وبائياتُ قُرادِ العَرِيْن- مقتطف من كتابي ريحة الموج والنوارس- يصدر عن دار عزة.

 

قبل فترة حُكم سلالةِ الأُسُوُد الهازِلة، المنتهية بحكم اللَّبْؤَة الراهن، كَانَ القُرَادُ فصيلةً نادرة الوجود في الغابة، وغالباً ما تكُون ملتصقةٌ بأجساد الحيوانات الضَّالة، إن وجدت عيناتٌ منها، وكان يتم التخلص منها بالتخلص من الحيوان الضال ذات نفسه، أو بحملاتِ رشٍ للمبيدات، والجمكسين، التى كَانَت تنفذها وزارة الصحة، في غابة السعد، بينَ الفينةِ والأخرى، ولكن، بشكلٍ دوريٍ، وراتب!

ولكن ترعرعت فصائل من القراد، في العرين، وتطفلت على من شايعوه،، ووجدت لا تضاهي في مص دم كلابه الكالبة، لثقل ذلك الدم من ناحية، ووفرته من الناحية المقابلة، وبالتالي صلاحيته كغذاءٍ، لا مثيل له للقراد بأطيافه.
ثم انتقل قُراد العرين، بالإحتكاك، أثناء طلعات الصيد، انتقل من الكلاب اللاهثة إلى فصائلٍ أخرى، قبل أن يسيطر، على حين غرة، على عددٍ هائلٍ من أجساد الحيوانات، يمصُّ دمَها من تحت الوبر، والشعر، والصوف.
واستفردت فصائلٌ منه، كالهيْم، مثلاً، بالطيور، والدواجن، وبعض الفصائل من الحيوانات المُجنحة، فانتفخت القرادات من حيث الحجم، وأصابتها التخمة، وصارت تطرشق لوحدها، قبل أن يتاح لها التبرع بالدم في بنوك العرين، حيث تحافظ، على الأقل، بموجب التقليل من حجم دم الحيوانات الذي ينفخها، على حياتها، وتضمن فرصتها في الوجود والنمُو، والتكاثر.
وأصابت أجسادَ الحيواناتِ حالاتٌ غير معرَّفة، طبيَّاً، من النحول، والضمورِ، والهُزال، وحارت في أمرها ضفادع الهيئات الطبية بالعرين، وعانت تلك الحيوانات من الأمراض المنقولة بواسطة القُراد، ومنها أمراضٌ هجين، لم تستثني أحداً من حيوانات الغابة.
وتكاثر الذبابُ، والبعوضُ بسبب القذارة، والإتساخ العام بغابة النحس، والذى حل محل النظافة، وأنشطة تجميل المرافق، أيّام السعد.
وباتت الملاريا، والتايفود، وحمى الوادي المتصدع، وذلك الذي ترمم، وما لف لفهم على قفا من يشيل في (قائمة أمراض)، غابة السعد (سابقاً)، التي عشش في ثناياها النحسُ والخراب.
وحكى حكماءُ الغابة، عن النظافة، والقيافة، واللطافة التي كَانَت عليها الغابة أيّام السعد، ولكن، كَانَت أجيال الحيوانات الجديدة بين مُصدقٍ لما ترى، ومُكذبٍ لما تسمع، وأعتبرت إن كلامَ الحُكماءِ نوعٌ من الحُجى، وضربٌ من ضُرُوب الخيال، ووحالة من حالات الوجد والتمنِّي.
وفي عشيَّة يومٍ مشهودٍ من أيّام موسم السعد في الغابة، كَانَ سبتاً، صدحت فصائلُ الحيوانات:
– والله نِحنَ مع الطيور
الما بتعرف ليها خرطة
ولا في إيدا جواز سفر
وتعالت نبراتها جميعا، وبكل الأصوات، من الصياح، إلى الصهيل، إلى النهيق.
ومالت غُصُون البان طرب، وسرور، واهتزَّت فروع النيم، وارتعشت كلَّ الوُرود عشيَّة السبتِ.
ولقد كَانَ ذلك إستفتاءً، عفوياً، كاد أن يُطيح بالنشيد الوطني للغابة، اذ وحَّد كائنات الغابة وجدانيَّاً، وآلف بينها، ودشَّن جوقتها.
وما أن دانت السلطة لجنس اللَّبْؤَة، حتى دمَّرت، أوَّل ما دمرت، الجوقة الموسيقيّة، وجفتت المعهد العالي للموسيقى والمسرح، بالغابة التي تحولت إلى النحس.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً