هل فعلا قدمت أراضي بلادي قرابين للصين وغيرها من الدائنين؟ .. بقلم: المستشار/ عبد الحفيظ محمد عثمان – المحامي
12 مايو, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
37 زيارة
بقلم: المستشار/ عبد الحفيظ محمد عثمان – المحامي
نطالع هذه الأيام عواصف من الأقوال والمقالات والشعائعات والتوجسات حول قيام حكومة بلادي برهن أراضي سوداننا العزيز لعدد من الدول الخارجية مقابل او كضمان للقروض التي تحصل عليها الحكومة من تلك الحكومات. بل ذهبت الشائعات الى ان مشاريع السدود التي نشطت في الآونة الآخيرة ماهي الا حلقة في سلسلة إجراءات التنفيذ والإجهاز على تلك الاراضي بل تهئيتها للاغتصاب من قبل الدائنين بعد ان ارتضت الحكومة تقديمها مهراً لقروض ربوية طويلة كانت ام قصيرة المدى.
وايا كانت الحقيقة وايا كانت الملابسات، فان القضية يثير العديد من المسائل السياسية والقانونية، الأمر الذي يتطلب من الجميع التداعي للوقوف مع وطني في محنته، التي تجاوزت الفقر والافقار المنظم والعوز والفساد والافساد، والذي اعتمل جميع مناحي الحياة سواء الاجتماعية او الاقتصادية او حتى الدينية منها.
وقبل الولوج في ثنايا الموضوع، ينبغي علينا التأكيد بأن عمليات تقديم الرهونات مقابل القروض تعد من المسائل الدارجة في الاعمال التجارية والتصرفات القانونية، وهي وسيلة مشروعة لضمان حصول اصحاب المشاريع على التمويلات اللازمة لتنفيذ تلك المشاريع التي تفوق رساميلها الامكانيات المالية للجهات المنفذة. وفي ذات الوقت تضمن جهات التمويل استرداد المبالغ المبذولة كقروض تدفع للجهات المقترضة. وفي هذا الصدد تجدر الاشارة الى الشروط القاسية التي عادة ما تتضمنها عقود التمويل، والتي اقل ما يمكن وصفها بأنها تعسفية، مما يجعل العديد من القانونيين يرفضونها ويقدمون حولها الكثير من الملاحظات، غير اصحاب الشركات يجدون انفسهم مضطرين الى قبول تلك الشروط ضاربين بعرض الحائط كافة التحذيرات والمحاذير التي تقدم لهم. ولا غرو ان وجدنا معظم من يعمرون السجون في بلادي هم ضحايا القروض المصرفية، الذين لا بواكي لهم، فقد قاموا بإبرام تلك العقود وقبلوا بشروطها المتعسفة وهم بكامل قواهم العقلية ودون إكراه، تدفعهم شهوة المال وتحفزهم مؤشرات عوائد الاستثمار، والتي قد تصدق في كثير من الدول المتقدمة اقتصادياً، أما في بلدي العزيز فهي اكذب من مسيلمة.
هذا بشان الشركات والمؤسسات الخاصة. أما على مستوى الدول، والتي هي الاخرى تحتاج للتمويل بصورة اكبر من الافراد وذلك لتنفيذ المشاريع الاقتصادية والخدمية العملاقة، كمشاريع الطاقة والطرق والتعليم والصحة وغيرها. فقد ابتدعت العديد من الدول أنماط مختلفة من طرق التمويل والتي ياتي على راسها عقود البوت بانواعها المختلفة، والتي من خلالها تقوم الدولة بمنح الشركات (المحلية او الدولية) امتياز مشروع معين، كما هو الحال بالنسبة لمشروع مترو الانفاق في مصر القريبة، حيث تقوم تلك الشركات بتنفيذ المشروع ومن ثم الاستفادة من العوائد التي يدرها المشروع طيلة مدة الامتياز والتي تمتد في العادة لسنوات أو لعقود.
بالطريقة اعلاه، تضمن الدول ملكيتها لاراضيها وعدم منح اي جهة الحق في ادعاء اي حقوق على عين تلك الاراضي، وكل ما يملك المستثمر هو حق استغلال تلك الاراضي بعد تنفيذ المشاريع المرغوبة عليها حسب المدة المتفق عليها. وفي هذا الصدد يحضرني مقال كنت اطلعت عليه في وقت سابق يشير الى ان إحدى شركات البترول العالمية كانت قد عرضت على حكومة السودان في السابق القيام برصف طريق الخرطوم بورتسودان مقابل استغلال المشروع تجارياً، غير أن العقلية السودانية في ذلك الوقت قد تفتقت وهماً بأن ذلك يعتبر بمثابة احتلال لاراضي السودان.
وعلى عكس مقولة ما اشبه الليلة بالبارحة، فاننا نقول ما أغير وما أبعد الليلة عن البارحة. فرجال سودان الامس يرفضون مشروعاً إقتصادياً كان بامكانه المحافظة على أرواح كثيرة أزهقت في شارع الخرطوم بورتسودان خوفاً من سرقة أراضي البلاد. أما رجال سودان اليوم فتجدهم مستعدون لتقديم كل أراضي السودان قرباناً لكرسي زائل ونعمة أمدها قصير مهما طال. وإلا كيف نقوم بالتنازل عن أراضي البلاد للصين او غيرها من الدول العربية او الغربية ضماناً لقروض؟ ولماذا يرهن مستقبل بلادي وأرضه للغير، مهما بلغ بنا من فقر ومسغبة؟ ألا توجد طرق أخرى يمكن من خلالها ضمان تلك القروض التي يجزم كل أبناء بلادي بأن معظمها قد ذهب الى جيوب القطط السمان، أو قل الى بطون التماسيح الكبار (بالطبع لم تعد هنالك قطط، فقد تحولت القطط الى تماسيح، وفي طريقها الى التحول الى ديناصورات!!!!!!!)؟
ان الامر لجد خطير، ويستوجب إفراد مساحات وإقامة الندوات والمنتديات للبحث فيه ومنحه ما يستحق من الاهمية. ولا يستغرب المرء تلك الغضبة العارمة التي اعتملت أبناء بلادي الحبيبة، وبخاصة طلاب الجامعات الذين انتفضوا معبرين عن رفضهم واستنكارهم مدافعين ومنافحين ومعترضين على فكرة تراب هذا البلد العزيز. ومن العجيب والغريب حقاً ان تستهدف السلطات أعز الأماكن واكثرها عراقة وأعلاها مكانة في قلوب السودانيين، الا وهي جامعة الخرطوم (الجميلة ومستحيلة)، بكل ما تملك هذه الجامعة من رمزية علمية وسياسة ونضالية.
لقد اضحى الواحد منا يشعر بأن هنالك العديد من المؤامرات التي تحاك ضد انسان هذه البلاد في خفاء وبمكر ودهاء، الامر الذي يخشى معه ان يصبح الشعب ذات يوم وقد علقت على ابواب منازله أوامر قضائية بالاخلاء الفوري لصالح الحكومة الفلانية او الدولة العلانية. ونجد انفسنا قد تم استعمارنا واستغلال موارد بلادنا بسبب رهن اراضيها بعد ان تم ارتهان قراراتها وسلب مقدراتها وتهجير وابعاد اعز ابنائها بسبب سياسة التمكين التي قضت على الاخضر واليابس.
ختاماً، فاننا نتعشم بأن يكون أمر بيع اراضي السودان أو رهنها مجرد اشاعات وأحاديث مجالس وأوهام، وأن يحفظ الله البلاد والعباد من كيد الكائدين، وان يلهم هذه الامة امراً رشداً.
othman@shomoul.com.sa