نزعـة التسـول .. بقلم: عبد الله علقم

(كلام عابر)

جاءتني رسالة على بريدي الالكتروني تحمل مقالا بقلم الدكتور حمد العويشق وهو كاتب خليجي كما يظهر من اسمه. يقول الكاتب في مقاله الذي يحمل عنوان”نزعتنا التسولية” إن نزعة التسول متجذرة في المجتمع العربي  بدرجات متفاوتة ، بعضها عميقة الجذور  وبعضها سطحية وجميعها تنافي القيم الاسلامية والعربية وتستوجب الاجتثاث من الجذور.
ويبدأ الكاتب القصة من بدايتها حينما كان يدرس اللغة الانجليزية  في بريطانيا  في فصل يضم طلابا من مختلف دول العالم. طلب منهم أستاذهم ذات يوم أن يكتب كل واحد منهم  خطابا لمسئول محلي  يطلب منه توفير خدمة الكهرباء لقرية نائية ، فأحضر كل طالب في اليوم التالي الخطاب الذي أعده، وعندما قرأ أول طالب عربي خطابه ابتسم الاستاذ  وأخذت ابتسامته تتسع كلما قرأ طالب عربي آخر خطابه الموجه للمسئول الافتراضي وبدأ الطلاب الآخرون ينظرون للطلاب  العرب نظرات غريبة نوعا ما،  فظن الكاتب أن ابتسامة الأستاذ ونظرات الطلاب وليدة اعجاب بمستوى الطلاب العرب في اللغة الانجليزية ولكن سرعان ما تبدد ذلك الوهم ، فقد كانت خطابات الطلاب العرب دون استثناء تبدأ بالثناء على المسئول وجهوده القيمة ثم بعد ذلك تتوسل إليه للتكرم بتوجيه المعنيين لتوفير الخدمة المطلوبة تفضلا واحسانا منه ثم ينتهي الخطاب العربي بمثل ما بدأ به من إفراط في الثناء والشكر،أما خطابات باقي الطلاب غير العرب فقد كانت تبدأ بإشعار المسئول بواجباته المباشرة وتقصيره في عدم توفير الخدمة وتلفت نظره لتصحيح الوضع في أقرب وقت ممكن ويتوعده في رفع الأمر لمسئول أعلى.
ويعزي الكاتب تلك النزعة التسولية في المجتمعات العربية لفقدان المسئول الإحساس بمسئوليته وغياب المحاسبة على التقصير، كما إن المسئول الأعلى لا يختلف عن المسئول الأقل منه درجة من حيث عدم الاحساس بالمسئولية، ويختزل الكاتب المشكلة في جانبها الظاهر وهو الجانب الإداري، ولكن المشكلة اكثر عمقا مما طرحه الكاتب ودعوته لمكافحة التسول في الإدارات الحكومية مثلما يحدث من مكافحة للتسول في المساجد مع اختلاف التسول والمتسولين في الحالين، متسول أمام المسجد يستجدي جيوب المحسنين، ومتسول في الدائرة الحكومية يستجدى المسئول  للحصول على ما هو حق له. إنها ثقافة مجتمعية كاملة جذورها ضاربة في التاريخ. المسألة ليست مجرد نزعة تسولية. الطالب غير العربي كان يطلب الخدمة طلبا مباشرا  في خطابه بلا مدح للمسئول أو ثناء عليه وبلا  استجداء  أو توسل  لأنه يطلب بكل ثقة  حقا من حقوقه ولا يستجدي  منة من أحد، وهذه هي ثقافته التي تقوم ، بدرجات متفاوتة، على مفاهيم وقيم اجتماعية راسخة من حقوق وواجبات واضحة للمواطن وللحاكم ومفهوم للمواطنة والعقد الاجتماعي القائم بين الدولة والمواطن وحدود صلاحيات وسلطات الحاكم أوالمسئول التي تنزل به لمصاف البشر العاديين،  فيخضع لاختيار المواطن ويخضع  للمساءلة والحساب وكذلك الفصل الواضح بين المال العام والمال الخاص وبين مال الدولة ومال الحاكم. وهذا هو السر في تشابه خطابات الطلاب العرب للمسئول وجنوحها لتسول الخدمة من المسئول  المحلي بلا تنسيق مسبق بين هؤلاء الطلاب الذين تجمع بينهم ثقافة مجتمعية متقاربة أو متشابهة. وبالمقابل وعلى النقيض من هؤلاء تقف ثقافة مجتمعية أخرى تجمع بين باقي الطلاب أدت إلى توحيد خطابهم. والمسافة بين الخطابين، الخطاب العربي والخطاب غير العربي،  تراكمات تاريخية ضخمة ومسيرة  قرون طويلة من الجهد الانساني.
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com

عن عبد الله علقم

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً