آفاق رحبة
ما زلت أواصل الحديث عن صلاة التراويح، باعتبارها شعاراً مهماً من شعارات شهر رمضان المعظم، وأنها الصلاة التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بأيام صوم رمضان. وأحسبُ أنه من الضروري أن نعالج في هذه العُجالة بعض الجوانب المهمة المتعلقة بهذه الصلاة الموسمية، تكملةً لما بدأناه من قبل، بدءاً بوقتها، فهي الصلوات التي تؤدى من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر. وفعلها في آخر الليل أفضل من فعلها في أوله لمن تيسر لهم، واتفقوا عليه، لقول عمر رضي الله عنه: “والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون”. وعدد ركعاتها إحدى عشرة ركعة، وهو ما واظب عليه صلى الله عليه وسلم، كما صح عن عائشة رضى الله عنها، وقد سُئلت: كَيْفَ كَانَتْ صَلاَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي رَمَضَانَ؟ فقالت: “مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلاَ فِي غَيْرِهِ، عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا”.
وإن كان الأمر فيه سعةٌ، وقد أحصى الحافظ ابن حجر – يرحمه الله – في الفتح الأقوال في ذلك مع ذكر الأدلة، وهي: 1- إحدى عشرة ركعة مع الوتر بثلاث ركعات. 2- ثلاث عشرة ركعة مع الوتر بثلاث ركعات. 3- إحدى وعشرون ركعة مع الوتر بثلاث ركعات. 4- ثلاث وعشرون ركعة مع الوتر بثلاث ركعات. 5- تسع وثلاثون ركعة مع الوتر بثلاث ركعات. 6- إحدى وأربعون ركعة مع الوتر بثلاث ركعات. 7- تسع وأربعون ركعة مع الوتر بثلاث ركعات. هذه هي الأقوال في عدد ركعاتها، ولكن لم يصح حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدد ركعات صلاة التراويح إلا حديث عائشة: “إحدى عشرة ركعة”، وما رُوى عن ابن عباس رضى الله عنه: “كان الرسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر”، فإسناده ضعيف، كما قال الحافظ ابن حجر. والأعداد الأخرى سوى الإحدى عشرة أُثرت عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم دين، والقاعدة عندهم في ذلك أنهم كانوا إذا أطالوا القراءة قللوا عدد الركعات، وإذا خففوا القراءة زادوا في عدد الركعات.
أخلصُ إلى أنه أصح وأفضل شيء أن يقام رمضان بإحدى عشرة ركعة، مع إطالة القراءة، ولا حرج على من قام بأكثر من ذلك. ويلحظ أن بعض الأئمة يطيلون ظناً منهم أن ذلك من السنة، بينما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أمّ الناس فليخفف، فهذا استدلال مع الفارق، والفارق الكبير، حيث قال صلى الله عليه وسلم ذلك لمعاذ بن جبل رضى الله عنه عندما قرأ في الركعة الأولى في صلاة العشاء بالبقرة كلها، وفي الثانية بما يناصف البقرة، وحذار أن يحتج المأموم على إمامه بشيء من الشطط والاعتساف، ولكن لا حرج أن يجادله بالحُسنى في مسألة الإطالة والتخفيف. واستحب أهل العلم أن يُختم القرآن في قيام رمضان، ليشرع الناس في ختم كل القرآن في شهر القرآن، وكره البعض الزيادة على ذلك، إلا إذا تواطأ جماعة على ذلك فلا بأس به.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم