من يملك حق رواية الوطن؟
الذاكرة المضادة في «فشودة» و«التاسع من أغسطس 1924» لأحمد حسب الله الحاج
دكتور الوليد آدم مادبو
ليست كل الأمم تكتب تاريخها بالطريقة نفسها. بعضها يكتبه المنتصرون، وبعضها يكتبه المؤرخون. أما السودان، فقد كُتب تاريخه، في كثير من مراحله، على أيدي من نجحوا في احتكار تعريف الوطنية نفسها. ولهذا لم يكن غريبًا أن يظل علي عبد اللطيف، مؤسس أول حركة وطنية سودانية حديثة، خارج مركز السردية الوطنية لعقود طويلة، بينما احتلت شخصيات أخرى مساحة أوسع في الذاكرة العامة، لا لأن أثرها كان أعظم بالضرورة، وإنما لأن ميزان القوة بعد رحيل المستعمر انحاز إليها.
من هنا، تبدو رواية «التاسع من أغسطس 1924» أكثر من رواية تاريخية عن ثورة أخفقت عسكريًا. إنها، مع أختها «فشودة»، مشروع روائي متكامل لإعادة مساءلة التاريخ السوداني، لا بإعادة ترتيب وقائعه، وإنما بإعادة النظر في الكيفية التي كُتبت بها تلك الوقائع، وفي الأصوات التي مُنحت حق الكلام، وتلك التي أُقصيت إلى الهامش.
يصعب قراءة «التاسع من أغسطس» بوصفها رواية مستقلة. فهي لا تكتمل إلا إذا قُرئت جنبًا إلى جنب مع «فشودة». وليس ذلك لأن الروايتين تتناولان حقبتين متقاربتين، وإنما لأنهما تشكلان سردية واحدة تمتد من سقوط الدولة المهدية إلى ميلاد الحركة الوطنية الحديثة. وإذا كانت «فشودة» تتقصى الكيفية التي دخل بها السودان العصر الاستعماري، فإن «التاسع من أغسطس» تتساءل عن الكيفية التي حاول بها السودانيون استعادة وطنهم، قبل أن يصبح السؤال نفسه موضع نزاع: من يملك حق تمثيل السودان؟
ولذلك فإن البطل الحقيقي في الروايتين ليس علي جفون، ولا علي عبد اللطيف، ولا حتى الاستعمار البريطاني، وإنما الذاكرة السودانية نفسها؛ تلك الذاكرة التي تتذكر أشياء، وتنسى أشياء أخرى، ثم تقدم ما بقي منها على أنه التاريخ كله.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة المشروع الروائي بوصفه مثالًا لما يسميه النقد الثقافي «الذاكرة المضادة» (Counter-memory). فالروايتان لا تنازعان كتب التاريخ على صحة الوقائع، وإنما تنازعانها على سؤال أكثر عمقًا: لماذا بقيت شخصيات في قلب السردية الوطنية، بينما أُبعدت شخصيات أخرى إلى هامشها؟ ولماذا تحولت بعض الهزائم إلى هوامش، بينما ظلت بعض الانتصارات حاضرة لأنها انسجمت مع الرواية الرسمية للدولة؟
إن أحمد حسب الله الحاج لا يكتب التاريخ من أعلى، حيث يقف الحكام والزعماء، وإنما من أسفل، حيث يقف الذين لم يُسمح لهم طويلًا بأن يكونوا رواة لتجربتهم.
وهنا يظهر الخيط الناظم الذي لا يكاد يراه القارئ إذا اكتفى بإحدى الروايتين دون الأخرى.
في «فشودة» يطل جيل المجندين من أبناء الرقيق، رجال مثل علي جفون، الذين وجدوا أنفسهم يحملون بندقية الإمبراطورية في كرري. لم يكونوا بالضرورة جنودًا في مشروع استعماري اختاروه بحرية، وإنما كانوا أبناء بنية اجتماعية سبقت الاستعمار، ثم جاء الاستعمار فأعاد توظيفها داخل آلته العسكرية. لقد كانوا، في جانب كبير من قصتهم، ضحايا تاريخ أكثر من كونهم صانعيه.
لكن المفارقة الكبرى التي يبني عليها الكاتب مشروعه كله لا تظهر إلا في «التاسع من أغسطس».
فإذا كان الآباء قد حملوا بنادق الإمبراطورية، فإن الأبناء يحملون فكرة الوطن.
ومن أكثر المفارقات إيلامًا التي يكشف عنها المشروع الروائي أن أبناء المجندين الأرقاء، الذين هزم آباؤهم الدولة المهدية تحت راية الإمبراطورية، هم أنفسهم الذين أنجبوا، بعد جيل واحد، رجالًا حملوا فكرة السودان المستقل. لقد قاتل الآباء في صفوف جيش الغزو، بينما خرج الأبناء ليؤسسوا أول حركة وطنية حديثة تتجاوز القبيلة والطائفة والإثنية. وكأن التاريخ أراد أن يسخر من كل يقين اجتماعي؛ فالوعي الوطني لم يخرج بالضرورة من البيوت التي احتكرت الزعامة، وإنما خرج أيضًا من الهامش الذي ظل طويلًا محرومًا من حق الكلام.
وما يزيد هذه المفارقة قسوة أن بعض أبناء البيوتات الكبيرة ظلوا ينظرون إلى هؤلاء بوصفهم “منبتين” لا يحق لهم الخوض في “الشؤون العظام”. هنا لا يعود الوصف مجرد إساءة اجتماعية، بل يصبح إعلانًا صريحًا عن تصور كامل للوطن، يجعل حق تمثيله امتيازًا موروثًا، لا استحقاقًا سياسيًا.
كم هي قاسية هذه المفارقة!
لقد بدا، في تلك اللحظة، أن السؤال الطبقي كان أقوى من السؤال الوطني، وأن معركة الشرعية داخل المجتمع السوداني كانت، في بعض وجوهها، أشد تعقيدًا من معركة التحرر من الاستعمار نفسها.
ومن هنا تكتسب ثورة 1924 معناها الأعمق في الرواية. فهي لا تبدو مجرد مواجهة بين السودانيين والإدارة البريطانية، وإنما مواجهة بين تصورين مختلفين لمعنى السودان.
فلم يكن الاستعمار وحده من وقف في وجه الثورة، بل وقفت في وجهها أيضًا بنية اجتماعية كاملة كانت تخشى أن يؤدي انتصارها إلى إعادة توزيع الشرعية السياسية، لا إلى إنهاء الحكم البريطاني فحسب.
ولهذا لم تكن معركة 1924، في القراءة التي تقترحها الرواية، معركة ضد الإنجليز وحدهم.
لقد كانت أيضًا معركة ضد تصور كامل لمن يحق له أن يمثل السودان.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى علي عبد اللطيف بوصفه مثالًا لما يسميه منظرو ما بعد الاستعمار «التابع» (Subaltern). وليس المقصود هنا أنه شخصية مهمشة فحسب، بل فاعل تاريخي شارك في صناعة لحظة مفصلية، ثم جرى تهميشه داخل السردية الرسمية للدولة الوطنية. فالرواية لا تستعيد رجلًا غاب عن كتب التاريخ، وإنما تستعيد إمكانية تاريخية كاملة جرى استبعادها من الوعي الوطني.
غير أن أحمد حسب الله الحاج يرفض، بذكاء روائي، أن يحول هذا الصراع إلى مواجهة أخلاقية بين أبطال وأنذال.
ولعل أكثر ما يربك القارئ أن الرواية لا تمنحه أبطالًا كاملين ولا أشرارًا كاملين.
حتى القيادات الطائفية، التي تبدو في الرواية بعيدة عن مشروع ثورة 1924، لا يمكن فهمها خارج سياقها التاريخي. فقد كانت ترى نفسها مسؤولة عن حفظ التوازن الاجتماعي، أو حماية نفوذها، أو انتظار لحظة سياسية أكثر ملاءمة. لكن الرواية تترك سؤالًا معلقًا لا يستطيع القارئ الإفلات منه: هل كان ذلك حذرًا سياسيًا مشروعًا، أم أنه أسهم، بقصد أو بغير قصد، في إجهاض أول مشروع وطني جامع؟
ومن هنا لا تبدو المنافسة بين السيدين على إظهار الولاء للتاج البريطاني مجرد تفصيل تاريخي، بل علامة على أن العلاقة مع المستعمر لم تكن تُدار دائمًا بمنطق المقاومة المباشرة، وإنما أيضًا بمنطق التفاوض، وحساب المصالح، والرهانات المتباينة. وتدفع الرواية القارئ إلى تأمل هذه المفارقة حين تضعها في سياق أوسع، حيث تبدو بعض المواقف من قضايا مثل الرق أو العلاقة بالإدارة البريطانية جزءًا من شبكة معقدة من الحسابات السياسية والاجتماعية، لا مجرد مواقف مبدئية خالصة. وهنا يكتشف القارئ أن تاريخ الحركة الوطنية أكثر التباسًا من الصورة الثنائية المريحة التي ورثناها.
وتزداد هذه الصورة تعقيدًا حين تلمح الرواية إلى أن الانقسام لم يكن يومًا خطًا فاصلًا بين “متعاونين” و”وطنيين”. فكثير ممن أيدوا ثورة 1924 جاءوا من أسر كانت علاقتها بالإدارة الاستعمارية وثيقة، وكثير ممن حملوا لواء الوطنية في العقود اللاحقة كانوا أبناء طبقات استفادت، بدرجات متفاوتة، من التعليم الحديث أو من البنية الاقتصادية التي نشأت في ظل الحكم الاستعماري. وكأن السودان ظل، جيلًا بعد جيل، يعيد توزيع المواقع، بينما تبقى البنية الاجتماعية نفسها قادرة على إنتاج مفارقات لا تنتهي.
ومن المفارقات التي تستدعي التأمل، لا بوصفها حكمًا أخلاقيًا وإنما بوصفها دلالة على تعقيد التاريخ السوداني، أن الضابط السوداني عبد الله خليل، الذي ارتبط اسمه بالدور العسكري في قمع ثورة 1924، سيصبح بعد أكثر من ثلاثة عقود زعيمًا لحزب الأمة، ثم رئيسًا للوزراء في الفترة التي أعقبت تكوين أول حكومة وطنية بعد الاستقلال، تحديدًا من يوليو 1956 حتى نوفمبر 1958. ولا تُقرأ هذه المفارقة باعتبارها تناقضًا في سيرة رجل واحد فحسب، بل بوصفها تعبيرًا عن الكيفية التي أعاد بها التاريخ السوداني إنتاج نُخبه وأدوارها. فالأشخاص أنفسهم، أو أبناء الجيل نفسه، انتقلوا من العمل داخل مؤسسات الحكم الاستعماري إلى قيادة الدولة الوطنية بعد رحيل المستعمر، الأمر الذي يجعل الحدود بين «الاستعماري» و«الوطني» أقل وضوحًا مما توحي به السرديات المبسطة.
وليس عبد الله خليل حالة معزولة، بل يكاد يكون مثالًا مكثفًا لمسار عرفه السودان أكثر من مرة؛ إذ لم يكن الانتقال من مؤسسات الحكم الاستعماري إلى مؤسسات الدولة الوطنية استثناءً، بل أحد المسارات التي تشكلت عبرها النخبة السياسية بعد الاستقلال. وفي المقابل، بقي كثير من الذين حملوا مشروع الوطنية في لحظاته الأولى خارج مركز الذاكرة الرسمية، وكأن التاريخ لم يكتف بإقصائهم سياسيًا، بل أعاد إقصاءهم رمزيًا أيضًا.
وهكذا يبدو السودان، كما تصوره الرواية، مجتمعًا لا يورث أبناءه المواقف السياسية بقدر ما يورثهم مواقع داخل شبكة اجتماعية معقدة. وقد ينقلب الأبناء على تلك المواقع، أو يعيدوا إنتاجها في صورة جديدة، لكنهم نادرًا ما يستطيعون الإفلات منها كلية.
وأنا أقرأ الروايتين معًا ظل سؤال واحد يطاردني:
من الأحرار في هذه الساعة؟ ومن الأرقاء؟
ليس السؤال هنا عن الوضع القانوني، فالرق انتهى بوصفه مؤسسة. وإنما عن الحرية بوصفها موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا.
أهو الذي ولد حرًا، لكنه ظل أسير الامتياز الذي ورثه؟
أم الذي ولد في الهامش، ثم تمرد على الإرث الذي أراد له أن يبقى تابعًا؟
ولعل السودان من البلدان القليلة التي بقي فيها إرث الرق حاضرًا في الوعي الاجتماعي حتى بعد زوال مؤسسته القانونية. والمفارقة المؤلمة أن بعض الناس يستحيون من نسب لم يكن لهم فيه يد، بينما لا يرى آخرون بأسًا في التفاخر بمواقع اجتماعية تشكلت داخل أنظمة غير عادلة. وليس المقصود من هذه الملاحظة توزيع البراءة والإدانة، وإنما الإشارة إلى أن التاريخ الاجتماعي لا يغادر المجتمعات بمجرد تغير القوانين، بل يظل حاضرًا في الذاكرة واللغة والسياسة.
ولهذا فإن القيمة الكبرى لمشروع أحمد حسب الله الحاج لا تكمن في أنه يروي تاريخًا آخر، وإنما في أنه يعلمنا كيف نقرأ التاريخ قراءة أخرى.
فالرواية لا تسأل: من خان ومن قاوم؟
ولا تسأل: من انتصر ومن انهزم؟
بل تسأل سؤالًا أكثر عمقًا:
من احتكر، بعد كل منعطف تاريخي، حق رواية الوطن؟
وهنا تكمن فرادة المشروع الروائي. فهو لا ينتمي إلى الرواية التاريخية التقليدية التي تتخذ من الماضي مسرحًا للأحداث، بل إلى الرواية التي تجعل التاريخ نفسه موضوعًا للنقد. فالتاريخ في «فشودة» و«التاسع من أغسطس» ليس ماضيًا منتهيًا، وإنما حاضرٌ يتخفى في هيئة ماضٍ، ولذلك يغلق القارئ الروايتين وهو أقل يقينًا بالسردية التي ورثها عن وطنه، وأكثر استعدادًا لإعادة التفكير فيها.
ولعل هذا ما يجعل المشروع الروائي لأحمد حسب الله الحاج جديرًا بأن يُقرأ إلى جانب المشاريع السردية الكبرى في الأدب السوداني. فإذا كان الطيب صالح قد جعل سؤال الهوية – من نحن؟ – محورًا لأعماله الكبرى، فإن أحمد حسب الله الحاج ينقل النقاش إلى سؤال لا يقل خطورة: من يملك حق تمثيل “نحن”؟
إنها نقلة من سؤال الهوية إلى سؤال الشرعية؛ من البحث في تكوين الشخصية السودانية إلى البحث في الكيفية التي صيغت بها الذاكرة الوطنية، ومن يملك سلطة تعريفها وإقصاء غيره منها.
ومن هنا لا تبدو «فشودة» و«التاسع من أغسطس 1924» مجرد روايتين عن الماضي، بل مشروعًا أدبيًا يعيد مساءلة الأسس التي قامت عليها الدولة الوطنية نفسها. وهذا، في تقديري، هو الإنجاز الحقيقي لأحمد حسب الله الحاج: أنه لا يدفع قارئه إلى حفظ وقائع التاريخ، بل إلى الشك في الرواية الوحيدة للتاريخ، والإيمان بأن الوطن، مثل الأدب، لا يكتمل إلا بتعدد الأصوات التي ترويه.
auwaab@gmail.com
