محمود محمد طه .. أو الطريق نحو سياسة الحقيقة .. بقلم: محمود المعتصم

يحوم حول إسم محمود محمد طه هذه الأيام مجموعة ممن يطلق عليهم عبد الله ع. إبراهيم «المثقفون الذين يعملون ككلاب الحراسة». هؤلاء يحاولون أن يجعلوا من الأستاذ منطقة فكرية محرمة. لا يسمح لك أن تدخلها إلا بعد أن تصبح متخصصا في الفكر الجمهوري. لا مجال بالنسبة لهؤلاء للحديث و الحكم على الأستاذ إستنادا على ظاهر مشروعه بصفته أحد رموز التاريخ السوداني، و إستنادا على الحقيقة البسيطة القائلة بأن دعوة الرجل لم تكن سرية، و أن مفاتيح دعوته هي بالتالي من عموم الفكر الذي دخل كل البيوت السودانية تقريبا. من منا قرأ كل كتب الترابي؟ أو من منا يعرف كل شيء عن جون قرنق؟ لكن رغم ذلك محمود محمد طه هو الإسم الوحيد الذي يحرم المساس به، و ما أن تظهر أقل نقد له حتى يشهر في وجهك السيف المضحك: أنك لا تعرف عن فكرته شيئا. و الطريف في الأمر أن هؤلاء المثقفين الحراس لا يقومون بتحويل هذه الأفكار، التي لا يعلم الواحد منا عنها أي شيء، لأفكار رائجة عبر إحياءها في داخل قضايا اليوم. الحلقة إذن ستغلق على الأستاذ من قبل محبيه: لن يسمح بإستدعاء الصورة العامة الظاهرية له، بحجه أن الظاهر لا يمثل الحقيقة، و لن يخبرنا أحد ما هي تلك الحقيقة الجوهرية، و هكذا سيذهب الأستاذ (ككل المرجعيات الدينية التي يدافع عنها مريدوها بشغف بريء) إلى غياهب النسيان.
ضد هذا التجاهل للحقيقة التي يحملها ظاهر الأستاذ. أي الصورة العامة التي نحملها عنه كسودانيين من غير معرفة دقيقة بأفكاره. أريد أن أقول بأنه في هذا الظاهر البسيط تكمن النقطة الأساسية التي منها يمكننا أن نستعيد الأستاذ، و هو أحد رموزنا السياسية الحداثية المهمة، لواقع اليوم.
أول معرفتي بالأستاذ كانت من أحاديث الأسرة. خالي، عليه رحمة الله، كان جمهوريا صادقا و متحمسا. لكن، و لأن الأستاذ جاء ليغير عاديات الناس و ثوابتهم، لم يكن الحديث عنه إجابيا دائما. كان الناس يتهكمون عليه. في أحدى جلسات التهكم تلك، كانت إمرأة من أقربائي تجلس صامتة غير مهمتة، و ما أن إنتهى الرجال من حديثهم و غادروا حتى خاطبتني بصورة مفاجأة: “ما تسمع كلام الناس ديل يا ولدي، أنا مشيت حضرت إعدام محمود زمان، لمن جو يساعدوهو عشان يطلع للمشنقة قام إبتسم للعساكر و قال ليهم خلوني أطلع براي، الناس لمن يجو يعدموهم بيبكوا و بخافوا، هو كان طالع و هو مبتسم و مرتاح”. ليست الفكرة في إستعداد الأستاذ للموت، آلاف المتطرفيين الدينيين يمكنهم التباهي بذلك. الفكرة كانت في أنه الأول من نوعه بالنسبة لي، لاحقا تعرفت على أشخاص كإرنيستو جيفارا و غاندي و فرانز فانون، ممكن تحوم حولهم هالة موت جميل مميز، موت منبعه حب عميق للحياة، مثل الأستاذ. المرة الثانية التي تعرفت خلالها على الأستاذ كانت في بدايات إهتمامي بالشأن العام أيام الجامعة، مررت كالكثيرين مثلي على مشاهير الكتابة عندنا، فتحي الضو، عبد الوهاب الأفندي، و أخرين. لم أجد لديهم أي شيء يذكر، بعض الكتاب إنغمسوا في الوحل الذي نحن فيه حتى لم يعد بإمكانهم أن يقدموا أي شيء. إلى أن وصلت للنور حمد، أول ما قرأت له كانت سلسلة المقالات التي كتبها عن الأستاذ قبل عدد من السنين. و هناك لم أجد الأفكار النظرية للأستاذ مفصلة، بل وجدت الصورة الظاهرية للأستاذ، مرسومة بشغف و حب غير مخفي. مازلت أعتقد أن تلك المقالات هي من الأعمال الفنية التأسيسية لعصرنا الحديث.
أعتقد أن القيمة الأساسية للأستاذ هي في أنه أول من مارس السياسة في السودان كإجراء أخلاقي محض. هذا النوع من السياسة التي يمكن أن نسميها سياسة الحقيقة Politics of Truth، ظهرت هنا و هناك بين السياسيين، إلا أنها في حالة الحركة الجمهورية كانت المكون الأساسي. لذلك إهتمت الحركة الجمهورية بالفكر و التفكير الحر أكثر بكثير من غيرها، و إهتمت كذلك بما يطلق عليه في السياسة السودانية «التربية». في مقابل هذا النوع من السياسة توجد سياسة النخب، «اللعبة القذرة»، السياسة التي تعترف بالواقع الواهن على أنه الأفق الأخير، و لا تسعى لتغييره. و قد إنتصرت هذه الأخيرة «القذرة» في النهاية كما هو واضح. بالتأكيد لم تنتصر السياسة القذرة بوصولها للحكم فقط، بل بسيطرتها على المعارضة أيضا، ما هو ياسر عرمان أو باقان أموم غير تجسد حزين لتجارة النخب بأرواح الناس في داخل سياساتها القذرة؟ و لم يبقى لنا من سياسات الحقيقة (محمود محمد طه، و عبد الخالق محجوب و حتى التجارب الصغيرة لأشخاص كالمحبوب عبد السلام و غيره من الإسلاميين الجذريين) إلا فشلها لنحمله معنا إلى الأبد. لكن، «ما هو ذلك الذي يقال عنه فشل؟»، أليس كل إعتراف مرير بفشل، و قبوله كتركة فكرية و سياسية، إعتباره «فشلنا نحن»، هو بالتعريف بداية فعل سياسي و فكري جديد؟
صورة أخرى سطحية عن الأستاذ. سمعت كثيرا أن محمود محمد طه إعتكف لفترة قبل أن يخرج بفكرته الجمهورية في شكلها النهائي على الناس. ألا تمثل، هذه اللوحة التاريخية غير المنجزة، صورة قدوم الحداثة و الحرية و الحقيقة ذات نفسها إلى مجتمعنا؟ أولا الإعتكاف، الفرد في شكله الأكثر ألقا عندما يخرج من المجتمع متحملا الوحدة التي قال عنها هيرمان هيسة مرة: «العزلة هي الإستقلال. تمنيتها دائما، و مع مرور السنين حصلت عليها. لقد كانت باردة. آه، باردة بما فيه الكفاية! و لكنها كانت هادئة أيضا، هادئة بصورة مذهلة، و واسعة مثل الهدوء البارد في الفضاء حيث تولد النجوم». ثم هنالك الخروج، التحول من اللاشيء في الفضاء إلى النجم الذي يضيء للآخرين. و أخيرا هنالك «الفكرة»، التورط في الفعل السياسي بناءا على الفكرة الجديدة الجريئة ضد التقليد و الظلام المريح. كل ذلك جعل هنالك «فرد»، شخص له وجه كامل Proper Face بتعبيرات ليفيناس. نحن يمكننا أن نتذكر الأستاذ كشخص مكتمل، أن نتذكره كرمز و أن نقف عليه و بمساعدته. أما التحدي فهو أن نستعيد سياسات الحقيقة عبر تجاوز الفشل التراجيدي لتجاربنا السابقة. و لم لا، ربما تذهب القصة و «هم و ألاعيبهم القذرة» على منصة الإعدام هذه المرة.

mahmoud.elmutasim@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً