من لا يملك إيجاره لا يملك قراره! .. بقلم: عوض محمد الحسن
31 مايو, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
28 زيارة
aelhassan@gmail.com
يزداد عجبي وغضبي (وقرفي) – إن كان ثمة مجال لمثل هذه الزيادة – وأنا أتابع قضية تكفّل دولة الإمارات العربية المتحدة، مشكورة، بإيجار مقر وزارة الأرشاد والأوقاف قي قلب الخرطوم والبالغ 23 ألف دولار أمريكي شهريا لمدة ثلاثة أعوام. ومصدر عجبي وغضبي (وقرفي) ليس فقط قبول وزارة سودانية في نظام يصيح صباح مساء بامتلاكه لقراره واستقلاليته بأن تتكفل دولة أجنبية (مهما بلغ عمق صداقتها) بدفع إيجار مقر حكومي (وهو أمر جلل لا يحدث في أي بلد في العالم يحترم سيادته)؛ وليس فقط أن وزارة الإرشاد والأوقاف تمتلك عددا من العقارات في وسط الخرطوم مما لا يجعلها تطلب العون من الأشقاء والأصدقاء خارج الحدود؛ وليس فقط إصرار الوزراة على أن يكون مقرها في قلب الخرطوم (بمثل هذا الإيجار الفلكي، وبالدولار الأمريكي) عِوضا عن نقل مقر الوزارة إلى مناطق أخرى من الخرطوم أيسر كراء، خاصة وأن الدولة أعلنت على لسان أحد وزرائها، في توضيحه لخبر نقل جامعة الخرطوم إلى سوبا وبيع مقرها، أنها بصدد تحويل مقرات الحكومة على شارع النيل ووسط الخرطوم إلى “مزارات سياحية”.
مصدر عجبي وغضبي (وقرفي) هو ما كشفه الخبر من تضارب، وغرائبية، في تصريحات وزير الأوقاف من جهة، ووزير الخارجية من جهة أخرى حول مسألة يُقال بسببها الوزراء، وتستقيل بسببها الحكومات، ويُطاح بسببها برؤوس كثيرة. كذلك يكشف الخبر والتصريحات الوزارية العجيبة حوله مدى إهتراء الدولة وانهيارها، بل وغيابها التام (إن كان ذلك يحتاج لدليل جديد).
ففي رده على المسألة المستعجلة بالبرلمان يوم 23 مايو، أوضح وزير الإرشاد والأوقاف، عمّار ميرغني، أن كلفة إيجار مبنى الوزارة هي 23 ألف دولار شهريا، وان هيئة الشؤون والأوقاف الإماراتية هي التي تدفع هذا المبلغ، ولمدة ثلاث سنوات، وفق صحيفة الوطن الصادرة يوم 24 مايو.
غير أن وزير الخارجية، “البروفسور” غندور (بالمناسبة، شغل هنري كيسنجر منصب وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي للرئيس نيكسون ولم يسبق اسمه قط لقب بروفسور، رغم أنه كان بروفسورا حقيقيا في العلاقات الدولية في جامعة هارفارد)، نفى في تصريحات صحفية علمه بالإتفاق بين وزارة الإرشاد والأوقاف، والحكومة الإماراتية بشأن دفع الثانية لقيمة إيجار مقر الوزارة، وتعهّد بالتحقيق في الأمر بواسطة “الدولة”!
وكان وزير الأوقاف في توضيحاته (ودفاعه عن القرار) قد ذكر أن الإتفاق مع الحكومة الإماراتية حظي بموافقة رئاسة الجمهورية “ولكننا فوجئنا بحديث وزير الخارجية في الإعلام، لذا أوقفنا إجراءات نقل الوزراة للمبنى المؤجر لمزيد من المراجعة”!
وفي سعيه لمزيد من الشفافية والمؤسسية، صرح الوزير (كما ورد في الصحف) أنه شكّل لجنة من الجهات ذات الصلة لتحديد أوجه القصور في التعامل مع ملف مقر الوزراة الجديد، كما كشف لصحيفة اليوم التالي أن الوارة تُمارس كامل صلاحياتها في التعامل مع الجهات الصديقة داخل (؟) وخارج البلاد دون وصاية (من وزارة الخارجية؟؟)، مشيرا إلى أنه أوقف الإنتقال للمقر الجديد ريثما تتضح الأمور عبر تقارير اللجنة التي تم تشكيلها، موضحا أن الموضوع ما زال قيد النظر (كيف؟) وأضاف “لا نريد أن نتسرع”، وأنه وطالب الوسائط الإعلامية بالتزام مبدأ الحياد (بين من ومن؟)، واستقاء المعلومات من مصادرها الأصلية، (مع أنه هو الذي أكد المعلومة الأساسية حول تكفل الإمارات بدفع إيجار مقر وزارته)!
ما هي هذه الجهات المختصة التي ستُشكل منها هذه اللجنة؟ وكيف يتعهد وزير الخارجية “بالتحقيق في الأمر بواسطة الدولة”، ووزير الأوقاف قد أكد للبرلمان أن “الإتفاق حظي بموافقة رئاسة المجهورية”؟ وكيف يذكر وزير الأوقاف أن “الموضوع ما زال قيد النظر”، “ويخضع لمزيد من المراجعة” “ولا نريد أن نتسرّع”، والعقد مع (سعيد الحظ) صاحب المبنى قد تم توقيعه، وشرعت الوزارة في الإنتقال للمقر الجديد؟
ولمزيد من تأكيد غياب الدولة، لحق وزير الخارجية الحالي بنفيه لعلم وزارته بموضوع الإيجار بسلفه على كرتي الذي صرح من قبل، وعلنا، بعدم علمه برسو البوارج الإيرانية بميناء بورتسودان. ووجه العجب ليس فقط في عدم علم وزارء الخارجية بما يتم في مجال اختصاصات الوزارة، بل في عدم التحرّج من الإعتراف بذلك على رؤوس الأشهاد، وبين هؤلاء الأشهاد من يعتقد أنه حين يتحدث مع وزير الخارجية يتحدث مع الحكومة!
الشئ بالشئ يُذكر. ما يُثير غضبي أيضا كثرة المساجد التي شيّدها “محسنون”من بلاد العرب وجهات أخرى. لماذا يا ترى يقبل السودانيون، حكومة ومواطنون، أن يُشيّد مساجدهم آخرون؟ يُغضبني ذلك (مهما صحّت نوايا المحسنين) لأن مثل تلك الصدقة تُشعرني بأننا ما زلنا من “المُؤلفة قلوبهم” الذين يستحقون الزكاة والصدقات خوفا من ردتنا إلى جاهلية فارقناها قبل قليل. لماذا “لا نمدّ مساجدنا على قدر ألحفتنا”؟ ولماذا هذا الإصرار على بناء المساجد وهي، والحمد لله، تعمّر كل ركن من مدن البلاد وقراها، وفيافيها ، أحيانا؟ أليس من الغريب أن يكون في الطريق من أمدرمان إلى الدبّة في الشمال (301 كيلومترا من الصحراء البلقع) ثلاثة مساجد بقبابها ومآذنها، وليس هناك حمام واحد نظيف مما يجعل المسافرين يهرعون، كلما توقفت الحافلة، إلى الخلاء لقضاء حاجتهم، وإعمار الصحراء بالأسمدة العضوية وآلاف القوارير البلاستيكية!
فلنهتف إذن:
# من لا يملك إيجاه لا يملك قراره!
ولتكن آخر دعوانا، اللهم إن كان هذا يُرضيك فزدنا منه. ولا حول ولا قوة إلا بالله!