د. حسن المهدي البشرى الغبشاوي
في إحدى مهامي الرسمية، قادتني الأقدار إلى كردستان العراق، حيث التقيت بمعالي وزير الصحة في الإقليم. استقبلني استقبالًا كريمًا، غير أن اللقاء اكتسب بعدًا خاصًا حين علم أنني من كردفان– تلك الولاية السودانية التي تحمل اسمًا لا يشبه غيره. ابتسم، ثم قال مازحًا بذكاء: “كل ولايات السودان ترتبط أسماؤها بجغرافيتها… دارفور، النيل الأزرق، البحر الأحمر… وحتى الخرطوم تشير إلى التقاء الأنهر. فماذا عن كردفان؟ ما سرّ هذا الاسم الغريب؟” سؤالٌ باغتني، ولم أملك له جوابًا قاطعًا. أحسست أن الوزير كان يرمي لوجود كردي في السودان فأخبرت الوزير يومها بأن في السودان عائلة معروفة تعرف بأل الكردي… ولا أعرف إن كانت لها صلة بالأكراد، أم أنها مجرد صدفة لغوية… و على كل فلقد حكم الأتراك السودان لفترة طويلة. وعدت الوزير أن أبحث، وما إن غادرت اللقاء، حتى بدأت رحلتي مع سؤالٍ استوطن الذاكرة: “ما أصل اسم كردفان؟”
في طريقي للعودة، ظلّ سؤال الوزير يرافقني، شيء ما في أعماقي أيقظ الحنين والرغبة في الفهم، فعدت إلى عملي وكأني عائد إلى مهمة جديدة: رحلة بحث عن جذور اسم كردفان. عدت إلى الكتب، والرواة، والشيوخ، ومَن حفرت السنون في وجوههم ذاكرة لا تندثر. وجدت أن “كردفان” ليست مجرد اسم، بل حكايةٌ تنساب من أفواه الرواة كما تنساب الأغاني القديمة.
في كتابه “المسيد”، أورد الطيب محمد الطيب أن الاسم “كردفان” له جذور نوباوية، ويُعتقد أنه تحريف لكلمة “كلدوفان”، والتي تعني بحسب اللغة النوباوية القديمة “أرض الرجال”، في دلالة على الشجاعة والبأس الذي اتصف به سكان تلك البلاد، خاصة في الحروب والصراعات القبلية. كما نقل رواية محلية تقول إن أحد حكام الجبل قديمًا كان يُعرف باسم “كُردم”، وكان إذا غضب يُقال “كردم فار”، أي انفجر أو ثار غضبًا، فصار الناس يطلقون على الجبل أو المنطقة “كردم فار”، ثم تحور الاسم مع الوقت إلى “كردفان. الأستاذ الطيب محمد الطيب (يرحمه الله) باحث يُميز أسلوب بأنه لا يُقدّم الرواية كحقيقة قاطعة، بل كجزء من الذاكرة الشعبية والتاريخ غير المكتوب، ويحرص دائمًا على توثيق الأقوال كما سمعها من أفواه الشيوخ والرواة في القرى والبوادي، مع ترك الباب مفتوحًا للتأمل والبحث. إذًا، في سياق سرد الطيب محمد الطيب، فإن سر اسم كردفان يكمن في التقاء اللغة، والخيال الشعبي، والتاريخ الشفاهي، وهو ما يجعل الاسم محمّلًا بالدلالات الثقافية والإنسانية التي لا تُختصر في رواية واحدة.
و في رواية أخرى، سمعت عن رجل يُدعى “كردي فان”، كان في زمان بعيد شيخًا أو سلطانًا، له هيبة وجُرأة، وكان أهل المنطقة يُعظّمونه، ويستفتونه. وعندما مات، قالوا:
“مات الكردي… ودفناه في أرضه…”فأصبحت تُعرف بعده بـ”كردفان”. رواية فيها الكثير من الرمزية، ولكنها محبّبة للذاكرة. تعددت الروايات، منها ما هو شعبي، ومنها ما هو لغوي وتاريخي. وجدت رواية الكردي الذي فنى: تقول إحدى القصص إن رجلًا كرديًا من منطقة “وان” في كردستان العراق جاء إلى هذه الأرض، وصعد جبلًا فهوت به قدمه وسقط ومات. فقال الناس “الكردي فان” أي “الكردي فنى”، ومع الزمن أصبحت “كردفان”.
كشف الباحث الكردي العراقي “جوهر جلال وسو” في رسالة ماجستير بجامعة النيلين أن الاسم ربما يعود إلى أحد أفراد شعب “الكرد من وان” الذين دخلوا السودان منذ عهد الدولة الأيوبية، وأقاموا في هذه المنطقة، ومنهم من سقط أثناء التنقيب عن الذهب، فقال الناس “كردي فان”. وسمعت أيضًا عن أصداء دفوفٍ كانت تُقرع في البراري، تُسمع ليلاً من بعيد، فيقول المارّة “كُر دفان!” أي هناك ضرب دفوف، أو صوت احتفال. ثم تحوّلت الكلمة عبر الزمن إلى “كردفان”.
تقول حكاية أخرى إن أحد السكان بنى بيتًا من القصب ثم دفنه بالتراب، فسمّاه “كر دفان”، أي بيت مدفون، وأُطلقت الكلمة لاحقًا على المنطقة :روايات أخرى تربط الاسم بجد لقبائل الجوامعة والجعليين يُدعى كردمان، أو برمز القوة لدى قبائل البني عامر حيث “كردفانتو” تعني الشاب القوي الجميل. وهكذا، تظل كردفان أكثر من مجرد اسم… إنها حكاية تتداخل فيها اللغة والأسطورة، التاريخ والهوية. سؤال طالما حيّر المؤرخين وأشعل خيال الرواة، فـ”كردفان” اسمٌ فريد بين ولايات السودان، لا يرتبط بنهر ولا بحر ولا جهة، بل يحكي قصة عميقة تُروى بأكثر من لسان.
وهناك من يهمس برواية مختلفة، أكثر قِدَمًا، تخرج من أعماق النوبة، أو من ظلال التنجر والداجو، الذين سكنوا الجبال قبل أن تُسطر الكلمات. يقولون إن “كُر” كانت تعني الماء، أو القوة، أو الجبل، وإن “دُفّان” قد تشير إلى مكان أو معلم، ليكون معنى الاسم شيئًا مثل “ماء الجبل”، أو “قوة المكان”. قد تكون هذه الترجمة ضائعة، لكن الوجدان يحتفظ بها كأنها شيفرة سرية لا تُفكّ إلا لمن عشق الأرض وعاش ترابها. وهكذا، يبقى اسم كردفان لغزًا ساحرًا، تختلط فيه الحقيقة بالأسطورة، واللغة بالإيقاع، والذاكرة بالتاريخ. وكل من زارها، أو عاش في ظلالها، يدرك أن الاسم ليس مجرد حروف، بل قصيدة من تراب، تُروى لا تُشرح.
دفعني الفضول أن أبحث عن سر أسماء مناطق و مدن سودانية أخرى فوجدت أن مدينة ود مدني، و يطلق عليها أيضا ” واد مدني ” و ” مدني “عاصمة ولاية الجزيرة، من أعرق المدن السودانية، وترتبط نشأتها بتاريخ ديني وثقافي عميق يعود إلى نهايات القرن الخامس عشر الميلادي، تحديدًا نحو عام 1489م، حين استقر فيها الفقيه محمد الأمين بن الفقيه مدني السُني. كان هذا العالم الجليل أحد أبرز علماء السودان في ذلك العصر، وقد تتلمذ في الأزهر الشريف بمصر، ثم عاد إلى بلاده ناشرًا للعلم والدين. كلمة “ود” في الدارجة السودانية تعني “ولد” أو “ابن”، وهي تقابل كلمة “واد” في اللهجة المصرية. ومن هنا، فإن اسم “ود مدني” يعني “ابن مدني”، في إشارة مباشرة إلى محمد الأمين بن مدني، مؤسس المدينة. وقد ورد اسم المدينة قديمًا بصيغة “واد مدني” في الوثائق الرسمية إبان الحكم الثنائي (التركي-الإنجليزي)، قبل أن يستقر اللفظ المحلي على “ود مدني”. استقر الشيخ محمد الأمين في بقعة كانت آنذاك غابة كثيفة وسط الجزيرة، واتخذ من الموقع مركزًا لتعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية. أقام خلوة ما زالت قائمة حتى اليوم وتحمل اسمه، وهي تقع بجوار الضريح الذي بُني له لاحقًا. حول هذه الخلوة، بدأ الطلاب والمريدون في التوافد والاستقرار، فكانت نواة أول حي في المدينة يُعرف باسم حي المدنيين.
وجدت نفسي أعقد مقارنات بين أسماء القرى في كل من ولايتي كردفان و الجزيرة. لاحظت أن كردفان تنتشر فيها العديد من القرى والمدن التي تبدأ بـ “أم”، وهي تسمية تقليدية شائعة في السودان وغالبًا ما ترتبط بموقع طبيعي، امرأة ذات شأن، أو دلالة تاريخية. إليك قائمة ببعضها. من ؟أسماء مدن وقرى في كردفان تبدأ بـ “أم” في شمال كردفان: (أم روابة و أم دم حاج أحمد و أم بادر و أم قرقور و قرية ريفية و أم حقين و أم بخيت و أم صميمة و أم عشوش) و جنوب كردفان: (أم برمبيطة و أم سردبة و أم درابة – و أم كدادة و أم دريساية و أم خُرْسان) و غرب كردفان: (أم سيالة و أم حجر و أم هجيليجة و أم قنادل و أم مطايين و أم قزازة و أم لبانة). “أم” هنا لا تعني الأم الأنثى فقط، بل تستخدم للدلالة على مكان غني بشيء معين، أو مركز لقبيلة، أو اسم تقليدي مرتبط بحدث أو شخص، فمثلاً “أم بادر” قد تشير إلى بئر أو عين ماء بادِرة، و “أم روابة” معناها مكان فيه الكثير من نبات الرواب أو الأعشاب.
أما في في ولاية الجزيرة بوسط السودان، تنتشر كثير من القرى والمدن التي تبدأ بـ “ود”، وهي من أكثر الأسماء شيوعًا في الإقليم، وترتبط غالبًا بأسماء رجال أو أولياء صالحين أو عائلات قديمة. كلمة “ود” تعني “ابن” في العامية السودانية، وغالبًا ما تُلحق باسم الشخص الذي تنسب إليه القرية. أشهر القرى والمدن في الجزيرة التي تبدأ بـ “ود”: من أشهرها ود مدني و ود ربيعة وود النيل وود المجذوب و ود الترابي و ود سلفاب وود الزين وود عشيب وود عجيل و ود المنسي و ود النو وود دفيعة و ود الحليو و ود راوة وود الكردي وود الشافعي وود الهندي ود نعيم”. معظم هذه القرى نشأت حول مشروعات الري والزراعة، خصوصًا ضمن مشروع الجزيرة، أحد أضخم المشاريع الزراعية في العالم. بعض القرى تنتمي لعائلات أو مشايخ صوفيين، حيث كانت الزوايا والخلاوي نواة لقيام القرى.
كلما تعمّقت، وجدت أن الأسماء ليست كلماتٍ فقط، بل هي مفاتيح لفهم التاريخ، والهجرة، والاستقرار، والحرب، والصلح، والهوية. البحث عن أصل أسماء المدن والقرى ليس مجرد فضول لغوي، بل هو مفتاح لفهم التاريخ، والثقافة، والتحولات الاجتماعية في أي منطقة. قد يدفعنا للبحث عن أصول الأسماء عدة أسباب منها محاولة كشف الجذور التاريخية، فأسماء المدن والقرى كثيرًا ما تحمل في طياتها إشارات إلى شعوب قديمة، أحداث تاريخية، أو مراحل استيطان مهمة، مثل الغزوات، الهجرات، أو فترات الحكم المختلفة. كما أن البحث عن أصل الأسماء يساعد في فهم الهوية الثقافية. الاسم يعكس أحيانًا اللغة، العادات، أو المعتقدات الدينية لسكان المنطقة الأصليين مما يدل على التنوع الثقافي والتداخل الحضاري. بعض الأسماء تغيّرت مع الزمن بفعل الاستعمار، التعرّب، أو حتى التحديث الإداري. دراسة هذه التغيرات تساعد في تتبع السياسات الرسمية تجاه المناطق والسكان. معرفة أصل الاسم فيه تعزيز الشعور بالانتماء وتمنح السكان إحساسًا بالهوية التاريخية المتجذرة. و فيه إثراء البحث العلمي والأدبي من خلال معرفة خلفية الأسماء تفتح المجال أمام دراسات لغوية، أنثروبولوجية، وأدبية، وتثري الرواية الشفوية والكتابة التاريخية. كثير من الأسماء القديمة تختفي مع الزمن أو تُستبدل، والبحث في أصولها يساعد على حفظها من النسيان وتوثيقها للأجيال القادمة.
hassanemelbushra@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم