دكتور محمد عبدالله
إذا أُتيحت لمنى أركو مناوي فرصة التحدث في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، فقد يجد الرجل نفسه أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية في مسيرته السياسية. ليست المسألة مجرد خطاب يُلقى في قاعة دولية، وإنما فرصة نادرة لإعادة تعريف موقعه في المشهد السوداني، وتحديد الصورة التي يريد أن يُعرف بها خارج حدود إقليم دارفور.
تقف أمام مناوي، في تقديري، إمكانيتان واضحتان. الأولى أن يتحدث بلغة سلطة بورتسودان، بما تحمله من خطاب سياسي يربط استمرار الحرب بمواجهة الدعم السريع، ويتقاطع في جوانب منه مع رؤية الإسلاميين الداعية إلى مواصلة القتال حتى تحقيق النصر. في هذه الحالة، قد يجد مناوي نفسه أمام مأزق سياسي؛ إذ يمكن أن يُنظر إليه باعتباره امتداداً لخطاب السلطة، لا ممثلاً لقضية إقليم عانى طويلاً من الحرب والتهميش. ولن يكون من السهل، في هذه الحالة، فصل صورته السياسية عن الخيارات التي اتخذها.
أما الإمكانية الثانية، فهي أن يخرج مناوي بخطاب ينطلق من قضايا دارفور، لكنه لا يتوقف عند حدود الإقليم، بل يضع مأساة السودان بأكملها في إطارها الوطني والإنساني والسياسي. خطاب يتحدث عن حماية المدنيين، ووقف الحرب، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وحق السودانيين في بناء دولة تتسع للجميع، بعيداً عن منطق الغلبة العسكرية والإقصاء السياسي.
مثل هذا الخطاب قد يفتح أمامه مساحة مختلفة في الوعي العام، ليس بالضرورة لدى السودانيين جميعاً، ولكن على الأقل لدى قطاعات واسعة من أبناء دارفور، وربما لدى من يبحثون عن صوت سياسي يجمع بين العدالة الإقليمية والرؤية الوطنية.
منذ دخوله عالم السياسة، ظل حضور مناوي العام محكوماً، إلى حد كبير، باللقاءات القصيرة والتصريحات المقتضبة والمقاطع المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي. وهي مادة غالباً ما يعيد الخصوم توظيفها للسخرية أو النقد، بينما يتلقاها الأنصار بوصفها تعبيراً عن مواقف قائدهم. وبين هذين الاستخدامين، لم تتح للرجل، بالقدر الكافي، فرصة تقديم مشروع سياسي متكامل أمام جمهور سوداني ودولي واسع.
وقد يكون من المفيد هنا التمييز بين الرجل بوصفه قائداً لحركة مسلحة وحاكماً لإقليم دارفور، وبين دوره المحتمل بوصفه صوتاً لقضية سياسية وإنسانية تتجاوز موقعه الرسمي. فالمجتمع الدولي لا يحتاج إلى خطاب إضافي يكرر مواقف أطراف الحرب، بقدر ما يحتاج إلى أصوات تشرح جذور الأزمة، وتدافع عن المدنيين، وتطرح سبيلاً للخروج منها.
إن التحدي الذي يواجه مناوي ليس فقط أن يتحدث، بل أن يحدد بأي لغة سياسية يريد أن يُسمع، ولأي مستقبل يريد أن ينتمي. هل يظل أسير الاصطفافات الراهنة، حتى بين حلفائه في “القوة المشتركة” ، أم يلتقط الفرصة ليصوغ لنفسه موقعاً أكثر استقلالاً واتصالاً بقضايا شعبه؟
لن تكون منصة الأمم المتحدة كافية وحدها لصناعة زعامة جديدة، لكنها قد تمنح الرجل لحظة اختبار لا تتكرر كثيراً. وفي النهاية، سيحدد مضمون خطابه، لا مجرد حضوره، ما إذا كانت هذه اللحظة ستُضاف إلى أرشيف التصريحات المتداولة، أم ستشكل بداية مختلفة في مسيرته السياسية.
