(كلام عابر)
في سجلات القضاء السوداني قضية كانت شهيرة في أيامها في النصف الثاني من سنوات السبعين من القرن الميلادي الماضي وكانت تحمل الرقم م أ/م ك/248/1977 العدد 1977 حكومة السودان ضد المتهم. وكان المتهم، وهو شقيق مسئول كبير جدا في الدولة ، قد قام باختلاس مبلغ كبيرا من المال بمقاييس تلك الأيام بلغ سبعة وسبعين ألفا وسبعمائة وأربعة جنيها وتسعة وتسعين مليما من هيئة حكومية معروفة ذات علاقة بالجمهور مستغلا وضعه كمسئول عن استلام ذلك المال وتوريده للخزينة، وهو ما لم يفعله لفترة طويلة من الزمن حتى تراكمت المبالغ غير الموردة في جيبه بمرور الأيام واكشتف المراجعون أمره في نهاية المطاف، وكان ديوان المراجع العام في تلك الأزمنة لابد وأن يكتشف مثل هذا التلاعب وإن طال الزمن لأنه،أي ديوان المراجع العام، كانت لا تفلت من مراجعته جهة حكومية. المحكمة الابتدائية حكمت عليه بالغرامة خمسين جنيها والحبس يوما واحدا ينتهي بانتهاء الجلسة لا سيما وأن المتهم قام المتهم ببيع البيت الذي اشتراه بالمال المسروق وأعاد ما سرقه لخزينة الدولة.يذكر هنا أن محامي الدفاع كان شخصا مغمورا آنذاك ثم أصبح مشهورا في مقبل أيامه يتردد اسمه كثيرا بعد أن وجد طريقه لكرسي الوزارة عدة مرات.
استأنف المدعي العام الحكم وقضت محكمة الاستئناف بنقض الحكم الذي رأته لا يحقق الردع المطلوب بشقيه العام والخاص وهو الذي تهدف إليه العقوبة. ورأت محكمة الاستئناف أن إعادة مال الدولة المسروق لا تعفي الفاعل من العقاب، وبالتالي تم النظر في القضية مرة أخرى ونال المتهم عقوبة أشد توفي بمتطلب الردع الخاص بمثلما توفي بمتطلب الردع العام.
ريما تكون تلك القضية حدثا عاديا بمقاييس تلك الأيام ولكن ما يجب الوقوف عنده هنا هو أن شقيق المتهم الذي كان مسئولا رفيعا جدا في الدولة ويتمتع بسلطات وصلاحيات واسعة لم يحاول، مجرد محاولة، بشخصه أم عن طريق آخرين، التدخل للتأثير على سير الإجراءات والحكم في جميع مراحل القضية واكتفى بالمتابعة عن بعد مثل الآخرين، وقد تشكل هذه الواقعة مفخرة لذلك المسئول الرفيع الذي لا يضم سجله مفاخر مماثلة، ولكن نهجه لم يخرج من إطار الثقافة التي كانت سائدة آنذاك حيث كانت الأجهزة العدلية والرقابية مطلوقة اليد كاملة الصلاحيات والسلطات وما كان فيها مكان لغير المؤهلين والمهنيين الاحترافيين الذين كانوا يؤدون عملهم بقدر وافر من المهنية والشجاعة بلا تدخل أو تأثير من أي أحد أو جهة. و تظل القضية رقم م أ/م ك /248 /1977 معلما هاما في تاريخ القضاء السوداني.
)عبدالله علقم(
Khamma46@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم