مقدمة:-
صَدَرَ لِكَاتِبَنا النِحْرِيرَة وشَّاعِرَتِنَا الجَلِيلَة، نيانجانق موريس مجوك دودي، عن دار الدَّلِيل الثقافي بالقاهرة، هذا العام (2020م)، ديوانان ممتلئان بالقصائد الأول: (روح العاشقة) ويقع في (149) صفحةً، والثاني: (هجاءُ الأساطير) ويبلغ عدد صفحاته (172) صفحةً، مِنْ القطعة المتوسطة، وكلها مكتوبةٌ باللغة العربية الفصحى.
يحتوي الديوان الأول (روح العاشقة) على (39) قصيدةً متنوعة ما بين القصيدة الحُرَّة والقصيدة الموزونة المنظومة، كما يحتوي الديوان الثاني على (21) قصيدةً مُنَوَّعَة ما بين الشِّعْر النثري وشِّعْر الكلام الموزون المقفى. وهذا في رأيي إنتاجٌ أدَّبِيٌّ غزيرٌ ينبغي أن نستقبله بتقدير، ثُمَّ نقوم بقراءته وفحصه وتحليله من خلال القراءات الأدبية واستخلاص الرسائل التي تُرِيدُ الشَّاعِرَة ايصالها للقُرَّاء من موضوعاته.
قبل أن أُعَلِّقُ على أشعار الديوان، دعوني أقول شيئاً عن الشَّاعِر والشِّعْر، لأنَّ هناك جدلاً في المجتمع السُّودَانِي الجَنُوبي، وبالتحديد في الأوساط الشبابية، وليس كل الشباب؛ بل بين أبناء الجيل الذي وُلِدَ جُلّهُم أو بعضهم في شمال السُّودان وذهب بعضهم إلى الشمال من الجنوب في الصغرِ، وترعرعوا فيه، وتلقوا جميع مراحل تعليمهم بالعربية في السُّودَان الشمالي؛ عن الشَّاعِر ومَنْ يَكُون أو الشَّاعِرَة ومَنْ تَكُون. ومِنْ الملاحظ أن الجدل يأتِ مِنْ “منطلقات تنظيرية” بحتة؛ لا تستند إلى مناهج أدبية وأصولها، حَتَّى مِمَنْ ليس لهم دِرَايةٌ بالشَّعْرِ عن طريق القراءة والاطلاع على ما يكتبه جموع الكُتَّاب والشُعْرَاء مِنْ شِّعْرٍ باستمرار. هذا جدلٌ تنظيريٌّ بيزَنْطِيٌّ وَسَفْسَطَةٌ لا يُرِيدُونَ منه إِلَّا الغلبة دون التزام بالمناهج والأصول الأدبية. هؤلاء ليسوا إِلَّا مُسَفْسِطُون، وما سفسطتهم إلا بَاطِلٌ أُريد به “بَاطِلُ الأَبَاطِيل”، كما يقول الحكيم الملك في أورشليم.
في تعريفاتٍ بسيطة، الشَّاعَرُ في اللغة، اسم يُطْلَقُ على قائل الشَّعْر أو كاتبها أو مَنْ ينشد أشعاراً. والشَّاعِر أيضاً فاعل مِن (شَعَرَ)، والجمعُ شُعْرَاء وشَّاعِرَات وشواعر. والشَّاعِرُ أيضاً عند العرب من يتكلم بالشِّعْرِ، أي كلاماً موزوناً وموسيقياً. والشَّاعِرُ عند أهل المَنْطِق، مَن يتكلم بالقياس الشِّعْرِي.
ويقسم العرب الشُعْرَاء إلى:
جاهليون كأمرئ القيس وعنترة بن شداد وطرفة وزهور والنابغة الذبياني.
مخضرمون وهو أي المخضرم من قال الشِّعْر في الجاهلية ثم أدرك الإسلام كلبيد وحسّان. وقد يقال لكلّ من أدرك دولتين وأطلقه المحدثون على كلّ من أدرك الجاهلية وأدرك حياة النبي صلّى الله عليه وسلم وليست له صحبة، ولم يشترط بعض أهل اللغة نفي الصحبة.
متقدمون ويقال الإسلاميون وهم الذين كانوا في صدر الإسلام كجرير والفرزدق.
مولّدون وهم من بعدهم كبشار.
ومحدثون وهم من بعدهم كأبي تمام والبحتري.
متأخرون كمن حدث بعدهم من شُعْرَاء اليمن والحجاز والعراق.
شُعْرَاء العصر الحديث وهم أصحاب مدرسة الشِّعْر الحديث: بدر شاكر السياب ونازك الملائكة في المقدمة وآخرين.
1. التقاط صورة فوتوغرافية للشِّعْر وتطوير نظرية له
البعض يُرِيدُ أن يرَ للشِّعْر وجهاً حاضراً أمامه بملامح ثابتة، ويدفعهم ذلك ليرفع كاميراتهم، ويحاولون التقاط صورة فوتوغرافية له، لكن هذا غير ممكن. لا يمكن رسم وجه محدد للشِّعْر، ولا ينبغي بناء غرفة خاصة له ليسكن فيها، ولا مدرسة يدخلها بلا تخرج، أو وزناً مشروخاً ولا موسيقى مألوفة، ولا يُفتح له فضاءً يطيراً فيه بعيداً عن النَّاس حتى يتقربوا منه أو إليه. يجب أن يكون الشِّعْر حُرٌ لأنه حٌرٌ وسيبقى حُرٌ في عصر الشِّعْر الحُرُّ والحُرِّيَّة.
ليس المقصود من هذا الكلام فتح عالم الشِّعْر لِكُلُّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ؛ بل المقصود هو عدم وضع شروط تعجيزي مخيف لكِتَابَة الشِّعْر للمبتدين في مجال كِتَابَة الشِّعْر، وممارسة الإرهاب الفكري عليهم قصداً أو دون ذلك، وتصوير عالم الشِّعْر لهم كعالم بشكلٍ متعمد كعالم يستحيل اقتحامه والدخول إلى دهاليزه والسير في أورقته. أنا ضد أية محاولات من هذه الشاكلة. أنا كذلك ضد من ينصبون أنفسهم كقابلة أدبية لمن يقتحمون عالم الشِّعْر في حداثتهم الشِّعْرِي (والقابلة مؤنث) وهي التي تتلقى الولد عند ولادته.
يقول الشَّاعِر الراحل المقيم نزار قباني: “ليس للشِّعْر صورة فوتوغرافية معروفة، وليس له عمرٌ معروف، أو أصل. ولا أحد يعرف من أين أتى، وبأي جواز سفرٍ يتنقل. المعمّرون يقولون: إنه هبط من مغارة في رأس الجبل، واشترى خبزاً، وقهوة، وكتباً، وجرائد من المدينة.. ثم اختفى”. ويتابع قباني قوله: “ماذا قال سكان الشواطئ عنه وماذا قال أطفال المدينة ونساء المدينة، ومعلمو المدارس؟!”، وتأويل كل ذلك أنه ليس ثمة تعريف للشعر: ليس هناك نظرية محددة للشِّعْر. كل شَّاعِر يحمل نظريته معه. وهذه العبارة الأخيرة رُبَّمَا كانت الأقرب إلى اللغة النقدية أو العقلية أو التجريدية الذهنية.
العرب إحدى الشعوب التي تحب الشِّعْر كثيراً، ولديها إرثٌ شِّعْرِيٌّ يعود إلى زمنٍ بعيدٍ. والشَّاعِر عند العرب، كما عند سائر الشُّعُوب هو قائل الشِّعْر. والشَّاعِرُ قديماً عند العرب مذمومٌ، إذ كان يعتبر كاذبٌ فيما يقول، أي أنه يقول ما لا يفعله. ويُقَال هذا شَّاعِرٌ ضِلِّيلٌ، أي صَاحِبُ غواياتٍ وَضَلَالٍ. وفي القرآن الكريم سُّورة كاملة باسم الشُعْرَاء وهي السُّورة رقم (26) في ترتيب المصحف، المَكِّيَّ، عدد آياتها سبعٌ وعشرون ومئتا آية. ومنه قوله تعالى: “الشُّعَرَاءُ يتبعون الغَاوُون. ألم تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ. وأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ”. ويقول المفسرون في هذا الصدد: “على ظاهر الآية، غالب الشُعْرَاء هكذا، يقولون ما لا يفعلون وفي كل وادٍ يهيمون، تراه يتكلم هنا أو هنا أو هناك بغير حقيقة، بل أشياء يتخيلها ثم يتكلم فيها أو يكذب لحاجات في نفسه أو لِأَسْبَابٍ أُخرى، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (الشعراء:227) استثناهم الله جل وعلا، فهم الذين أشعارهم طيبة ومفيدة، كـحسان بن ثابت، شاعر الرسول صلى عليه وسلم، كعب بن مالك، وعبدالله بن رواحة وغيرهم مِنْ شُعْرَاء المؤمنين، ثم من بعدهم في عهد التابعين وعهد أتباع التابعين إلى يومنا هذا”.
فالمؤمنون أشعارهم مفيدة ونافعة مثلما قال النبي (ص): إن من الشِّعْرِ حكمة، وأمر النبي (ص) حسان أن يهجو قريش، أن يهجو الكفار وقال: “إنه أشد عليهم من وقع النبل، وقال: اللهم أيده بروح القدس يعني: جبرائيل”.
فالشعر الذي يصدر من المؤمن في نصر الحق وتأييده وفي ذم الباطل وتفنيده، أمر مطلوب وصاحبه مشكور ومأجور وفقاً للدسن الإسلامي، وهؤلاء هم المراد في قوله سبحانه: “إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ” (الشعراء:227)، استثناهم الله من الشعراء المذمومين. الشِّعْر فن إنساني دنيوي ممتع، تغذي العقول وتهذبها وتتوه بها في بحور اللغة والتورية والرمزية والكلام الموزون ذات قياس، واستمتع به كثيراً من هذا المنطلق.
2. أنواع الشِّعْر والشُعْرَاء
والشُعْرَاءُ أنواع حسب المدارس الشِّعْرِيَّة القديمة والحديثة. هناك شَّاعِرٌ حُرٌّ وهو مَنْ يَكْتُبُ الشِّعر الحُرٌّ ولا يلتزم فيه القافية الموحدة مثل نزار قباني. وهناك شَّاعِرٌ ناثرٌ، يَكْتُبُ قصيدة النَّثْر أو أشعاراً منثورةً مثل التجاني حاج موسى وقصيدته الشهيرة (واحشني) التي تغنى بها الفنان أبو عركي البخيت. وهناك شَّاعِرٌ يكتب القصيدة المنظومة بعدد الكلمات والقافية، مثل أحمد شوقي.
الشِّعرُ في (اصَطلاح المنطقيين) : قول مؤلَّف من أمور تخييلية، يقصد به الترغيب أو التنفير، كقولهم: “الخمر ياقُوتة سيالة، والعَسَل قئُ النحْل”. والشِّعرُ المنثور: كلامٌ بليغٌ مَسْجوعٌ يجرى على نهج الشِّعْر في التخييل والتأثير دون الوَزْن. ليت شِعرى ما صنع فلان: “ليتني أعلم ما صنع والجمع: “أشعار. أوابِدُ الشِّعْر: ما لا تُماثَل جودتُه أو قوافيه الشاردة .. ربَّة الشِّعْر: إلهة الشِّعْر عند الوثنيِّين. شطرا بيت الشِّعْر: الصدر والعجز .. شِعْر مُفْتعَل: مبتدع أغرب فيه قائله .. شعر منثور: كلام بليغ مجموع يجري على منهج الشِّعْر في التخييل والتأثير دون الوزن .. لَيْت شِعْري!: أودُّ لو كنتُ أعلم وهي عبارة تعجُّب”.
مِصْراعا الشِّعْر: ما كان فيه قافيتان من بيتٍ واحدٍ، مِنْ عيون الشِّعْر العربيّ: مِنْ أفضل النماذج الشِّعْرِيّة .. الشِّعر الحُرُّ: شعر لا يتقيّد بالقافية الموحَّدة، الشِّعر المتحرِّر من الوزن والقافية .. الشِّعر المُرْسَل: الشِّعر غير المقفَّى.
شِعر الحكمة: شعر يمتاز بالحكمة وضرب الأمثال .. شِعر المديح: الفن الشعريّ الذي يتناول مناقبَ شخص من الأشخاص، أو مدح شيء أو معنًى من المعاني أو الأشياء .. شِعر المناسبات: شِعر يُكتب أو يُقال خِصيِّصَى لمناسبة معيَّنة هي عادة الاحتفال بذكرى حدث اجتماعيّ أو تاريخيّ أو أدبيّ .. بيت الشِّعر: كلام موزون مؤلَّف عادةً من شطرين، (صدر وعجز)، وقد يكون شطراً واحداً.
3. إفريقيا والشِّعْر
في إفريقيا، شُعْرَاء منذ زمن بعيد، وفي العصر الحديث، هناك شُعْرَاء كتبوا الشعر بلغاتهم المحلية، وبلغات أُخرى تعلموها. والأُغنيات التي يغنيها الرعاة عند مغارب الشمس وفي منتصف النهار، وفي الساعات الأولى من الصباح بعد الشروق في المراعي والمروج الخضراء في السُّودان الجَنُوبِي، وإفريقيا عامة، عبارة عن أشعار غنائية. والشعراء الأفارقة المعاصرين معروفين أمثال ليوبولد سيدار سينغور الذي كان شاعراً، وأول رئيس لدولة السنغال، والشاعرة الأمريكية الزنجية مايا أنجلو، وبوب مارلي الذي ألف أشعاره ثُمَّ مشى في الأرض يتغنى بها، وشينوا أشيبي الذي كتب أشعاره بلغة شعبه (الإبيو)، وشُعْرَاء سُّودَانِيين مثل إدريس جماع، محمد مفتاح الفيتوري، اسحاق الحلنقي، روضة الحاج، صديق مدثر، وغيرهم من آلاف الشُعْرَاء السُّودَانيين الذين اثروا الساحة الثقافية والأدبية بأشعارهم وشكلوا وجداناً أدبياً مشتركاً للشَّعب السُّوداني، ولايزال قطار الأدب السُّودَاني مستمرٌ في السير منذ محطة أغنية الحقيبة، ودوبيب، وحلمتيش إلى زمن حلقات ريحة البن التلفزيونية، وطرب الغبش وغيرها من المنابر الأدبية السُّودَانِيَّة.
4. الشِّعْرُ فن يتناول الواقع
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم