اِنْحَدَرَتْ إلى المغيب مساء الأربعاء الموافق 22 أبريل 2020م شَّمْسُ الفِكْر والكَلِمَة الصَّادِقَة، المُفَكِّر والعلامة الدكتور منصور خالد. وبرحيله فقد السُّودَان العظيم، السُّودَان العظيم الَّذِي يتمثًّلُ في (جمهوية السُّودَان الجَنُوبِي وجمهورية السُّودَان)؛ وَطَنِيَّاً غَيُورَاً ومُثَقَّفَاً عَظِيْمَاً ومُفَكِّرَاً عميقاً وقارئاً واسع الاطَّلَاع وباحثاً لا يَكِلُّ ولا يعيأ، وكاتباً بَارِعَاً ونَحْرِيرَاً ومُؤَرِّخَاً فَرِيداً وفيلسوفاً شغوفاً بالعلم بإعمال العقل فيه، وُصُولاً إلى خُلَاصة مَوْضُوعِيَّة بالأَدِلَّةِ والبُرهان.
كان الدكتور منصور خالد شمْسَاً ساطعةً في سماءِ السُّودَان بعلمه وآرائه ومواقفه المكتوبة والمنشورة والمعروفة لدى المثقفين في السُّودَان وخارج الحدود السُّودانية، والشَّمْسُ كما تعلمون، هو ذلك النَّجْمُ الرئيسُ الَّذِي تَدُورُ حوله الأرض، وسائر كواكب المجموعة الشَّمْسِيَّة، وقد دارت سائر كواكب السُّودَان حول منصور بطريقةٍ أو بأُخرى، طوال الفترة الَّتِي عاش فيها.
حين وُلِدَ في أُمدرمان في العام 1931م، إنسلت إضاءة شعاعه رويداً رويداً تبشر ببزوغ شمسه الوَقَّادَة. وعندما لاح بياضه المعترض في الأفق في سن شبابه، مَثَلَ فجراً صَّادِقاً للمستقبل. كان أُمدرمانياً استوعب قلبه، السُّودَان الكبير، بتنوعاته العرقية والاجتماعية واللغوية والثقافية والدينية والسياسية. ورغم غيابه، لا يزال متألقاً، لأن الشَّمْس حَتَّى ولو غابت يبق ضوء أصيلها عالقاً في الأفق، ويرسم لوناً ذهبياً على وجه المياه. رغم غياب هذا العَالِم الشَّمْس، سيظل يَشِيعُ علينا بأفكاره البَرَّاقَة في مؤلفاته واصدراته.
عرفتُه لأول مرة في العام 2001، حين عثرتُ على سفره الموسوم (الفجر الكاذب .. نميري وتحريف الشريعة) في المكتبة المنزلية لِصِهري إسماعيل علي إسماعيل، الَّذِي ذهب في بداية التسعينات إلى اليمن وعاش فيها مغترباً، تاركاً لنا مكتبةً غنية بالكتب السُّودَانِيَّة. قرأتُ الكِتَاب واستمتعتُ به كثيراً، وحين أكملته، مضيتُ به إلى الأستاذ يين ماثيو شول الذي كان ناشطاً سياسياً شديد الحُجَّة في أركان النقاش لأُرِيهِ الكتاب، وحين قرأ عنوان الكِتَاب، سألني قائلاً: أتعلمُ مَن هو منصور خالد؟ فأجبته، لا أعرف عنه شيء، لكنه كاتب أعجبني موضوعيته بعد أن قرأتُ كتابه هذا. فقال لي إنه مناضل جسور، وهو الآن يعمل مستشاراً سياسياً لرئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق، ثم أخذ مني الكِتَاب ليقرأه ويدعم به حُجَّجُهُ في النقاشات أمام الإسلاميين. وكان جون قرنق وقتها في نظر حكومة الخرطوم الإسلامية متمرداً وكافراً وزنديقاً وعدواً للسُّودان.
ومنذ ذلك الوقت، تعرفتُ على الرَّجُل وقرأتُ له بعضاً من مؤلفاته في العام 2012م و2013م، وأعجبتني قوة حُجَّتِهِ وموضوعيته واستبحاثه واستشهاده المباشر في المقالات بالصحف اليومية والمجلات السُّودَانِيَّة والعربية، وبالعديد من الكتب التي أطلع عليها. إنه مُثَقَّفٌ موسوعي. وقد تحققتُ مِن هذا عملياً في كتاباته وأنا أُطالعها، لدرجة حسيتُ مَرَّة أنه كاتبٌ لا يفوت عليه قراءة كُتُب أو صحف أو مجلات تصدر في السُّودَان، فضلاً عن اصدارت أُخرى تصدر خارج السُّودان. إنه رَّجُلٌ متنوعة القراءات وواسع الاِطِّلاع، الاِطِّلاع الذي كان برنامجه طوال حياته.
في شهر فبراير 2017م، قمتُ بإعادة قراءة كتابه: (الفجر الكاذب .. نميري وتحريف الشريعة)، وهو سفرٌ جميلٌ وتاريخٌ عميقٌ كتبه بطريقة رائعة. إنه في جوهره عبارة عن مقارعة الحُجَّة بِالحُجَّة وحوار عقلاني جداً بين الدكتور منصور خالد والإسلاميين في السُّودَان إبان عهد الرئيس جعفر نميري، الذي بدأ حكمه اشتراكياً وحين انقلب عليه الاشتراكيون، أعدم قياداتهم وأصبح إسلاموياً، وأعلن نفسه إماماً للسُّودَان .. والكتاب في نفس الوقت نقد لحركة الصَحْوَة الإسلامية، وهجوماً كاسحاً على قوانين نميري السبتمبرية في العام 1983م.. ويعكس الكِتَاب إلمام الدكتور منصور خالد، بالإسلام إلماما عميقاً جداً؛ إذ رجع إلى القرآن الكريم والأحاديث النبوية وكُتُب التفسير لدحض ادعاءات الإمام وصَحْوَتِهِ الإسلامية يومذاك. بإختصار، إنه كِتَابٌ ينتقد الإسلام السياسي ويقدم الإسلام الصحيح كدين وعبادة من مصادره.
مِن الأشياء الجميلة التي تُميز الدكتور منصور خالد، أنه يمتع من يقرأ كتاباته ويُبْهره بأسلوبه الجميلة، ولغته العربية المنمقة البليغة المتميزة، فتارةً تميل لغته إلى اللغة القرآنية، ولغة الصفوة والإنتلجنسيا (النُّخْبَة المُثَقَّفَة) تارةً أُخرى، ولغة العلماء وكبار الدبلوماسيين والدَهاقِنَة أو كِبَار السَّاسَة تارةً ثالثة، كما تميل إلى لغة الأُدباء مَرَّةً ولغة القانونيين طَوْراً. إنها لغة مصقولة متداخلة ومتباينة توخِذُ في نفسِ القارئ جمال اللغة وقيمة الثقافة والمثقف وجمال الفكر والحوار والتعبير عن الآراء والمواقف بصورةٍ أكثر عقلانية وموضوعية. ويرى البعض أن لغته كانت صعبة. وقد قال الصحفي الطاهر حسن التوم في لقاءٍ تلفزيوني مع منصور، إن لغته تختلط بين القسوة والجمال في بعض الأحيان، فرد عليه أنه لم يكن يقصد أن يكون قاسياً على أحد، بل أراد أن يقول الأشياء كما هي، أو يسميها بمسمياتها الحقيقية. كانت تلك اللغة تمثل مشرط الجراح للبعض.
الدكتور منصور خالد كاتب، ولم يكن مجرد كاتب، بل مُؤَرِّخٌ أَرَّخَ للسُّودان الحديث، وقد ارتبطت سيرته الشخصية بسيرة الدَّوْلَة السُّودَانِيَّة بعد الاستقلال، لأن أكثر ما كتبه كله سيرة الدولة السُّودَانية. وقد ظل يُقَدِّمُ أفكاره للسُّودَان ويرفد المكتبة السُّودَانِيَّة بكتبه طيلة عمره، آخرها (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية)، وأضحى رقماً و”كاتب لا مهرب منه في الفكر السياسي السُّودَاني” كما يقول الدكتور عبد الله علي إبراهيم في مقدمة كتابه الذي كتبه عن منصور (.. ومنصور خالد ص 13 .. دار المصورات). ويعتبر منصور أحد أعظم الرِّجَال الَّذِين وُلِدوا في بلدٍ اسمه السُّودَان، وعاش فيه صَّادِقاً، يقول كلمة الحق بحيادٍ لا مثيل له، ومحارباً ضد الظُّلْم والتهميش ومعارضاً للسياسات التي عملت على قمع وتفتيت المجتمع السُّودَانِي. عاش قارئاً وكاتباً ووثق لسيرة السُّودَان بشكلٍ جميلٍ، وقال الحقيقة التي ينبغي أن يقوله الكبير ليتركها للصغار وللأجيال البعيدة.
كتاباته تتحدث عن حقائق باقية للسُّودَان بشطريه، وهنا بعض من التي أطلعنا عليها:
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم