر” وازاحته عن اللعبة تماماً باعتباره وسيلة غير ديمقراطية للوصول الي السلطة.
خلفية عن جذور الطائفة الدينية وعلاقتها بالسياسة في السودان
بدأ دخول الاسلام الي شمال السودان بعد ابرام اتفاقية البقط بين المسلمين والنوبة وكان في بدايته علي يد التجار والمهاجرين غير المتفقهين في الدين الذين ركزوا في نشر السمات العامة للدين دون الدخول في التفاصيل الفقهية المعقدة مما نتج عنه نوع من التدين وصفه المفكر د. حيدر ابراهيم علي بـ “الدين السوداني” ولاحقا في حوالي منتصف القرن الخامس عشر بدأ الفقهاء التوافد الي السودان لنشر المفاهيم والممارسات الدينية وكان اغلب هؤلاء من المتصوفة [3]. واستمر توافد رجال الدين في عهد مملكة الفونج والممالك الاسلامية الاخرى في مناطق الفور وتقلي. وعمل هؤلاء الفقهاء علي نشر الدين الاسلامي دون المساس بالعادات والتقاليد المحلية ومنها ما هو وثني او مسيحي. يصف المفكر د. عبد الله علي ابراهيم ذلك بانه “تفاعل هادي بين اتجاهات التبشير العلمي واتجاهات التصوف الفردي، والموروث المسيحي والوثني في البيئة السودانية” [4]. والتف الناس حول هؤلاء الفقهاء المتصوفة الذين اكتسبوا مكانة رفيعة في المجتمعات السودانية وكان الشيخ يحاط بهالة من الاحترام والتبجيل من قبل المريدين واصبح لبعض هؤلاء المتصوفة نفوذ وقوة روحية ذات تأثير كبير علي المجتمع وحتي علي الملوك انفسهم فقد كان سلطان الفونج لديه اعتقاد كما للرجل العادي في صلاح هؤلاء الشيوخ وفي مقدراتهم [4]. وتشكلت علي اثر ذلك، الطرق والطوائف الصوفية في السودان والتي وجدت التشجيع من ملوك الفونج بسبب المصالح المشتركة، فقد ساعدوا الملوك في اعطاء شرعية لحكمهم، وفي المقابل اقتطع الحكام الاراضي والهبات للشيوخ [3]. كانت اول طريقة صوفية دخلت السودانية هي الطريقة الشاذلية في العام 1445م ثم تلتها الطريقة القادرية في القرن السادس عشر الميلادي [5]. ومنذ ذلك الوقت ظلت الطرق الصوفية في تزايد حتي وصلت الي حوالي 40 طريقة في السودان الان. واصبح كثير من اتباع هذه الطرق سدنة ذوي نفوذ لملوك الفونج وامراءهم، ليس في المجال الروحي فحسب، لكن في مضمار السياسة ايضاً [5].
من ابرز الطرق الصوفية والتي اكتسبت نفوذا واسعا في السودان كل من الطريقة السمانية التي دخلت السودان في العام 1800م والطريقة الختمية التي ارتبط وصولها الي السودان واتساع نفوذها بالحكم التركي المصري [5]. اما المهدية فهي نشأت في الاصل كحركة دينية وسياسية ضد النظام التركي القائم في السودان وقائدها الامام محمد احمد المهدي الذي نشأ في كنف الطريقة السمانية جمع بين انه رجل دين صوفي وقائد عسكري استطاع ان يقود ثورة ضد الاحتلال التركي وطرده من السودان، مما مكنه من فرض سلطته السياسية وطريقته الدينية علي الجميع باعتبار ما يعتقده بان الله في ازله وقضاءه قد تفضل عليه بالخلافة الكبرى من الله ورسوله وان سيد الوجود صلى الله عليه وسلم قد اخبره انه المهدي المنتظر[4].
بعد انهيار المهدية على ايدي الانجليز وقيام السودان الانجليزي- المصري، عملت في البدء علي تحطيم طائفة المهدية والطوائف الدينية الاخرى التي شاركت في الثورة المهدية بينما تم تشجيع الطوائف الأخرى التي ناصبت المهدية العداء وبوجه اخص طائفة الختمية، ولكن عندما نشبت الحرب العالمية الاولي، وجّه الحاكم العام في السودان للعلماء والاعيان نداء لتأييد بريطانيا، فاستجاب له زعماء الطوائف واعيان المدن، وكان من ابرزهم السيد علي الميرغني والشريف يوسف الهندي، كما ابدي السيد عبد الرحمن المهدي – الذي كان حتي ذلك الوقت يعيش تحت الظل في ام درمان – لتقديم خدماته، فأرسلته الادارة البريطانية الي الجزيرة لكي يضمن ولاء الشيوخ والعمد هناك، ونجح في مهمته فكسبت الحكومة ولاء طائفة الانصار في النيل الابيض والجزيرة[5] . بعد هذه المهمة تطورت العلاقة بين السيد عبد الرحمن المهدي والادارة البريطانية وبدأ نفوذه السياسي والاقتصادي يزاد، مما مكنه من اعادة طائفة الانصار الي الواجهة من جديد ولعب دور اساسي مع طائفة الختمية في الصراع السياسي في السودان في الفترة التي تلت ذلك.
فخلال مسيرتها الطويلة استطاعت الطرق الصوفية والطوائف الدينية وعلماء الدين واعيان المناطق المختلفة في السودان ان تصبح قوة ذات تأثير روحي واجتماعي مكّنها من خلق علاقة ذات مصلحة متبادلة مع السلطات في معظم الفترات من مملكة الفونج مرورا بالتركية ثم الادارة الانجليزية، مما جعل هذا النفوذ يتخذ الطابع السياسي والاقتصادي اضافة الي نفوذها الديني. تعزز النفوذ السياسي والاقتصادي بصورة اكثر وضوحا لبعض الطوائف والاعيان في بدايات القرن العشرين عندما استعانت الادارة البريطانية بها في كسب تأييد السودانيين في حروبها اثناء الحرب العالمية الاولي، وايضا في تأييد مواقفها المناوئة لمصر التي كانت تطالب باستقلال وادي النيل، كما كانت هذه الطوائف والاعيان وسيلة الادارة البريطانية لبسط سيطرتها في الحكم. وكانت طائف الختمية وطائفة الشريف يوسف الهندي وطائفة الانصار في مقدمة هذه الطوائف، والتي استفادت من علاقتها مع الادارة البريطانية في تدعيم نفوذها السياسي واكتساب منبر اعلامي هام بإصدار صحيفة “جريدة الحضارة” بملكية مشتركة لزعماء الطوائف الثلاثة، في العام 1920م.
وهكذا خلال خمسة قرون ابتداءً من العام 1445م، تاريخ دخول اول طريقة صوفية الي السودان، الي العام 1920م، توطنت الطرق والطوائف الدينية بالسودان واستطاعت من توظيف الدين بذكاء وبراغماتية، مستغلة بساطة السودانيين وانتشار الجهل والخرافة، في ترسيخ مفهوم الطائفية وتراتبيتها الهرمية في المجتمع السوداني، حيث يحظى شيخ الطريقة علي رأس الهرم بالقداسة والاحترام وفي اسفله قاعدة واسعة من المريدين المطيعين والموقنين بمقدرات الشيخ وكراماته. هذا جعل الطرق والطوائف الدينية تتجذر عميقاً في المجتمع السوداني وتصبح ذات نفوذ كبير على المجتمع والسلطة الحاكمة علي حد سواء. يتضح ذلك في:
1- اصبح لها نفوذ اجتماعي كبير حيث يحظى شيخ الطريقة باحترام وتبجيل والاعتقاد في مقدراته الخارقة للطبيعة كما له تأثير روحي كبير علي اهل السلطان.
2- التفاف المريدين حول شيوخ الطرق الصوفية جعلت لهم قوة تضفي علي نفوذهم الروحي علي اهل السلطان قوة سياسية [4].
3- سيطرت الطرق الصوفية علي الحياة الثقافية السودانية في عهد مملكة الفونج وقد تأثر بها النظام التعليمي الذي كان قائما في المساجد والخلاوي لدرجة كبيرة [5].
4- النفوذ الديني والاجتماعي للطوائف الدينية جعل الادارة البريطانية الاستعانة بها في كسب تأييد السودانيين في كثير من المسائل السياسية مما مكن هذا الطوائف من خلق علاقة ذات مصلحة متبادلة مع الادارة البريطانية دعمت نفوذها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في السودان اضافة الي نفوذها الديني.
5- سمحت الادارة البريطانية لثلاث من الطوائف الدينية بإصدار جريدة سودانية باللغة العربية. وكانت هذه اول مرة يُحظى سودانيون بمثل هذا الامتياز.
6- في العام 1919م سمحت الادارة البريطانية لوفد مكون من ثلاث من زعماء الطوائف وثلاث من علماء الدين واربعة من زعماء القبائل، السفر الي بريطانيا لتهنئة ملكها على الانتصار في الحرب، بينما تم اقصاء المتعلمون من خريجي كلية غردون والكلية الحربية [5].
الطائفية والاحزاب
كانت الزيارة التي قام بها الوفد المكون من بعض زعماء الطوائف وعلماء الدين ورجالات الادارة الاهلية الي ملك بريطانيا في 1919م بإيعاز من الادارة البريطانية وخلو ذلك الوفد من خريجي كلية غردون والكلية الحربية، اعتراف ضمني من الادارة البريطانية بزعماء هذه الطوائف حصرا كقوى حليفة يمكن الثقة بها للمساعدة في ادارة البلاد. وهذا الامر مع العقلية الطائفية التي تسود المجتمع دعّم النفوذ السياسي لهذه الطوائف وجعلها في موضع الوصاية على المجتمع ولاحقا على الاحزاب السياسية بل الهيمنة الكاملة على اكبر الاحزاب والطموح في حكم السودان.
ويبدو ان خريجو كلية غردون والمثقفون عموما كانت تسيطر عليهم – مثلهم مثل عامة المجتمع – العقلية الطائفية الابوية ومهيؤون وجدانياً لمبدأ الوصاية والرعاية من قبل الزعماء الدينيين مما مكن زعماء الطوائف الدينية التدخل في شئون اول مؤسسة وطنية سياسية في السودان، مؤتمر الخريجين والذي تكون في العام 1938م، والتأثير على مجرى الاحداث فيه ومن ثم التاثير علي مستقبل السودان السياسي. فقد كان من المؤمل ان تفضي تجربة مؤتمر الخريجين الي احزاب سياسية ذات رؤي حداثية وبناء ديمقراطي بعيدا عن الطائفية، ولكنها فشلت في ذلك وارتمي مثقفوها في احضان الطائفية في علاقة عرفت في بدايتها “بالرعاية” حيث يقوم زعيم الطائفة برعاية الحزب، وما ذلك الا اسقاط لمفهوم الطائفة المتجذر في السودان على الاحزاب السياسية. فهذه الاحزاب، والمفترض انها مؤسسات للتنوير وفلسفتها قائمة علي مبادئ الحرية والمساواة والتي تتنافي تماما مع العقلية الطائفية الابوية، اصبحت من خلال هذه “الرعاية” تحت رحمة قوى رجعية ليس في شرعتها حرية أو مساواة بل تقسم المجتمع الي “سادة” و”مريدين” ولن يتساوى يوماً المريد بسيده. فمسألة “الرعاية” هذه تجربة سودانية فريدة ولا يمكن فهمها الا في اطار المصلحة المتبادلة، والتي لا تخلو من البراغماتية الانتهازية بين زعماء الطوائف والمثقفين. فالطوائف تملك قواعد شعبية تقدس زعاماتها ولا تعصي لها امرا ولكنها تحتاج للمثقفين الذين خبروا العمل السياسي المنظم من خلال تجربة مؤتمر الخريجين واصبحت تجربتهم تتبلور في شكل احزاب سياسية، وفي الجانب الاخر كان المثقفون في حاجة الي القواعد الشعبية كمناصرين لأحزابهم في مناطق السودان المختلفة. في مرحلة لاحقة تحولت هذه “الرعاية” الي هيمنة كاملة، حيث اصبح زعيم الطائفة يجمع بين زعامته للطائفة ورئاسته للحزب. وهكذا ارتبط وجود اكبر الاحزاب السودانية وهيمنتها علي الساحة السياسية السودانية لعقود طويلة علي كيانات دينية تدين بالولاء التام لزعيم الطائفة الدينية وتأتمر بأمره في أي استحقاق سياسي او وطني مما افرغ العملية الديمقراطية في السودان من مضمونها واصبحت الديمقراطية لدي هذه الاحزاب مجرد شعار لا يلامس واقعها. وكان نتاج ذلك انه بعد كل انتخابات تتصدر المشهد حكومات كسيحة ذات مكونات حزبية متشاكسه لا تتعدي رؤيتها مصالح الحزب الضيقة ولو كان على حساب المصلحة الوطنية، ودائما ما يصل بها الامر الي فشل يبرر للعسكر استلام السلطة كما حدث في نوفمبر 1958م ومايو 1969م ويونيو 1989م.
فقد فشلت الاحزاب الطائفية في الحفاظ على الديمقراطية طوال اكثر من ستين عاما منذ الاستقلال رغم ما توفر لها من فرص لذلك، لأنها في الاصل ليست احزابا ديمقراطية وان ادعت ذلك، فالديمقراطية بالنسبة لهذه الاحزاب ما هي الا مفهوم اطاري واجراءات يمكن من خلالها الوصول الي السلطة كما ان الدين هو وسيلتها للكسب الجماهيري. والان ونحن علي مشارف الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين من المؤسف ان نظل رهن قوالب حزبية رجعية تستند الي المفاهيم والعقلية الطائفية التي نمت وتشكلت وتغذت على الجهل الذي كان سائدا خلال القرن التاسع عشر وما قبله.
الطائفية والديمقراطية
الديمقراطية وسيلة سلمية وعادلة لتداول السلطة وهي قائمة علي وجود احزاب سياسية وكلما ما كانت هذه الاحزاب تؤمن بالديمقراطية وتطبقها بصرامة وشفافية كانت السلطة الناتجة عنها قوية ومستقرة. الاحزاب الطائفية في السودان عادة تتبني الديمقراطية لكنها لا تمارسها واقعا مما خلق ديمقراطية مشوهة بالسودان يختلط فيها الطائفي بالحزبي. فيما يلي نناقش لماذا كانت الطائفية معوق اساسي للتطور الديمقراطي في السودان:
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم