هـو ونـزار قــباني! … بقلم-عبدالله علقم

كلام عابر

 

Khamma46@yahoo.com

 

أخذت بلادنا منذ السنوات الأخيرة في نظام نميري تشهد ظاهرة الأثرياء الجدد الذين يظهرون كالنبت الشيطاني بلا تاريخ اقتصادي أو أسري ثم تفاقمت هذه الظاهرة في ظل سنوات المشروع الحضاري والتمكين. معظم هؤلاء  الأثرياء ينصرفون إلى ما هم فيه من ثروة وعز وجاه  يستمتعون له ويعملون على المحافظة عليه من المتربصين والحاسدين ومن غدر الزمن ثم يسعون  لتنميته ومضاعفته، آخرون لا تقف طموحاتهم عند ذلك الحد فيسعون لاستكمال الصورة بشراء  الإعتراف الاجتماعي  ومكونات الوجاهة الاجتماعية ، ولا بأس من شراء التاريخ. هم ظاهرة لا تعكس طفرة اقتصادية أو طفرة في إجمالي الناتج القومي في ظل تنافس تحكمه قواعد عادلة ولكن معظمهم  صنيعة ظروف معينة تتسم باختلال  أصول الأشياء و غياب العدالة الاجتماعية.

نجم من  هذه النجوم الجديدة التي سطعت مؤخرا وجد طريقه لشاشة محطة تلفزيونية فضائية فأعلن على الملأ  أنه شاعر ، فقال له مضيفه ، ويبدو أن العملية كلها كانت مرتبة بشكل جيد ومقنع للمشاهد في نفس الوقت، إن كتابة الشعر وليدة للمعاناة وأنه،أي النجم،  لديه من نعم الله عليه  ما يدرأ عنه المعاناة. رد النجم الثري بثقة شديدة إن المعاناة ليست متطلبا أساسيا في المبدع، ثم لم يجد في نفسه حرجا من أن يردف قائلا إن نزار قباني (نزار قباني حتة واحدة!!) كان يعيش حياة مترفة ولكنه رغم الترف كتب أجمل الشعر. لم أتابع بقية الحوار واكتفيت بذلك القدر لأني أعاني منذ سنوات  من مرض ارتفاع ضغط الدم وأعمل بقدر  بقدر الإمكان على تفادي مهيجاته ، وهي كثيرة لا تقتصر على  مكونات الطعام وحدها   ولكنها تتربص بك عند كل منعطف وتطالعك في الفضائيات.

ومن شاكلة هؤلاء الأثرياء خارج الحدود، أعرف ثريا آسيويا في مدينة خليجية جاء من بلاده ليشغل وظيفة عامل نظافة (هاوس كيبر) في شركة عملاقة   وانتهى به الأمر بعد سنوات ليتربع فوق  تلك الشركة ويحصد الملايين الظاهرة والخفية ويمتلك في بلاده الدور والقصور والأتباع  ويقضي إجازاته أينما شاء  ويلبس آخر ما تنتجه بيوت الأزياء العالمية ويركب أحدث "موديلات" السيارات ولكنه ظل قانعا بما أنجزه من  تغيير حاضره ولم يسع لتغيير تاريخه الإجتماعي أوالأكاديمي أو المهني ، ولم يحاول أن ينسب نفسه  في يوم من الأيام لفئة "الانتلجنتسيا" أو يدعي أنه شاعر أو كاتب أو مبدع أو عليم بشئون الاقتصاد أو السياسة أو الإدارة  وظل عارفا قدرة و قدر نفسه مثلما هو عارف لقدرة وقدر غيره، متصالحا مع ذاته ،مستوعبا لحقيقة الظروف التي صعدت به من عامل نظافة إلى "وجيه". لم  يهزمه النعيم ولم يسكره ، ولم يعرف عنه التعالي أو التباهي على الآخرين، خصوصا الذين عاصروا  بداياته، فلم يحسدوه على ما هو فيه، في الظاهر على الأقل. قال إمام المتقين،كرم الله وجهه، " الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل".

فلينعم هؤلاء بما هم فيه،اللهم لا حسد، وليشتري بعضهم  ما شاء ، فهذا زمانهم، قصيرا كان أم طويل، ولكن (بلاش حكاية نزار قباني دي).

قبل الختام:

قال حكيم هندي " إذا ما ارتدى الزور والمكر لباس التقوى ستقع أكبر  فاجعة في التاريخ".

عن عبد الله علقم

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً