I
ما هذا الحنينُ إلى المناطقِ القديمةِ؛ إلى الرِّيْفِيِّ؟ أهو اطمئنانٌ إليكِ أيَّتُها القديمةُ التّي تزهُو- خَضْرَمَةً- بجديدِ الماكِيْنِاتِ والإلكترونيّاتِ وكأنّما هُنَّ لُعَبَاً لا يُؤْخَذْنَ بجَدِّ التّقاليدِ العريقةِ، المواريثِ، العائِلَةِ والدَّمِ السّلطانيِّ العتيد؟
هذا المقالُ- الشّعرُ يُوغلُ فيكِ باستبصارِهِ فيفتحُ فيكِ مناطقَاً وأسماءاً لا تفجُّرَ لها بما هو دونَ الذّكرى- تِلْكَ الرّحابةَ الحيّةَ الّتي يرى الأُنسيُّ فيها نفسَهُ وقد تحضَّبَتْ بحنّاءِ نفسها وانفَغَمَتْ دُخاناً، صاجَاً*، ودَوْكَةً** مُتمازجَاتٍ ضُحىً، حرارةً وبوخَاً مُنَمْنِمُنِي خوفاً خفيفاً، لذَّةً مُسْتَحْيِيَةً ودَمْعَاً أشرقَ في الرِّمْشَيْنِ ارتِجافاً وانْضَمَّ عينَاً فَعَيْنَاً تُوغِلانَ في السّهومِ، في “أبي سَرِيْعِ***” الأصائِلِ أو نَهْنَهَاتِ “مُنَى****” الرّيفِيّةِ غَمْغَمَاتٍ لَثْغَاءَ، خَضْرَاءَ كَلَوْنِيَ الّذي ما غابَ عنِّيَ رُغمَ أنِّي اسْتَدِرْتُ نُضُوْجَاً، قَوَامَاً من فَصّاحَةٍ، رُطانَةٍ وكِتَابْ.
II
أيَّتُها القديمةُ اختِيَارُكِ إنِّيَ الذي ما نازَعَنِي***** فيكِ إلا توهُّمَاً منّي قد “شكَّ******” (كَكِبْرِيْتٍ) جيُوبَ جَسَدِي بِفَحْمِكِ، بالتِهابِ مفاصِلِ شهوَتِي، بالحريقِ القديمِ-الجَّدِيْدِ، بالنَّخْلَةِ، وَخْزِ السَّعَفَاتِ في الجّلدِ والنَّسْجِ، المُنى والسُّهْدِ، كُلِّ كَلامِ الأغانِي العَتِيْقَةِ، كُلِّ انصرافِ الذِّهْنِ إلى النَّوْمِ، إلى يَقْظَةٍ “أُخْرَى”، التِبَاسِ، انْبِهَامِ جِبَالِ السُّؤالِ، انمِسَاخِ جِبَالِ السُّؤالِ إلى غابةٍ، سيَّالِ موجٍ ورعْشَةٍ؛ ثُمَّ هَلْ هو إلا اشْتِرَاكُ الخيالِ والرّوحِ في تَواطُئِ ثَوْبٍ إلى ما ليسَ “رُشْدَاً”، إليكِ-دمارِ الأغاني الدّنُوفِ، الجُّرْحِ، انثِيَالِ رُعَافِ الْخَرِيْرِ، سَوادِ الحريرِ إذ يصيرُ الحَرِيْرُ أبنوسَاً من الضَّحِكِ، اللَّهِيْبِ، الْوَحْشَةِ، الجَّازِ والدَّمْدَمَةْ؟
مايُّو، 1998م.
لندن (فَوْرِسْتْ قَيْتْ).
هوامِش:-
* “الصَّاج”:- هو مِقلاةٌ مسطّحةٌ تُستعملُ، في بعضِ أنحاءِ السودان، لصناعةِ رقائقِ خبزٍ محلّيَّةٍ تُسَمَّى، تقليديّاً، “الكِسْرَة”.
** “الدَّوْكَة”، في لغة بعض أهل السّودان، هي اللَّداةُ.
*** هو المغنّي السوداني العريق محمد حسنين “أبو سريع”.
**** هي المغنّية السودانيّة الراحلة مُنى الخير.
***** من روحِ الكلامِ الحَلاجِيِّ (نسبةً إلى الحسين أبي منصور الحلاج) الصّائتِ للمولى (الله، الأُلُوهة) أن:-
بيني وبينُكَ إنِّي يُنازِعُنِي فارُفَعْ بإِنَّيْكَ إِنِّي من الْبَيْنِ
****** في عاميّة (عربيّة) أهل السودان تُستعمَلُ، في بعضِ المناطق، كلمةُ “شَكَّ” بمعنى “حشَدَ”، “حَشَا” أو “أفْعَمَ”- شاهدُ ذلك قولهم، أحياناً، إنَّ مكاناً ما (بصّاً، ساحةً، غُرْفَةً… إلخْ… إِلَخْ) “مَشْكُوكَاً شَكَّ الكِبْرِيتْ”.
ملحوظة: النَّسيج الشِّعري أعلاه كُنتُ قد ضَمَّنُهُ مجموعتي الشعريَّة المُسمَّاة “خُصوبةُ القداسة” التي صدرت طبعةٌ أولى منها، في نسخٍ محدودة (50 نسخة فقط)، في لندن في العام 2004م عن “منتدى أهل السُّودان” وقام بإخراجها الفَنِّيِّ وتصميم غلافها الصديق الفنان الرَّاحل طارق أحمد أبوبكر.
khalifa618@yahoo.co.uk
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم