مما لا ريب فيه، أنّ حزب الأمة القومي أحد أعمدة السياسة الحزبية في السودان، وركنٌ ركينٌ في الممارسة الحزبية السياسية في البلاد، قبل وبعد الاستقلال الوطني. وأحسبُ أنّه من الصّعب نُكران جهوده الحزبية في كثيرٍ من تشعُبات وتضاريس الخارطة السياسية السّودانية، ولا يُمكن الحديث عن استقلال السودان دون الإشارة إلى هذا الحزب العريق. ومن المؤسف أنّه مرّ عليه عبر سنين إنشائه العديدُ من التوترات والخلافات، وأشهرها ما حدث في ستينات القرن الماضي، الذي كان من تداعياته انشقاق الحزب إلى حزبين، أحدهما بزعامة السيد الهادي عبد الرحمن المهدي، والثاني بقيادة السيد الصادق الصديق عبد الرحمن المهدي، أيّ أنه كان خلاف أجيالٍ، وتباين رُؤى بين العم وأنصاره، وابن الأخ ومؤيديه. وقد سُوِّد كثيرٌ من الصّحائف، وسُكب الغزير من المداد في تبيان موقفي الإمام وابن أخيه، ولا نريد هنا أن نُعيد إلى ذاكرة الأمة السودانية أسباب ومسببات ذاكم الخلاف الذي ما زالت آثاره باقية عبر الحقب الزمنية، ومدار الأيام والسنين.
وأحسبُ أنّ الحزب شهد لأسباب شتّى وظروف عدة، الكثير من الانقسامات والانشطارات طوال العهد الإنقاذي، حتى أن بعضهم اتّهم – في غير بينةٍ واضحة – المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم)، أنّه وراء تلكم الانقسامات والانشطارات التي جعلت من حزب الأمة أكثر من ثمانية أحزاب، كلها خرجت من صلبه بأخرة، على الرُّغم من كل ذلك صمدت الكتلة التي تشكل قوام الحزب، وعماده بزعامة السيد الصادق الصديق المهدي، باعتباره الممثل الشّرعي لثقل الحزب بين عموم أهل السودان. ولا يُنكر أحدٌ أن لحزب الأمة القومي جماهيرية طاغية، وأنصار كُثر، مما جعل أحزاب المفاصلة منه تتوارى عنه خجلاً وحياءً أمام جماهيريته الهادرة، وأنصاره الأشداء. وقد استبان ذلك للجميع في اللقاءٍ الجماهيري الذي عُقد في العام الماضي بميدان الخليفة في أم درمان، فتزاحمت جحافل فرسانه، ورددت فضاءات أم درمان أصداء هدير أنصاره. لذلك من العسير للذين يُنشدون السلام والاستقرار لبلادنا، من أمثالي، أن يروا نُذر انشطار قادم، أو مفاصلة مرتقبة، دون أن يحذروا الأطراف جميعاً بمغبة هذا المسلك الذي من تداعياته ليس خسران حزب عريق، ولكن خسراناً بيناً للسودان.
وفي رأيي الخاص، أنّ إعلان الأخ الصديق الدكتور إبراهيم الأمين، الأمين العام لحزب الأمة القومي أمس (الأحد)، في مؤتمره الصحافي، عن عدم دستورية إجراء أيّ تغييرات بمؤسسات الحزب في اجتماع الهيئة المركزية المزمع انعقاده في مطلع مايو (إيار) المقبل. وراعني إقراره بأن هنالك تيارين في حزب الأمة، أحدهما تيار ينادي بإسقاط النظام عبر الشارع، وآخر يدعو إلى المشاركة في السلطة، لأن هذا الإقرار بمثابة إعلان مفاصلة وشيكة، ونحن في الوسائط الصحافية والإعلامية، خاصة تلك التي ترى في دعوة الأخ الرئيس عمر البشير لكافة الأحزاب والقوى السيايسة إلى الحوار الوطني، من خلال خطابه الرئاسي الموصوف بـ”الوثبة” الذي أعلنه يوم الاثنين 27 يناير 2014 في قاعة الصداقة بالخرطوم، متضمناً في ثناياه مرتكزات أربعة، بمثابة مشروع أجندات وطنية، تُمهد السبيل إلى التوافق الوطني، وهي عند الكثيرين أقرب إلى إجماع وطني، قلّما يعترض عليه معترضٌ، وهي السلام، والسلام كما نعلم لا يمكن أن يُعقد إلا عبر طرفين أو أكثر، أما الحرب فيمكن أن يشعلها طرف واحد، وأنها من المداخل المهمة للاستقرار، ومن ثم للازدهار. والحريات وهي قيم تتزاوج فيها مفاهيم دينية وأعراف إنسانية. والاقتصاد وهو المدخل الأساسي للعيش الكريم، والعفاف المنشود. وأخيراً الهوية والتي هي من معاني وحدة السودان بتعدد أعراقه واختلاف إثنياته وتباين قبائله، ليتنزل فيه قول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”.
أخلصُ إلى أنني أردت بهذه العُجالة أن أحذر التيارين من مغبة الخُلف بينهما الذي بلا أدني ريب، سيكون من تداعياته إضعاف حزبٍ مهمٍ، مهما قلنا عنه لا يمكن أن نُنكر موقعه الصداري في الخارطة السياسية السودانية، وأحسبُ أن الكثيرين لا ينكرون أنه من أكثر الأحزاب جماهيريا وناخبين، من خلال كل الانتخابات النيابية التي أُجريت في السودان. فمن هذا المنطلق نتحدث عن المأمول من عقلائه ومفكريه أن يعتصموا بحبل لله جميعاً، ومن ثم يعتصموا بحبل حزبهم الذي بمتانته سيكون كسباً للسودان وليس خصماً منه.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الله تعالى: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ”.
وقول أمير الشعراء أحمد بك شوقي:
إِلامَ الخُلفُ بَينَكُمُ إِلاما وَهَذي الضَجَّةُ الكُبرى عَلاما
وَفيمَ يَكيدُ بَعضُكُمُ لِبَعضٍ وَتُبدونَ العَداوَةَ وَالخِصاما
//////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم