بقلم ا/ محمد علي طه الملك
إن مخاطر سد النهضة لا تقتصر على سيناريو انهياره، كما يظن كثيرون، بل بدأت في تقدير عدد من المختصين والمهتمين منذ اكتمال السد ودخوله مرحلة التشغيل، فوجود خزان ضخم بهذا الحجم على مجرى النيل الأزرق غيّر طبيعة المخاطر التي ينبغي أن يضعها السودان في حساباته، سواء كانت مخاطر مائية أو اقتصادية أو استثمارية أو إستراتيجية،
ومنذ الشروع في تنفيذ المشروع، أخذ مؤشر المخاطر في الارتفاع، إلى أن بلغ مرحلة جديدة مع اكتمال الملء والتشغيل. فالمستثمر، قبل أن يضخ أموالًا في مشاريع زراعية أو صناعية أو تعدينية أو حيوانية تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على المياه، يقيّم مستوى المخاطر السياسية والبيئية والمائية. وكلما ارتفع مستوى عدم اليقين، ارتفعت تكلفة الاستثمار أو انخفضت جاذبية الدولة للمشروعات الكبرى.
إن القضية لا تتعلق فقط بتدفقات المياه، وإنما أيضًا بدرجة تحكم دولة المنبع في إدارة مورد حيوي يمثل شريان الحياة للسودان. ولذلك، فإن أي غياب لاتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل وتسوية النزاعات يضيف عنصرًا من عدم اليقين قد ينعكس على التخطيط الاقتصادي طويل الأجل.
ومن هذا المنطلق، فإن كل من روّج للسد على أنه مشروع خالٍ أو محدود المخاطر ، أو قدّم للرأي العام معلومات غير مكتملة أو مضللة، ينبغي أن يخضع للمساءلة الفكرية والسياسية والأخلاقية ، لأن إدارة القضايا الوطنية الكبرى يجب أن تقوم على الشفافية وعرض جميع السيناريوهات المحتملة، لا على الاكتفاء بإبراز الجوانب الإيجابية أو السلبية وحدها.
وللأسف، انشغل الرأي العام السوداني في غمرة انتصارات الثورة بالاحتفاء بالرئيس الإثيوبي وهم كما يقول المثل الشعبي “يكشنون في بصلته”.
إن مستقبل السودان الاقتصادي يتطلب بيئة مستقرة وآمنة للاستثمار، لا سيما في القطاعات الزراعية، والتعدينية، والصناعات التحويلية، والثروة الحيوانية، وهي جميعها ترتبط بصورة أو بأخرى باستقرار الموارد المائية، ولذلك فإن إدارة ملف النيل يجب أن تكون جزءًا من منظومة الأمن القومي، وأن تُدار وفق رؤية إستراتيجية تستند إلى القانون الدولي والعلم والدبلوماسية والتخطيط بعيد المدى،
وبصراحة مؤلمة، فإن أي دولة تصبح مصالحها الحيوية مرتبطة بقرارات تصدر من خارج حدودها، تجد نفسها أمام تحدٍ إستراتيجي حقيقي. من هنا، فإن المطلوب ليس البكاء على الواقع، وإنما العمل الجاد لحماية الحقوق والمصالح الوطنية، وبناء موقف تفاوضي قوي، وتعزيز القدرات الفنية والقانونية، حتى لا يبقى مستقبل السودان المائي والاقتصادي رهينًا لإرادة الآخرين.
ليس علينا الآن أن نبك مثل النساء وطنا لم ندفع عن مصالح شعبه مثل الرجال.
medali51@hotmail.com
