هَرْدَبِيْل- أبْ لِحَايّة، قصصٌ مِنْ التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ الثَالِثَةُ والثَلَاثُوُنْ .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد.
6 مارس, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
42 زيارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
– (هَرْدَبِيْل… يا هَرْدَبِيْل
يا شِدِيْرْةَ المقيلْ
بعدين وكت العرب تشيل
نجي ناكلك).
كَانَ (دَيُّوُمْ)، الغُوُل، يترصَّدُ (هَرْدَبِيْل) في البَحَرْ، وينتظرُ مجيئَها، يوميَّاً، ليختطفها مِنْ القِيْفْ.
ولكن، ولأن والدها كان رجلٌ متدينٌ، وفقير، فقد صَنَعَ لها حِجَاباً كَانَ من بين وظائفه حماية (هَرْدَبِيْلٍ) من كلِّ شر، بما في ذلك: شُرُور (دَيُّوُمْ الغُوُل) …
ولمّا عجز (ديومٌ) عن اختطافها، تنكر في شكلِ رجلٍ غريب، وقصد خَلوَة أبيها، بعد أن حفظ قدراً من القرآن، وأظهر لوالدها سيرةً طيبةً، وسمى نفسه (عَبْد القَيُّوُمْ)، فأطمأن الناسُ له، وعندما تيقن من ثقتهم فيه، طلب يد (هَرْدَبِيْل)، ووافق أبوها على طلبه، بلا تردد!
لقد كَانَ من الغريب تزويج (هَرْدَبِيْل) من رجلٍ غريب، دون أن يحضر أهله في خطبتها، ولا في زواجها، ولكن صفاتِ الرجل، ووسامته، وثراءه الفاحش شفعت له، ومكنته من الزواج بهَرْدَبِيْل، ذات الحُسنِ، والجَمَالِ، والحسبِ، والنسب…
وبعد إتمام مراسم الزواج، ركِبت الجِمَال مع زوجها، وانطلقا لترحل (هَرْدَبِيْل) إلى بيتها الجديد.
وفي الطريق، رأت (هَرْدَبِيْلٌ) طيرتين، فقالت لعبد القيوم:
– الطِّيْرتِين دِيْل، عَجَبَنِّي!
فما كَانَ منه إلا أن استل ذيله، وقبض، لأجلها، على الطيرتين.
ثم طلبت منه الكَعَنْكُوْل من هشابة عالية صادفتهما في الطريق، فاستل ذيله، مرةً أخرة، وأحضر لها الكَعَنْكُوْل.
فأيقنت (هَرْدَبِيْل)، حينئذٍ، إن عبد القيوم زوجها إنما هو: (غُوُل!)، فاعتراها الخوف، وتملكها الحزن، وصارت تندب حظها، ولكن، زمن التَّراجُع كَانَ قد فات.
وصنع لها (عبد القيوم) راكُوبةً صغيرةً من الحطبِ، والحصير، بجوار مجموعة من العَرَب الرُّحل، وكَانَ، في كلِّ ليلٍ يُخيفها، ويتوعَّدَها بقوله:
– هَرْدَبِيْل… يا هَرْدَبِيْل!
يا شِدِيْرْةَ المقيلْ،
بعدين وكت العرب تشيل…
نجي ناكلك!
ولم تكن هردبيل تخرج من راكوبتها في زيارة جيرانها العرب الرحل، لأن زوجها الغُوُل حذرها من ذلك تحذيراً مغلظاً.
واحتار الجيرانُ في أمرها، وظنُّوا أنها مَجْنُوُنَة، وقرَّر شابٌ، شجاعٌ، من شبابِ العرب الرُّحَّل اقتحام عالمها، وزيارتها في الرَّاكُوبَة، لمعرفة ما هي هويتها؟ وما بها؟
ولكنه، كَانَ كلما اقترب من راكوبتها، رشقته بالحجارة، وكتحته بالتراب، وهي تريد أن تحمي الزائر الغريب من زوجها الغُوُل.
أمّا الزائر ، فقد تيقن أن هربيل مَجْنُوُنَة، ليس في ذلك أدنى شك، ولكن ما أن وصل إلى الراكوبة، حتى أخبرته بأن زوجها سحّار، وقالت له:
– سيأكلني، حسب وعيده لي، ومتى ما رَحَل حيرانُنا العرب الرُّحَّل من جوارنا… وهو يهددني، يوميًّا، بذلك…وأنه يمنعني الخروج من الراكوبة، ويعيقني من التواصل معهم بتحذيراته الغليظة التي يطلقها في كل لحظة.
فوعدها (الشابُ العَرَبِي) بأنه سينقذها، وطلب منها، تحضير حاجياتها للهرب معه، في صباح الغد.
وأتى الشابُ العَرَبِي في موعده في الصباح، هربت معه (هَرْدَبِيْل).
وعندما حَلَّ المساء وعاد الغُوُلُ إلى الراكوبة، لم يجد هردبيل، وبحثَ عنها في كلِّ مكان، وأكتشف أخيراً أنها هربت.
ومن فوره قرر أن يقتفي أثرها، وبعد زمن نحج في أن يقبض على هردبيل والشاب العربي، أو كاد.
وعندما اقترب منهما استل الشابُ العَرَبِي سيفَهُ، وبدأت مبارزةٌ طاحنةٌ وقتالٌ ضروسٌ بين الشَّابِ العَرَبِي، والغُوُل.
وعندما بَلغَ الإرهاقُ بالشابِ العَرَبِي أشده، تمكن من قطع رأس الغُوُل بالسيف، فإذا برأسٍ ثانٍ ينبتُ مكَانَ الرأسِ الأوَّل.
وقال الغُولُ، وهو يضحك من الشابِ العَرَبِي، قائلاً لهُ:
– أنا لديَّ سبعة رُؤُوُس.
وهكذا فقد اكتشف الشابُ العَرَبِي، أنه لن يستطيع التغلُّب على الغُوُل وحدهُ، ولذلك فأنه عندما قطع رأس الغول الثاني، وقبل أن ينبتُ الرأسُ الثالث، سارَعَ في إركاب (هَرْدَبِيْل) فوق ظهر الجمل، وطلب منها الانطلاق إلى القَرْيَة، التي كَانَت قاب قوسين، أو أدنى…
وانطلقت (هَرْدَبِيْل) بسرعة فائقة، وهي تأملُ أن تعود له بالنجدة.
واستمر الشابُ في حصدِ رُؤُوسِ الغُوُل.
وسرعان ما عادت (هَرْدَبِيْل)، ومعها النجدة، إذ خفَّ أهلُ القَرْيَة، جميعهم لمناصرةِ، الشابِ العَرَبِي، وعقدُوا العزم على قتالِ الغُوُل.
وأخيراً، انتصرُوا على الغُوُل، الذي فَضَّل أن يهرُب بما تبقى له من رؤوس.
وفي تلك اللحظات الرهيبة أُغمى على (هَرْدَبِيْل)، فظن النَّاسُ أنَّ الشابَ العَرَبِي هو الغُوُل، وهو الذي اختطف (هَرْدَبِيْل) من زوجها عبد القَيُّوُمْ، فاوسعُوهُ ضَرباً، ولم يتوقفوا من ضربهِ إلى أن فاقت (هَرْدَبِيْل) بعدَ ثلاثةِ أيّام من قراءةِ القُرآن على رأسِهَا، فأبانت لهم الحقائق، وشهدت ببراءة الشاب العربي.
فاعتذروا أهلُ البلد من الشَّابِ العَرَبِي، وأكرموه.
وبعد زمنٍ وجيزٍ، تم تزويجُ الشاب العَرَبِي على (هَرْدَبِيْل)، تلبيه لرغبتهما المشتركة، وفرحت بهما القَرْيَة، وعاشا فيها، ما تبقَّى لهُما من عُمر.
أمَّا (دَيُّوُمْ)، فقد، رجع مرّةً أُخرى، للقيف، منتظراً فُرصةً ثانيةً، لن تأتي، للقبضِ على (هَرْدَبِيْل)، لأن أبيها صنع لها حجبات مُماثلةً لحجباتها الأولى.
ثم يسمع الناسُ إنَّ (دَيُّوُممٌ) قد اختطف عروساً من البحر.
ثم اختطف اثنتين من النساء النُفساوات، كُنَّ بنات خالات، يقربن لبعضهن بعضاً.
ثم اختطف ولداً كَانَ قد حل ضيفاً على القَرْيَة.
وسكن (دَيُّوُمْ) في الجزيرةِ المقابلةِ للقرية، في عرض النهر، ومع ذلك اكتفي بالظهور في القِيْفْ، ليلاً فقط.
وشاهده كثيرٌ من أهلِ القَرْيَة، بالذات الرواويس ، وسائقو السواقي فَجْرَوِاي، وكلُّهم، تقريباً، سمعُوا أهازيجه، التي يقُولُ فيها:
– أنا دَيُّوُمْ أخوك يا أم كيف
وُخَتَّيِتْ رَاسِيْ فوق القِيْفْ
وشلتا أم قرقد العليف
أنا دَيُّوُمْ أخو السمحات
خَتَّيِتْ رَاسِيْ في السارات
وشلت النُفّس الجارات
والاثنين بنات خالات
أنا دَيُّوُمْ أخوك يا أم كيف
وشلتا لي وليداً ضيف
ويا ربي أمو تعمل كيف!
amsidahmed@outlook.com