لم يشهد السودان مثل فسادهم أبداً ولا رأت البلاد مثيلا … بقلم: د. عبدالحليم السلاوي

 

asalawi@gmail.com

من الواضح تماما أن موضوع الساعة بلا منازع في السودان هو موضوع التطبيع مع دولة اسرائيل المرتبط عضويا بموضوع رفع اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب … ومع ذلك آثرت أن يكون مقالي هذا حول ملف الفساد لما له من أهمية قصوي ولاستمراره عبر السنين خلافا لموضوع التطبيع الذي سوف يقتله كتاب الراي معارضة وتأييدا خلال ايام معدودة وينتهي الأمر بوجود السفارة الإسرائيلية في قلب الخرطوم خلال اسابيع قليلة.
عنوان هذا المقال هو بيت من أبيات الشعر التي سطرها المغفور له الشريف زين العابدين الهندي في إحدي قصائدة في قدح نظام الإنقاذ والإسلامويين وهي قصيدة عصماء استطاع شاعرها أن يبدع في وصف نظام الإنقاذ وسلاطينه وفيما يبدو فقد فضل ألا يتم نشرها إلا بعد وفاته أو انها حجبت ولم يرد نشرها … لا أعلم … لكن موضوعي هنا هو عن فسادهم الذي لم تر اعيننا له مثيلا ولم تسمع آذاننا له شبيها منذ ظهور الإسلام … بل اقول ربما لم يسمع عنه الناس في وقبل عصور الجاهلية …. فهؤلاء الإسلامويون قد برعوا في كل ما لم تدركه قبائل العرب …
وبينما كنت أقلب قنوات التلفزيون ذهابا وإيابا وأنا ممسكٌ بجهاز التحكم .. وقعت عيناي علي إحدي القنوات التي ظهر فيها الكاتب الصحفي والمحلل السياسي بكري المدني الذي استمتع كثيرا وأنا أستمع اليه بالرغم من الشكوك التي تساورني حول انتمائه الكيزاني الذي يحاول جاهدا إخفاءه بذكاء الصحافي البارع … أستمتع بالإستماع اليه نظرا لقدراته التعبيرية الجيدة وخياراته اللغوية التي يرتبها بعناية وبحرص زائد عن الحد وهو يحاور ضيوفه …. وعندما تبينت القناة وجدتها قناة الهلال التي كثيرا ما أشاهدها … فأنا هلالي فذ في المملكة العربية السعودية وهلالابي لا يشق له غبار في السودان … عشقي لهلال السودان كان بسبب إعجابي بالخواجة نصر الدين عباس جكسا أمد الله في أيامه وعافاه من المرض … وبسبب عشقي للدكتور المهذب علي قاقارين الذي تشرفت بصداقته في نهاية السبعينات وهو في أوج قمته الكروية عندما كان رمحا ملتهبا وكنت وقتها أعمل مهندسا بالبنك العقاري السوداني بالخرطوم .. زار الكابتن علي قاقارين البنك العقاري لمتابعة اجراءات خاصة بقطعة أرض يملكها بمدينة الثورة بأمدرمان …. لم أكن يومها بالنسبة للكابتن علي أكثر من مهندس بالبنك يقدم له الخدمة … لكنه كان بالنسبة للعاشق الهلالابي الولهان أكثر من ذلك بكثير … وبالرغم من ذلك العشق والوله لم يحظ الكابتن علي قاقارين بمجاملة علي الإطلاق … لأن الإنقاذ كلنت ما تزال في رحم الغيب … ولأننا لم نكن نعرف مفردة إسمها الفساد.
بالعود الي الكاتب الصحفي الأستاذ بكري المدني … سأله مقدم البرنامج عن تعليقه حول حادثة الفساد التي اقترنت بتصدير إناث الإبل الي خارج السودان وهو الأمر الذي ينافي التوجهات الرسمية للدولة … بل يعتبر خيانة يمكن ترتيبها في أعلي درجات سلم الخيانة العظمي … وكان تعليقه واضحا وصريحا وهو أن هذا العمل كان يحدث بصورة راتبة إبان عهد النظام البائد وأنه عمل مرفوض بكل المقاييس لأنه يهدم ركنا هاما من أركان احتكار تلك الثروة التي اختص الله سبحانه وتعالي بها السودان … ولم يخف الأستاذ بكري دهشته وامتعاضه في ذات الوقت لهذا الجرم الكبير منهياً حديثه قائلا ليس ببعيد أن نسمع قريبا بأن السودان يستورد الإبل ليسد العجز في اللحوم المذبوحة من تلك الدول التي تم تصدير الإناث لها.
الحديث عن الفساد يطول ويطول وربما لا نهاية له … فتصدير الإناث ليس سوي حلقة واحدة من حلقاته العديدة … والمصيبة لها أكثر من بعد … هنالك البعد الإجتماعي والإقتصادي والثقافي والسياسي … ولا أود أن ادخل في تفاصيل تلك الأبعاد لأن لها نفر من اصحاب التخصص الذين يستطيعون تحليلها وتفصيلها ووضع السبل الكفيلة بمعالجتها لكنني أود أن اشير الي أن المرحلة التي بلغها الفساد في البلاد اصبحت حالة يصعب تصورها وعلاجها ربما لم يعد بتلك السهولة التي نتصورها ……. فقد بلغ السيل الذبي واضحي الفساد كالسرطان والعياذ بالله … كوارث الفساد ظهرت علي السطح تزامنا مع ما أحدثته الإنقاذ من تدهور اقتصادي غير مسبوق أدي الي تفكك الأسرة … ثم أدي الي تفكك النسيج الإجتماعي … ثم أدي الي تفكك الدولة السودانية بكاملها .. بعدها وهو الأدهي والأمَر ما حدث ويحدث من استسهال للفساد علي مستوي الفرد حتي أصبح يُنظر الي كل حالة من حالاته علي أنها عمل مشروع وشطارة مطلوبة لقضاء الحاجات المستعصية والمصيبة تكمن في أنه أي الفساد أصبح عادة وصفة ناعمة وملازمة لا اقول لكل سوداني ولكن ربما لعدد كبير من السودانيين واقتلاعه في ظل هذه الظروف الأقتصادية الحرجة يبدو أمرا بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلا….
وهكذا اصبحت مهمة لجنة ازالة التمكين غاية في التعقيد بسبب وجود الفساد في كل ركن من اركان الدولة السودانية وكذلك بسبب تواصل نشاط الفاسدين وحيويتهم حتي بعدد سقوط الإنقاذ وذهابها … اقول هذا الكلام وكلي ألم وحسرة بعد ان قرات في أحدي الجرائد أن نظاميا من روافد لجنة ازالة التمكين ظل يبتز الناس بدعوي قدرته علي الغاء تورطتهم في قضايا فساد مقابل حفنة من الدولارات….. كذلك سمعت تسجيلا مصورا آخر يزعم صاحبه أن شخصا له دور بارز وهام في ما سموه “زيرو فساد” يقوم وبتفاخر غير مسبوق بابتزاز ضحاياه من فاسدي النظام السابق مقابل مئات الألوف من الدولارات … وتساءلت حينها … ما هذا الذي يحدث … هل تمخضت ثورة ديسمبر فولدت ذئابا مسعورة تتوشح الطهر والعفاف … أم أن هؤلاء نفسهم هم أفاعي الإنقاذ لبسوا وشاح الثورة ويريدون خداع ثوارها …
وهكذا اصبح المطلوب من ثورة ديسمبر المجيدة ليس فقط أن تواجه تركة الفساد الهائلة بل كذلك مطلوب منها أن تستعيد الثقة التي باتت شبه مفقودة في ممثلي لجانها والقائمين علي نشاطاتها المتعددة قبل أن تبدأ في ايجاد الحلول والمعالجات المناسبة لمحاربة الفساد الحرب التي لا هوادة فيها …
إذن الحل هو في اقتلاعه من جذوره والبداية يجب أن تكون في جلوس الخبراء والإختصاصيين الإجتماعيين والأطباء النفسانيين لمناقشة أمرالفساد من جميع جوانبه وأبعاده النفسية والإجتماعية والمهنية وغيره وغيره .. ولابد لمخرجات هذا الجلوس أن تكون قادرة علي وضع نهاية لوجوده واستئصاله من علي أرض السودان.
أما أنا فأتمني علي الدولة أن تبدأ علي الفور في تعديل القوانين الخاصة بمعاقبة المفسدين لتصل الي السجن المؤبد أو حتي الي الإعدام في الحالات التي يمكن أن تمثل خطراعلي مستقبل اجيالنا وكذلك اعتماد القيام بحملات اعلامية مكثفة يتم من خلالها استنفار القنوات التلفزيونية والصحف والمجلات لإبراز خطورة المشكلة وآثارها السالبة علي مستقبل الدولة السودانية وتطوراقتصادها ونموه …
أتمني كذلك وهو الأخطر والأهم البدء في ترسيخ صفات الأمانة والإخلاص وحب الوطن في نفوس أطفالنا في مراحل التعليم الإبتدائية والمتوسطة والثانوية بإدراج جرعات مقدرة في المناهج لتبليغ تلك الرسالة الهامة ….. لابد أن ينشأ ابناؤنا علي مبدأ الطهر والعفاف.
سادتي .. حقا لم يشهد السودان مثل فسادهم ابدا ولا رأت البلاد مثيلا
ألا رحم الله الشريف زين العابدين الهندي ..

د. عبدالحليم السلاوي
asalawi@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً