في الغبطة المقنعة أو الغضب الوظيفي .. بقلم: إبراهيم عثمان
21 فبراير, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
36 زيارة
على الرغم من بساطة و تسامح وعفوية الشخصية السودانية وعدم تعقيدها على وجه العموم ، إلا أن الصورة العامة لعالم السياسة في السودان منذ الاستقلال يغلب عليها طابع المكايدات و التباغض و ( الحفر ) ، فالكل غاضبون من الكل ، والعاطفة الهشة المؤقتة وحدها هي الفاعل الأكبر اقتراباً أو ابتعاداً ، تلاقياً حميماً أو تفارقاً لئيما، بين المتباعدين فكرة أو حتى المتقاربين ، و على نار العواطف الملتهبة يتم انتاج كتابي غزير معظمه لا يخرج عن البكائيات المصنوعة في معامل التأليف والترقيع، والمناحات الساذجة السهلة المقصودة لذاتها ، فيتحول الفضاء العام إلى حفل تنكري كلٌ يرتدي قناعه و يبدأ وصلة اللطم والتمثيل غير المتقن رغم طول الممارسة ، و تسود روح القبيلة إن لم يكن بمفهومها البدائي -وهذا موجود بكثرة – فبمفهومها السياسي ، حيث يتحول الغالبية إلى ميليشيات قبلية سياسية و فكرية لا هم لها إلا معارك التصفية والإفناء الدونكيشوتية ، معارك ينخرط فيها المثقف و يصبح دوره الوحيد فيها هو رعاية مسببات الصراع و اقتراح واجتراح بعضها مما لم يلتفت الناس إليه من الهامشي غير المكتمل ، أو الكامن غير الموظف في الصراع ، أو حتى المصنّع في معامل البلاغة الهجائية ، ويصبح الخطر الاكبر الذي ينذر وقته وجهده لمواجهته هو أي مسعى غير تصفوي للحل و التسوية ، فبدلاً من أن يكون دور المثقف هو تهذيب المجال العام و تنقيته من عقلية الإقصاء والتصفية و الإفناء ذات الأهداف المستحيلة عقلاً والممتنعة واقعاً ، إلا أنه يصر على تغذيته بالتطرف و يمتشق قلمه/حسامه ليخوض معارك التصفية و ينتج التطرف وهو يدعي محاربته ، و يحارب الإقصاء بلغة تنتجه مضخماً صافياً مبرأً من كل شبهة قبول بالآخر . يقدم خطابات الإعتماد في ساحة العقلانية والتسامح وقبول الآخر بمعمار بلاغي ركيك يبتذل التسامح والإنفتاح ، و يقدمه كمحاولات مستمرة لتقديم عرابين التلاقي مع بعض الفاعلين على حساب آخرين كلما بالغ في شتمهم والمطالبة بتصفيتهم كلما ظن أنه اقترب من الإنفتاح ! يتحدث عن الإنفتاح و هو يقف على أرضية العقل الميليشيوي ولغته الحدية . و بدلاً من أن يرى الإختلافات الفكرية والأيديولوجية والثقافية كأمر طبيعي لازم لأي اجتماع بشري ، فيقدم مساهمته في كيفية إدراتها كإختلافات طبيعية قدرية في النظر إلى الأمور يمكن إدراتها عبر الحوار ، بدلاً من ذلك يقدم و بحماس شديد مساهمته في تأجيج روح الوعي الميليشيوي التصفوي الإطلاقي الذي لا يساوم على أحقيته في تسيد الساحة منفرداً مهما كلف الأمر .
يتفنن في توليد مواد الغضب بعضها من بعض و يخرجها في لغة نارية تتوسل السمت الأدبي النزق المشغول بالإثارة العاطفية أكثر من الإثبات والبرهنة و الذي لا يزيد عن كونه مجرد بكائيات ومناحات قدحية ، فلا تشخيص علمي لأصل مشكلة ولا اقتراحات علمية لحلها، و إنما هو قانون السهولة : فأم العلل و علة العلل هي خصمي ذاتاً وصفات، به وبشرِّه الأصلي يتم التفسير و التعليل ، وعلى أنقاضه معاني ومباني تُصاغ الحلول .ويفوت عليه أن الغضبة المضخمة المتكئة على قصة مصنوعة أو مضخمة هي إعلان عن غبطة كاملة الأركان لا تكاد تخفيها كل مساحيق اللغة ومناوراتها . غبطة الذي يظن واهماً أنه تمكن من احراز هدف من عُشر فرصة ، و الذي استعمل كل مهاراته ليخلق متن موضوع الغضبة و يصنع حواشيها ثم يسكب دمعة غضبه الكذوب على واقعة صنعها هو على مقاسها . ستكون الغضبة مدلسة بقدر التدليس الذي لابس صناعة موضوعها . و ستحيل القارئ مباشرة إلى مراقبة الكلمات الطروبة التي تمارس عكس ما تمثل وتدعي . طرب يكشف عنه التبني الخفيف لكل ما يطرق الأذن من مآخذ الآخر مهما كان حجم تهافته . فمن يجعل غضبته على طرف تفاعله مع كل ما يسمع ، سيثير الشك في أصالتها و صدقها . ومن يجعلها مبذولة جاهزة للتجاوب و الاشتغال على وقع الموضوع أو اللاموضوع . سيكشف مباشرة عن أنها أصبحت هدفا لذاتها، و أنه يطرب لمسببات الغضب أكثر مما يغضب ، فيقول للناس دون أن يشعر : يسعدني أن يكون خصمي هو آلة صماء لا تنتج إلا مسببات غضبي ! بهذا الأداء سيجعل الشك مشروعاً في أنه يتصنع على الأقل جزءاً كبيراً من غضبه ليبرر تصفية الآخر ! و سيثبت أن معظمه- وليس كله بالطبع – غضب وظيفي مصنوع ومطلوب بشدة ليشكل غطاء التصفية وليس ردة فعل طبيعية ، خاصةً إذا تم ضبطه مراراً بتجاهل مسببات غضب حقيقية أخرى لا يحتاج معها إلى تصنيع أو تصنع أو فبركة لمجرد أن الفاعل هو من الذين يرضى عنهم .طبيعي أن يميل الإنسان إلى الدفاع عن معظم أفعال من يوالي ، ولكن غير الطبيعي هو أن يقدم نفسه كإنساني بالغ الحساسية فيكون نشاطه اليومي هو البحث عن قصص يختبر فيها حساسيته وإنسانيته فيفرط في تصنيع القصص وكذلك في رد فعله عليها ثم تتبخر هذه الحساسية فجأة إزاء قصة أو قصص جاهزة لإشعالها ، وفي هذا الصدد يمكن إيراد عشرات الأمثلة ولعل آخرها هو مأساة مقتل الرعاة في جنوب كردفان والتي تلتها بأيام مأساة وفاة المعلمة في احدى مدارس الخرطوم ، والمأساتان في الحقيقة تستحقان الغضب الشديد ، لكن الذي حدث هو أن مقتل الرعاة – رغم هول الجريمة ورغم عدد الضحايا الذين سقطوا بفعل عدوان مباشر – لم يجد ذات الإهتمام لدى أغلبية النشطاء في مواقع التواصل الإجتماعي ، ولم يتم التفاعل معه بمقالات وتحليلات وكاريكاتيرات … إلخ كما حدث في حالة وفاة المعلمة ، وما حدث في حالتها من تفاعل وانفعالات كان مطلوباً ويفترض أنه سيكون طبيعياً لدى الغالبية وأنه ليس غضباً وظيفياً مضخماً لمجرد الإستخدام السياسي المبتذل ، لولا أن معظم هؤلاء الغاضبين صموا آذانهم وكبحوا أقلامهم عن التفاعل مع الجريمة المكتملة الأركان التي حدث في نفس الأيام ، الإنسانية المطلوبة التي حضرت بقوة في حادثة المعلمة ، كان يمكن أن تثبت أصالتها ومبدأيتها لو أنها لم تغب عن الحادث الآخر ، رغم أن الجهة المتهمة أصدرت بيان تتبرأ فيه عن ارتكاب الجريمة وتؤكد أنها شكلت لجنة تحقيق ستحاسب الفاعلين ( إن ثبت أنهم من منتسبيها أو من المقيمين في أماكن سيطرتها ) . والواضح أن معظم النشطاء المتعاطفين مع هذه الجهة لم يصدقوا نفيها الخجول هذا ، ولذلك تجاهلوا الجريمة ولم يتفاعلوا معها بالطريقة المتوقعة في حالة وجود أدنى شبهة تجعل خصمهم السياسي في مرمى الإتهام ، وبذلك السلوك ثبتوا التهمة على الجهة المتهمة ، وأثبتوا أن إنسانيتهم تُشترى وتُباع في سوق السياسة ، وأن معظم غضبهم افتعال وتمثيل لأغراض سياسية حتى لو كان هناك ما يستدعيه .
طبيعي و مفهوم أننا كبشر لسنا آلات قياسية صماء تقيس كل الأمور بذات المعيار فلكل منا دوافعه و أهواءه و تحيزاته الظاهرة أو الكامنة التي بالتأكيد ستفعل فعلها بهذا القدر أو ذاك في تقييمنا لذات الفعل إن صدر من الصاحب أو الخصم ، كلنا -بدرجات متفاوتة- ذلك الرجل ، و ربما كان ذلك مرده إلى حصيلة تفاعلات نفسية لا سبيل إلى التحكم الكامل فيها ، لن يكون ذلك مرضا بمقاييس النقص البشري المسلم به ، و لكن التحيز المريض سيصبح كذلك إن تعدى الحدود و أصبح صاحبه لا يفعل شيئاً سوى الإعلان عنه كلما صاغ جملة أو كتب مقالا فتناقض مرات ومرات ليصنع اتساقا زائفاً ، يعلم هو زيفه بكثرة مراوغاته المقصودة المفضوحة لدى نفسه ولدى الغير ، فمن سوء حظه أنه في صف تمارس بعض مكوناته الكثير من مثيرات الغضب مما يختبر انسانيته ويضعها على المحك .
الغبطة المموهة التي ترتدي قناع الغضب ليست تهمة يتم تجميع أدلتها على طريقة صاحبها في تصنيع الأدلة بل هي مكشوفة ، و كلما أمعن صاحبها في محاولات تمويهها كلما وضعها فوق السطور و أمام الأعين ، فالإمعان في محاولات تغطيتها هو في ذاته إعلان عالي النبرة عنها ، تماما كاللص الذي يقتحم دارا و يسرقها و يقضي سحابة نهاره في طمس الأدلة فكلما بالغ في ذلك و أنفق وقتا أطول في تنفيذه كلما عرض نفسه لمخاطر الإمساك به متلبسا . والغضبة المشيد جسمها على كذبة صريحة هي إعلان ضاج بأنها غضبة مدلسة تخبئ وراءها فرح طفولي نزق بتلويث موضوعها ليستحق الكراهية ! . والغضبة المشيد معمارها على قواعد التضخيم و الفبركة و الإفتراء و تصنيع الأدلة هي تصريح كامل بإرادة الغضب لا إرادة الحقيقة ، فالذي يصنع (حقيقته ) على مقاس غضبته التي يريدها سيترك بصمات التصنيع و الفبركة و التدليس على جسم غضبته تماما كما تركها على جسم المادة الخام التي بررها بها .و الخفة الظاهرة في تصنيع الأدلة و تبني كل ما يقع على الأذن لا يمكن أن تنتج عنه غضبة متماسكة حقيقية ذات شخصية و اعتبار ويمكن توظيفها بكفاءة واقتدار في مشروع التصفية ، ستصبح في هشاشة المادة التي توسلتها .
و الخفة في احصاء أكبر كمية من مسببات الغضب ستراكم أكبر كمية من مسببات الشك في صدقيته .. اعتساف المآخذ لن يكون بأي حال مادة إضافية تسند جسد الغضبة و تمدها بعوامل القوة الإضافية ، بل سيوقع صاحبها في مظان الريب والشكوك ، فكلما تهافتت المآخذ كلما كانت إثباتاً لمآخذ و شكوك في دوافعه . و السخرية الخفيفة الوزن من بعض ما يعترض سبيل الغضبة مما يرى فيه مهددا لصفائها من أعمال الآخر الخيرة و الخفة في محاولات الدحض و التفنيد و تصنيع مادة الغضب من أبعد مظانه ستجعله غضبا مطلوباً لذاته و ستضع حقيقته أمام أعين الجميع و ستكشف عن أن صاحبه يتحسس من بعض ما يفترض أن يخفف غضبه إن لم يكن مطلوباً لذاته ، لذلك تجده يقف سداً منيعاً وخصماً عنيداً لأي حقائق موضوعية يرى بأنها ستهدد صفاء الغضبة التي رعاها ويخشى عليها من عوادي الأسباب التي يفترض أنها مخففة أو مزيلة لها . يخفى على هذا النوع من ( الغاضبين ) أن من بين التكتيكات التي قد تفيد في تمويه المسببات الحقيقية لغضبه الحقيقي مما لا يستحق الغضب و غبطته المموهة ببعض ما قد يسببها من الواقعي أو المصنّع ، يخفى عليه أن من بين هذه التكتيكات تكتيك الصمت ، إذ أنه ليس مضطرا لأن يجهد ملكة المنطق لديه وأن يضع مصداقيته على المحك بمحاولاته المستمرة لتكون له كلمة في كل شاردة وواردة يثبت عبرها أنها جميعا تسير على مقاس تصوراته و رغباته لتثبت ألا خير مطلقا في الآخر ولا رغبة في الخير ولا إرادة ولا نية .
بالطبع ليس مطلوبا منا -كأصحاب مشاريع سياسية متنافسة- أن نبرر للآخر أو أن نعدد محاسنه أو نتجاهل أخطاءه . لنا جميعاً الحق الكامل في أن نراه غير صالح لنا ولا لغيرنا من عامة الناس ، و لنا جميعاً الحق في أن نعدد مسببات حكمنا هذا . ستستطيع وأنت تتحرك داخل النسبية أن تكون مقنعا لنفسك و للناس بأن حكمك هذا يمليه عليك ضميرك و الزاوية التي تنظر منها للأمور اتفقوا معك فيه أو اختلفوا ، ولكن ستضطر إلى القبول بأن يكون الآخر موجوداً و يطرح نفسه ، والحٓكٓم هم عامة الشعب وليس أنت وحدك . ستحصل على ذلك إذا لم يضبطوك متلبسا في كل مرة بمعاندة المنطق و بمخالفة الضمير لتصنيع أدلة تفيض كثيرا جدا عن الحد المطلوب لتبرير حكمك بعدم صلاحية الآخر ، وانخراطك الكامل في شيطنته تمهيداً لتصفيته الكاملة . لست محتاجا إلى التمثيل و التضخيم و تصنيع الأدلة فكل تجربة بشرية مهما كانت ستجد فيها ( إذا كنت مختلفا من حيث المبدأ مع الفكرة التي تقف خلفها أو لأنك رأيت فيها انحرافا عن الفكرة ) ما يبرر رفضك لها دون حاجة للمبالغات الضارة بموقفك أكثر من اضرارها بمن تقف ضدهم ، و الفائدة الحدية لأي اضافات تعتسفها ستتضاءل إلى الصفر ثم تشتغل بالسالب و تخصم من قضيتك التي بنيتها مدماكا مدماكا .. دع البناء متماسكا ولا تكثر فيه من الحشو و المواد المغشوشة فيعلو و يتصاعد ظاهريا أمام عينيك ثم ينهار كله بصحيحه و مغشوشه لأنك قد خلطت هذا بذاك فهدمت ما أردت تقويته . التهم الكاذبة إن وضعتها كمادة بين فراغات البناء أو حعلتها مداميك أصلية ستقضي عليه عاجلا ، تلك مسلمة سيكلفك تجاهلها الكثير ، أنت تحتاج – كلنا في الحقيقة نحتاج – إلى عقلنة صراعك و هندسته بما يعظم مكاسبك ، أما الخفة والنزق و محاولات اقتناص أشباه الفرص وادخالها إلى معملك وإعادة تصنيعها ونفخها و توريمها لتناسب أغراضك فستجعل الورم يتلبس أصل قضيتك وغضبتك وروايتك للأمور.
اغضب فهذا حقك ولكن لا تلغي النسبية و تعطل المعايير كل المعايير لتجعل الحقيقة المركزية الوحيدة هي أن الآخر شيطان موصوف يجب تصفيته بالكامل ، لن تفلح في تصفيته ،ولكنك بدلاً عن ذلك ستصفي مصداقيتك ، ..ستصفي ذاتك واحترامك لنفسك واحترام الآخرين لك وأنت تنصب نفسك مالكاً للحقيقة الكاملة ، لا تعاند النسبية فقانونها سيشتغل سعدت بذلك أو حزنت فليس الآخر شيطان ولا أنت ومن توالي فلكل أخطاؤه التي تُغضِب ،احترم غضبك ودعه يشتغل على هدى الوقائع لا ألاعيب السياسة يحترمه الناس ويصدقونه ، لا تسئ لصادقه وحقيقيه بأكوام الفبركة التي تضخمه بها . فالفبركات لها رائحة نفاذة ستنتشر بسبب محاولاتك لتغطيتها لا برغمها ، وإن لم تعاف كل ما تظن أنه يخدم قضيتك فستجعلها هي نفسها مما يُعاف بحجم التلطيخ الذي ترتكته على جسمها
salaby2013@yahoo.com