كمال الجزولي في مدني: نزع أقنعة المثقف !! .. بقلم: جابر حسين

 

* بمناسبة دعوات بعض (المثقفين) للتصالح مع القتلة!

( تقول : لماذا نحب ، فنمشي علي طرق خالية ؟ أقول : لنقهر موتا كثيرا بموت أقل وننجو من الهاوية !
… … …
والهوية ؟ قلت
فقال : دفاع عن الذات …
إن الهوية بنت الهوية الولادة ، لكنها
في النهاية إبداع صاحبها ، لا
وراثة ماض . أنا المتعدد . في
داخلي خارجي المتجدد … لكنني
أنتمي لسؤال الضحية . لو لم
أكن من هناك لدربت قلبي
علي أن يربي هناك غزال الكناية .
فأحمل بلادك أني ذهبت …
وكن نرجسيا إذا لزم الأمر ! ) …
– درويش : كزهر اللوز أو أبعد –

أمسية الأثنين 2/2/2015 حل كمال الجزولي ضيفا أنيق الشكل والمعني علي ” نادي الخريجين ” بود مدني بدعوة ذكية من ” منتدي الخريجين ” لكي يقرأ علي الحضور أفكاره الجريئة ، غير المسبوقة ، التي دونها في كتابه المهم ” إنتلجنسيا نبات الظل : باب في نقد الذات الجمعي ” الصادر في العام 2008 عن دار ” مدارك ” لصاحبها الشاعر الفنان الياس فتح الرحمن. كمال أحد أنبه وأبرع الحقوقيين في بلادنا ، وفي الطليعة المدافعة عن حقوق الإنسان والحريات ، جسورا في مقارعة ومنازلة الديكتاتوريات ، فكان نصيبه منها الإعتقالات العديدة حد تعرف خلالها علي سجونها وزنازينها شرقا وغربا وفي عاصمة بلاده التي تراه و … يراها ! لم يتخلف يوما عن مناصرة القضايا الجليلة التي تواجه شعبنا وله فيها صولات وجولات ومعارك كان فيها ، دائما ، منتصرا بالحق وسند الشعب فيعلو قدره كل مرة ، و … يتسامي . جلس ، تلك الأمسية ، يحدث عما في قلبه وثمرات فكره ووعيه ، فسعد بطلعته ” نادي الخريجين ” خاصة أن في مبحثه أحاديث شيقة واضاءات حول نشأة وتطور نوادي الخريجين : ” سلالة مؤتمر الخريجين العام أواخر الثلاثينيات ومطالع الأربعينيات والذي بدأ بغرس وهم ( مبعوثي العناية الإلهية لإنقاذ الشعب ) في أذهان الإنتليجنسيا آنذاك ، ثم مالبث أن هبط بأحلام الجماهير بالحرية والإنعتاق من ربقة الإستعمار إلي محض تنظيم إصلاحي غاية مطلبه نشر التعليم والمحاضرات والمهرجانات الرياضية ومحاربة العادات الضارة وما إلي ذلك ، ثم ما لبث أن تفرق أيدي سبأ في أحزاب ما تنفك ترتع تحت ( المظلات ) الطائفية .)ص146 فتأملوا ، أليس بعضا كثيرا مما نلاحظه اليوم ملموما إلي أفكار الإنتليجنسيا ، هو ، إذن ، من ثمرات ذلك التاريخ الذي خاضوا فيه دروبا طويلة معتمة فلم يستطيعوا عنها حيدة أو تفكرا في غير وعورتها و … سوءاتها ؟

رأيته في الشعر أيضا …

لست أدري لم أعول – عند النظر إلي كمال – علي الشعر عنده ، في المعني وفي الدلالة ، أكثر من السرد ، برغم أن كمالا ثالث ثلاثة هم أعلام في الكتابة ، لم يتبعوا خطي أحد فغدت كتاباتهم لا شبيه لها سوي نفسها ، في ذاتها التي هي وجهها ، حد يمكنك أن تهتدي إليها ولو صادفتك بلا توقيعهم : جمال محمد أحمد وعلي المك وكمال . لعلي واجد في شعره صدقا وبلاغة وصورا ومعان ملونات وهن يتراقصن في دلالهن ، خارجات ، مثلما الصبايا ، من ينابيع الوعي والقلب . وأيضا ، لربما لأنني وجدت في شعره بذورا حية ورؤي وتفكرات حول ” حال ” المثقف عندنا ، ليس كما هو حاله في العنوان المتداول كثيرا في كتابتنا ” حول المثقف والسلطة ” ، بل ، وهذا هو مبحث كمال المتفرد ، ” إنتليجنسيا نبات الظل ” . لقد رأيت كيف هو قد نظر إليها و … إليه ، وكيف ، عميقا جدا تأمل ذلك الحال كله في ثنايا شعره المنشور فيما بين الأعوام 1970 وحتي حوالي منتصف التسعينيات . تجد ذلك التأمل في كل كراساته الشعرية تقريبا : ( من دفتر يوميات أمدرمان/ القصيدة الجبلية / أمدرمان تأتي في قطار الثامنة / عزيف الريح خلف بوابة صدئة ) . والحال كذلك ، فأنني أظنه قال بقوله في الشعر مبتدأ أمره ، ثم ، من بعد ، جاءت مباحثه الثلاث في ال ” إنتليجسيا ” ، وليتنا ، حتي نقرأ بالذهن والقلب ، نقرأ أولا شعره ثم نقرأ كتاب ال ” إنتليجنسيا ” من بعد ، سنكون ، علي التأكيد، قد قرأناه في الشعر بصور ومشاهد مبتكرة ورأينا صورة ” الإنتليجنسيا ” منذ بواكيرها وحتي يوم الناس هذا . في قصيدته ” فجيعة 1 ” من الكراسة الأولي ص 55 ، يقول في العام 1970 :
( فجاءة ،
ومثلما ارتطام البرق
بالمرايا ،
والفكرة .. بالفكرة
والأشياء
بالأشياء
يفجؤني ، كذا ، قناعك الذي يسقط ..
أول المساء
يا سيدي ،
علي قارعة الطريق
فأنحني ، وأمعن التحديق .
… … …
لواؤك الذي أري ،
أم الذي أري .. كفن ؟!
أرجوحة يداك ، أم هذي ارتعاشة الوهن ؟!
جلجلة الحق التي أسمع ، أم ..
لجاجة المماطلة ؟!
أم
تراها ،
سيدي ،
تصيح ،
في ميزان عدلك ..
كل
هذه
المعادلة ؟! ) …

العام 1989 ، أيضا ، كتب لوحته البديعة : ( مثقف … صياغة جديدة لأمثولة قديمة ) يقول :
( قالوا له : الحريق في البلد ،
هل مس – قال –
في شارعنا أحد ؟!
… … …
قالوا له : النيران في شارعكم
تلتهم الأشجار والحجارة ،
أطارت – قال – منها صوب بيتنا
شرارة ؟!
… … …
قالوا له : رمادا صار بيتكم ،
هذا المساء …
صاح : غرفتي ،
وأجهش بالبكاء ! ) …

هل رأيتم هذا ” المثقف ” الذي يكاد لا يري من الكون الفسيح من حوله إلا ذاته ، حد البكاء لفرط ” خيباته ” في رؤاه المحايدة ؟ منذ ذلك الزمان ، لربما قبله أيضا ، وكمال يبحث ويتفكر في أمر ” المثقف ” ، يبحث عنه ليجده فيقتص لنا منه، إذ ينزع عنه أقنعته الزائفة ويجعله ” عاريا ” ، كما الحقيقة نفسها ، في الملأ . ظل في مسعاه لا يشغله عنه مشاغله الكثار الضخام حتي أهتدي إليه ، منزويا ملموما في ركن قصي هادئ ، في كنف الدعة والسلامة و ” التقية ” ، مثلما ” نبات الظل ” كما وصفه بحق ، وأين ؟ تحت ظلال قبعات وأحذية الديكتاتورية الغليظة ، ديكتاتورية العسكر ! لقد إنتبه كمالا في مبحثه الثالث من الكتاب ، وهو بذات عنوان كتابه ، إلي دور ووظيفة الأدب والشعر إبان الفترة التي شهدت نهاية الحرب العالمية الأولي ، ونشوء أندية الخريجين وجمعية الاتحاد السوداني ثم اللواء الأبيض . قرأ أطروحات ومباحث كثر : أبكر آدم إسماعيل ، محمد المكي إبراهيم ، عبد الخالق محجوب ، بابكر بدري وغيرهم والعديد من شعراء تلك الحقبة من تاريخنا فإنتبه ، إنتباهته الذكية للشعر، فكتب في المبحث الثالث ص 137/138 يقول عن حال الشعر والشعراء وقتذاك : ” … أما النصوص الشعرية الناقدة بجرأة ، بل وبحدة ومرارة أغلب الأحيان ، للمواقف المستخزية لبعض ( رجال الدين ) ، فإنها ، وإن اكتست عموما طابع الرفض للإستعمار ، إلا أنها اقتصرت علي محض التعبير عن غبن ( ذوي القربي الدينية ) دون أن تنتج وعيا بحقيقة الظاهرة الإستعمارية نفسها ، مع الإقرار بأنها لا تجانب بذلك وظيفة الشعر ، كما وأنها انحصرت في سوق الهجاء لأصحاب تلك المواقف دون ملامسة أي مستوي فيها أعمق من مجرد المستوي الأخلاقي ، مع التأمين علي أن ذلك قد لا يكون مطلوبا من الشعراء . وهذا ، في الواقع ، هو الملمح الأهم ، والأشد خطرا لإشكالية الشعر حين يعهد إليه ، في مرحلة معينة من تاريخ ثقافة أي شعب ، بأن يتولي وحده ، فوق مهامه الجسيمة القائمة في إحداث التفجير الجمالي للعاطفة واللغة معا ، بمهمة إضافية – ليست من جنسه – هي صياغة الفلسفة والرؤي والنظريات السياسية والدينية وما إليها . فليست المشكلة في الشعر ، إذن ، أو الشعراء ، وإنما في حركة الفكر حين تجعل من الشعر صورتها الرئيسة ، دع عنك أن تكون الوحيدة . لقد انطلقت تلك التعبيرات الشعرية ، ليس فقط من موقع مثقفي ( المعاصرة ) ، بل ومن موقع مثقفي ( التراث ) أيضا ، بجامع خصيصة التمرد لدي بعض رموز الفريقين . ) …هكذا ، إذن ، بذر كمال بذوره في الشعر ، ثم ، من بعد ، كانت صياغاته الفكرية وتأملاته في ال ” إنتلجنسيا ” وفي ” عتود الدولة ” وبقية مباحثه . لكن ، والحق يقال ، لم أري تأملا عميقا في شأن الإنتليجنسيا ، وهي تحت حذاء الديكتاتورية ، في شعرنا إلا لدي كمال وديشاب الذي كتب عقب إنقلاب الجبهة القومية الإسلامية مباشرة في 1989 في لوحاته ال 32 في مخطوطة كراسته الشعرية التي لم تطبع وتنشر في الناس بعد ، كتب يقول في اللوحة 32 الآخيرة :
( في الزمن العسكري ،
حين يغيب عن الفهم كل الصحاب :
” أصبحوا ملتحين ، أو نزقين ، أو خارجين ، أو داخلين ، أو في لجان الإحاطة ، مع الناس أو ضدهم ” …
مثل هذا الزمن ،
فيه كن مثلما الخمر واضحة تلتقي الندماء
اجترح لغة مائعة
ثم كن في اللغات وحيدا …
وحيدا ، كما أنت حين تلاقي الحبيبة
تلاق صديقا جديدا ،
حبيبا جديدا ،
تراه ، ولكن يغيب بجيب العساكر حينا ،
وحينا بنا حين ندفع ساداتنا جيدا ،
– دون علم – لكي يشنقوه :
ألوطن ! ) … 23/ 12/1989 .
تساؤلات وملاحظات لأجل فهم أفضل لأطروحات الجزولي …
– نري ، ولنا كل الحق هنا ، أن هنالك ، في المبحث الأول من الكتاب ، إهتماما عظيما بحقبة ” الخليفة ” ، حيث رأه ” حامل العبء والتحدي الأكبرالذي واجهه منذ أول بيعته فور وفاة قائد الثورة في 22 يونيو 1885 ، بعد أقل من خمسة أشهر من انتصارها وإعلان دولتها في 26 يناير 1885 ” كما جاء في ص 52. ثم يمضي المبحث ليقول : ” أن أي تثمين لدولة الخليفة يقع ناقصا ما لم يستصحب عظم تلك المسئولية العقدية ( المستحيلة ) التي ألزمتها بها القوانين الباطنية لحركة المهدية ، الذي طغي معها هذا الهم ( الكوني ) علي الشأن الداخلي ” ، كما جاء علي نفس الصفحة . وسؤالنا هنا هو : أليست تلك ” القوانين الباطنية ” فيها من الغلو الشئ الكثير ، وذلك ” الهم الكوني ” الذي يتغافل عن الداخلي في شأن الدولة إلي ” الكوني ” ، وبلا أي مقومات مادية أو قدرات عسكرية تجعلها في المواجهة المقتدرة في مواجهة العالم ، أليست تلك ” المغامرة ، بكل مقاييس التعقل والموضوعية ، تعد ” مغامرة وإنتحارا ” كما حدث ، من بعد ، في واقعة كرري التي يحتفي بها كمال أيما إحتفاء ، وإرهاصا مبكرا ، في ذات الوقت ، بتفسخ وإنهيار الدولة بأسرها ؟! خاصة ، أننا نري إهتماما ” مفرطا ” بحقبة الخليفة ، وإغفالا عن فترة المهدي نفسه ، رغم قصرها ، وهي الحاضنة ، أصلا ، لبذور إضمحلال الدولة وزوالها منذ مبتدي أمرها ، وبرغم أن كمالا قال شيئا من ذلك في الأمسية ، لكنه لم يتناولها بما يضاهي تناوله لحقبة الخليفة .
– في ص 54 من المبحث الأول نقرأ : ” … فقد كان لابد أن تصطبغ كافة ترتيبات الدولة وأولوياتها بصبغة هذا المشروع نفسه المتوطن في معني الإعراض المطلق عن الدنيا والتطلع للإستشهاد بإلحاح . هكذا فرض علي السيوف أن تبقي مسلولة لا تهجع في أغمادها حتي بعد إنتصار الثورة .” ، ثم يمضي فيتحدث عن تأسيس الدولة ، وعن الآليات المادية والروحية التي تحمي الدولة الوليدة وتساعدها علي الإنتشار والتمدد : ” … في جاهزية دائمة للقتال في أي بقعة في العالم يطلب منهم ( تحريرها ) و ( أسلمتها ) أو نيل ( الشهادة ) دون ذلك .” ، كما جاء في نفس الصفحة . نبدأ فنقول أن ذلك بالفعل بعضا من ” فكر ” ونهج الدولة وفق التعاليم المهدوية التي صعدت أعلي من مقام الدولة وجعلتها أداة من أدوات سيادتها وإنتشارها و” تحريرها ” للعالم كله ، ولكن ، لم أجد رأيا واضحا لكمال هنا ، هل يؤيد ذلك الطرح والنهج – حتي بمعايير ذلك الزمان – أم يراه ، في عديد من جوانبه يكاد يماثل أطروحات داعش الدينية اليوم ، بإعتبار المحصلة النهائية للأهداف والمرامي وفق المنظور الديني وإن اختلفتا في بعض التفاصيل هنا وهناك ؟ ثم ، هل ، حقا ، يكون الدين – أي دين – صانعا للثورة ومبلغها مآلاتها العظيمة في الحرية والعدالة والمساواة بعد إنتصار ” الثورة ” ؟! نعم ، نجد في ص 56 وحتي 59 ما يؤكد ضرورة إبعاد الدين عن الدولة حتي يستقيم أمرها وتقوم دعائمها في خدمة الإنسان ، أيا ما كان ذلك الإنسان ، ولكننا نسأل ، هل نجد في كل تاريخ الإسلام دولة تأسست وسارت سيرها وهي حامية لتلك المبادئ والقيم النبيلة ، ولماذا تفشل الدولة ، دائما ، عندما يكون الدين له السطوة والهيمنة علي الدولة وتسيير شئونها ، تماما مثلما هو الشأن في المهدية وفي ما نعيشه الآن في يومنا هذا ؟!
– في ص 66 أرانا المبحث تلك ” الحادثة ” التي وصفها بأنها علي قدر كبير من الأهمية وهي ” تقارب ” الدولتين ، الحبشة والسودان المهدوي الذي سبق أن أرسل الرسائل ، بأنواعها ، للحبشة ، و خلص المبحث إلي إعتبار تلك المراسلات واللقاءات بين الدولتين أوانذاك بإنها ” شكلا باكرا من أشكال الوعي بقضية التضامن الأفريقية في مواجهة المطامع الامبريالية ” ، هل فعلا كانت كذلك ، ألم تسبقها في تاريخ دولة السودان ، أيا ما كانت تلك الدولة ، بادرة سابقة علي شاكلتها ، ثم أليست تلك ” الدعوة الباكرة ” قد جرت تحت إشتراطاتها الخشنة ؟!
– كرري ، 2 سبتمبر 1898 ، هي كما وصفها المبحث بحق ، زلزال مجلجل ونقطة تحول جذرية ضخمة في مسار ومستقبل الدولة السودانية . هنا نتفق مع توصل إليه المبحث ودعوته ، الصادقة ، لنا لنقرأ المهدية ” دولة وثورة ” ، لأجل “إستخلاص الدروس الجوهرية ، وإستصحاب العبر الباقية . ” . ولكن يتوجب هنا أن نقرأ الدولة بمعزل عن دعاوي ” الثورة ” التي هي ” الدين ” في النهج السياسي لدولة المهدية ، حيث أن قيام الدولة علي الأنساق الدينية هو الذي جعل منها حاملة ، منذ البدء ، لمسوغات زوالها وتشوهات مساراتها في كل جانب من جوانبها ومقاصدها . ولي أن أسأل ، ناشدا الفهم و” إستخلاص الدروس الجوهرية ، وإستصحاب العبر الباقية ” ، هل تمت – علي أي مستوي من المستويات في المبحث هذا أو في أي قراءة أخري – مثل تلك القراءة الواجبة ؟!
– المبحث الثاني في كتاب الجزولي : ” حركات النبي عيسي : صفحة مطوية من أيديولوجيا الثورة السودانية / ملاحظات منهجية علي استنتاجات محمد المكي إبراهيم ” ، وكان ود المكي قد ذكر في كتابه ” الفكر السوداني ، أصوله وتطوره ” :
” حذف ورثة الهزيمة حذفا من تاريخ السودان بمجرد حدوث الإحتلال . لا أحد يدري أين ذهبوا أو أي شيطان قد تخطفهم ” ، فكان هذا المبحث خلاصة ملاحظات الجزولي علي مقدمات ود المكي ونتائج بحثه أيضا ، والجدير بالذكر أن هنالك تقسيم أخذ به كليهما ، ود المكي وكمال ، علي إختلاف منهج كل منهما عن الآخر وزاوية رؤيته للأمر برمته : جيل المهزومين ، جيل ورثة المهزومين و … أحفاد الهزيمة . وكل منهم قد صار في صيرورته ومآلات مصائره ، وبقيت صورة الإنتليجنسيا لا تستقر علي حال أو وصف أو تقييم موضوعي يعتد به في رؤية وجهات ومواقف ، تستوجب ، بالضرورة ، أن تكون في صف الشعب والوطن ، ومن أجل الحرية والديمقراطية والعدل والمساواة والسلام . كرري ، ملحمة إستثنائية عظيمة القدر والعبر في تاريخنا لا شك في ذلك أبدا ، وكمالا يحتفي بها أيما احتفاء ويزهو بها زهوا شعريا فريدا حيث نقرأ من ص 93 :
” … ابتداء من معركة ( أبا ) وتأسيس مجتمع ( قدير ) ، إلي تحرير الخرطوم وتأسيس أمدرمان عاصمة للسودان الطالع بأسره من رماد القهر التركي إلي فضاء التهاليل الحرة والرايات الخفاقة و ( الجبب ) المرقعة حدائق تبتهج بالبشارة والآمال العراض ، وألوانا تزهو بالعزة والكرامة .” ، كمال ، أراه هنا ، أكثر المعجبين ، في من عرفت ، إعجابا وتقديرا للثورة المهدية ولمعركة كرري . ولأنه موضوعيا ، في وعيه ومنهجه ، فقد أكد في ذات حديثه : ” غير أن جحيم ( الدولة ) ما لبث أن إندلع في هشيم ( الثورة ) ، فاصطدم المشروع ( الرسالي ) القائم في تصدير ( الثورة ) مع المشروع ( الإمبريالي ) القائم في تصدير ( رأس المال ) ، واستدارت قيمة ( الزهد ) التي كانت قد أسهمت في توفير شرط ( الثورة ) الذاتي ، لتعمق من من أزمة ( الدولة ) فكريا وسياسيا ، حين اصطدم ( المثال ) الزاهي ب ( الواقع ) الكالح في شأن ( السلطة ) و ( الثروة ) ، منذرا بإنهيار المشروع كله ، قبل سنوات طوال من استحالة كل شئ إلي رماد في ( كرري ) صباح الثاني من سبتمبر عام 1898 .” ص 93/94 . تماما ، إذن ، تلك هي المسألة برمتها ، قد تلخصت في هذا المجتزأ من المبحث ، جليا بما لايدع لدينا شكا ، من أي نوع ، أن الجزولي رأي في الدولة المهدية ، منذ مبتدأ أمرها ، إشارات إنهيارها كامنة فيها بالذات ، وأن الهزيمة في كرري ماحقة كالهول العظيم ، ويصح أن يقال عنها أنها كانت بمثابة ” الإنتحار الجماعي ” المخيف . ولكن ، ونحن في مجال تصحيح ما يمكن تصحيحه من احداث ووقائع تاريخنا أن نندهش ، فلماذا ، إذن ، كل هذا الزهو بالهزيمة جالبة كل ذلك الموت الكثير الغزير مقارعة لل ” المستحيل ” وجنونا محموما للموت الكثير بلا أي إنتصار يقيم بيننا علي الأرض فنرأه ويحق لنا ، وقتها ، أن نزهو به ؟!
– فكرة المهدية الأساس هي ” عودة المهدي ” ذات الجذور الدينية ، بإمتياز ، في العديد من الأديان وإن أختلفت المسميات وتنوعت الوقائع ، لكن الفكرة تظل هي نفسها ، بذات بشاراتها ومآلاتها أيضا . الجزولي أرجعها ، وهو محق هنا ، إلي فكرة ” النبي عيسي ” التي رأها ” تمثل في أكثر التحليلات سدادا ، ملمحا مهما من ملامح المرحلة الأولي ( للحركة الوطنية ) ، أو ، علي أقل تقدير ، شكلا متميزا من أشكال ( المقاومة الأولية ) للإستعمار ، مما يفسر التدابير القاسية التي إتخذتها الإدارة البريطانية حيالها ، كما وأنها تقف دليلا قويا علي أن ( ورثة الهزيمة ) لم يتخطفهم ” الشيطان ” أو تبترهم الهزيمة ” بضربة سيف ” خلافا لإستنتاج الشاعر المفكر محمد المكي إبراهيم . ” ص 103. ولي أن أسأل أيضا : ألا نراهم ، من بعد ، قد صاروا – جلهم أو بعضهم –” نباتات ظل ” ، وأن حدث لهم ذلك ، ألا يكون ما جري لهم شكلا ما من أشكال ” البتر ” جراء تلك الهزيمة ، وكيف قد صاروا ، من بعد أيضا ، في مآلات مصائرهم ؟!

و … تبقي كلمة ، أن الكتاب ، في مباحثه الثلاث ، هو دعوة حقيقية للتفكر في حال المثقف عندنا ، ومحاولة جادة لإيجاد مخارج من ” ورطة خيبات ” كثيرة تحيط به ، حد تكاد تقعده ساكنا مشلولا عن الحراك والتواجد في صفوف الثورة السودانية القادمة ، هو ، أيضا ، دعوة للحوار ، ضجة عارمة ، لكنها لأجل الشعب والوطن .
——————-
* للكتابة فصول ستكتب لاحقا

h.gabir@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً