د. فضل محي الدين طاهر
لا يختلف اثنان على أن النزاع الراهن في السودان، شأنه شأن كل الحروب والنزاعات التي شهدها قبل الاستقلال وبعده، كان جوهره السباق المحموم على نهب الموارد والثروات. وكانت وما زالت الاستراتيجية لتحقيق ذلك تتمحور حول افشال اي تحرك شعبي نحو بناء دولة القانون. بما في ذلك تعمد غياب أي إطار مؤسسي شفاف ينظم الاتجار بهذه الموارد ويحكم إدارتها. وهذا بدوره ساهم في إيجاد بيئة خصبة للقوى الأجنبية لفرض أجندتها وتهديد سيادة الدولة السودانية.
ومن هذا المنطلق، يمكن لملف انضمام السودان إلى منظمة التجارة العالمية في مرحلة ما بعد الحرب , أن يعمل كمحفز اساسي لبناء دولة المؤسسات ومشروعاً وطنياً جامعاً لتعزيز الحوكمة الرشيدة . وذلك لانه يتمحور حول “الحوكمة” فقط، ولا يتعارض مع إيديولوجيات الأحزاب والتيارات المختلفة في الساحة السودانية. فهو لا يفرض رؤية سياسية ولا عقيدة اقتصادية، بل يضع قواعد شفافة وعادلة لإدارة الدولة والموارد، وذلك رغم التحديات الهيكلية والجيوسياسية التي تواجه منظمة التجارة العالمية نفسها.
كن في أي حزب تشاء، وانتمِ إلى أي كيان سياسي تريد، لكن في هذا المشروع الحزب هو الوطن والقضية هي الفساد . ومن هنا يمكن للملف أن يُسهم في وضع حد لسباق نهب الموارد، وإيجاد بيئة مواتية لاستدامة السلام عبر صياغة قاسم مشترك يتفق عليه السودانيون كرؤية وطنية موحدة لحوكمة الموارد وحماية السيادة.
أولاً: أهمية الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية:-
لا يمثل ملف منظمة التجارة العالمية مجرد إجراء فني أو اقتصادي او اطار لكسب الشرعية ، بل هو إطار دولي ملزم للحوكمة يعيد ضبط العلاقة بين الدولة والمواطن والموارد، ويصوغ عقداً اجتماعياً جديداً قائماً على الشفافية والمساءلة.
كما أنه ضروري لتمكين السودان قبل فوات الأوان من الاحتفاظ بحقه السيادي الكامل في تقرير مستقبله والتحكم بزمام أموره. ففي غياب قواعد شفافة وملزمة دولياً لكل الأطراف، ستظل القرارات المصيرية رهينةً لتقديرات الخارج أو لتجاذبات مراكز قوى داخلية لا تخضع للمساءلة. وتتجلى أهميته العملية بصورة خاصة في الآتي:
ترسيخ قواعد واضحة:- يلزم الدولة بنشر القوانين واللوائح والرسوم قبل تطبيقها، فينهي حالة “الضبابية” التي تنفر الاستثمار ويحد من إمكانية التلاعب بالسياسات التجارية.
صون السيادة الاقتصادية:- يمنع الاحتكار والسيطرة الضارة والمشوهة للاقتصاد للشركات الحكومية، ويكفل تنافساً عادلاً للقطاع الخاص الوطني، وهو الأمر الذي يساعد في عملية إعادة الإعمار على أسس متينة.
الشفافية ضمان للسلام :- بنشر جميع عقود الموارد والثروات وإجراء كل المعاملات التجارية تحت الأضواء، يُسد الطريق أمام المحاصصة والفساد والظلم اللذين أشعلا فتيل الحرب. فالسلام الحقيقي ليس في مجرد غياب التوترات بل في حضور العدالة.
الاندماج في الاقتصاد العالمي :- يفتح الأسواق العالمية أمام الصادرات السودانية المصنعة ذات القيمة المضافة فضلاً عن المنتجات الحيوانية بشروط محددة، لا بقرارات مرتجلة.
الحد من نهب الثروات من الداخل والخارج :- تُلزم العضوية في المنظمة جميع الأطراف، حكومية كانت أم خاصة، محلية أم دولية، بالتعامل عبر عقود رسمية منشورة وخاضعة لآلية تسوية منازعات دولية. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في السودان، حيث تقوم بعض الشركات السودانية بتصدير الموارد بطرق غير قانونية خارج إطار الموازنة والرقابة. فتشترط المنظمة الشفافية الكاملة، وتُغلق بذلك الباب أمام صفقات التهريب والاتفاقيات المجحفة التي تُعقد بعيداً عن أعين الشعب.
تقليص حماس التدخلات الاجنبية:- وفي المقابل، فإن إدراج السودان في إطار دولي شفاف يقلل من حماس الأطراف الأجنبية للتدخل في الشؤون السودانية، ويحد من مساحة المناورة لاستغلال الأوضاع الداخلية لمواصلة نهب ثروات هذا الشعب. فالدولة الخاضعة لقواعد WTO تصبح “محصنة” ضد الابتزاز الداخلي والخارجي ، لأن أي تدخل أو نهب للموارد يصبح مكشوفاً ومكلفاً دولياً.
وخلاصة القول، إن الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية إعلان بأن السودان دولة قانون قبل أن يكون دولة موارد. وهو الضمانة الوحيدة المتاحة و التي تطمئن أي سوداني، في الداخل أو الخارج، إلى أن استثماره ومستقبله محميان بقواعد دولية، لا بأشخاص.
ثانياً: التحديات التي تجعل من الملف ضرورة وطنية ملحة-ومن أخطر التحديات التي تفرض الملف اليوم:-
تجارة الموارد الطبيعية خارج إطار القانون هي المحفز الأساس للنزاعات المسلحة:- فعندما تُدار ثروات الذهب والنفط والمعادن وثروات السودان الأخرى في الخفاء ودون عقود منشورة، تتحول من مصدر للتنمية إلى مصدر لتمويل الحرب.
غياب القواعد الواضحة يتيح للفاسدين الاستيلاء على الموارد:- الأمر الذي يفاقم خطر النزاعات ويعمق الشعور بالظلم والتهميش بين الأقاليم، فيؤدي إلى انفجار مزيد من الصراعات.
غياب رؤية مشتركة تجمع السودانيين رغم التحدي الوجودي. والمعادلة أصبحت واضحة: إما أن يكون الوطن أو لا يكون. ويشير التاريخ في مثل هذه الأوضاع إلى أن الهيمنة الخارجية لا تبدأ بالغزو العسكري، بل تتمثل في مبادرات “سلام و”تسويات” تبدو إنسانية في ظاهرها، بينما هي في جوهرها تهدف الي تمكين الفاسدين علي السلطة لمواصلة سلب السيادة وتقسيم للوطن لخدمة أجنداتها فقط.
ومجمل القول لا يحتاج الملف إلى معجزة، بل إلى قرار سياسي وإرادة تضع الأجندة الوطنية فوق كل اعتبار. وفي مشروع WTO الحزب هو الوطن والقضية هي السودان. وعلي خلفية الفشل المتكرر للقوى الوطنية في بناء دولة المؤسسات، فنري ان هذا الملف اذا احسن استثماره بكل وطنية سيكون الإطار المؤسسي الذي سينهي سباق نهب الموارد ويحمي مستقبل السودانيين.
eltahirfadil@hotmail.com
