وداعاً “ياعظيم”! بشير عباس: قصة”مدينتين”: سان كاثرينز وهاملتون

دريج/ هاملتون
لا يفتأ بشير عباس يخاطب مجالسيه بـ” يا عظيم” و هو خطاب لو تعلمون عظيم خاصة و هو يأتي حميما و صادقا من ايقونة فنية عظيمة (It is incredible that someone so unforgettable thinks I am unforgettable too!). بإختصار شديد كان هذا هو بشير عباس الذي أطربت الحانه المتميزة و الغنية جيلاً بعد جيل.
لقد إلتقيتُ بشير عباس لأول مرة في منزل الاخ و الصديق عادل بانقا بمدينة هاملتون هذه المدينة العمالية الفريدة المُلقبة بـ”الشاكوش”. ومنزل الصديق عادل بانقا مفتوحا قلبه للكل من شتى مضارب الارض. كان بشير عباس ودودا و بشوشا و مستمعاً جيداً، و لا غرابة فكل هذه الخُصل هي المعاول الضرورية لفنان يخلق اللحن و يتعامل مع عالمه_ اللحن_ الرقيق و الدقيق. بعد ذلك توالت لقاءآتُنا في كل يوم سبت في “دار البانّقا” حيث كان الكثيرون يحرصون على حضوره وأذكر منهم على سبيل المثال و ليس الحصر: الدكتور الواثق كمير، الاستاذ حسين عوض، الدكتور عاصم نمر، الاخ وليد الرياض، الفنان بشير إسماعيل، حامد العرضي، عادل الباوقة، و من مدينة سان كاثرينز كان يأتي الاستاذ بشير عباس في معية الصديق مجدي الطيب و رفقة يوسف أمين، إلخ . هؤلاء كانوا عصب “حضرة” السبت من كل أسبوع، و بالإضافة إلى ذلك فهناك أيضا رُتلا آخرمن الاصدقاء الذين يطلون من وقت لأخر حيث يأتون حجيجا موسمياً من أرجاء ولاية أنتاريو و من مدنها و بلدياتها اللادنة حيث يلتقي كل هؤلاء في معية الفنان الموسيقار بشير عباس، جوهرة الحضرة. و كان بشير عباس لا يأتي إلى حضرة السبت خاوي اليدين ابداً: بل كان يأتي محملا بأطايب من الاطعمة البلدية النادرة في هذه البلاد: كوارع، عكو، رجلة، فول مُظبّط، إلخ التي كان يحرص ويصر على رفدنا بها بشكل راتب. و أذكر من الطرائف التى كنت أنا طرف فيها هو بأني قد ذكرت لبشير عباس عن أني أصبحت نباتياً صرفاً (Vegan) فما كان منه إلا أن رمقني بنظرة فيها دهشة و كذلك فيها الكثير من العتاب ثم خاطبنى ” ليه يا دريج! ليه بتعاقب روحك!” ضحكنا. مرت الايام و في ذات مرة دعانا إلى وليمة غذاء في منزلهم العامر بمدينة الثغر “سان كاثرين” و كما هو متوقع كانت السُفرة مكتظة بكل ما تشتهيه الأنفس من انواع الطعام المتنوعة و المثيرة و عندما جلس الكل حول طاولة الطعام اشار بشير إلى صحن متطرف محذرا الجميع: “صينية السمك ديك مخصوصة لدريج عشان هو ما بيأكل لحمة معانا”: إنفجر الكل بضحك تخلل صداءه تفاصيل تلك الامسية الحميمة و الخالدة.
كان بشيرعباس لا يكُف يسترسل في ذكريات ألحانه التالدة مُسهباً في ذكر المناسبات الخاصة بها وكانت تلك أيضاً تُشمل تفاصيل رحلاته الفنية داخل و خارج السودان و لا ينسى في هذه الأثناء أن يذكر بالخير كل الذين سهاموا معه أو تعاونوا معه في رحلته الفنية أُفقياً كان ذلك أم رأسياً. و كان كذلك يتمتع بذاكرة حديدية صلبة تحتفظ بتفاصيل دقيقة عن الفن و أهله.
نعم ستفقدُك مدينتا سان كاثرينز وهاملتون فقداً حزيناً و مؤلم.
نم في سلام أبدي في سطوة لحن الكون الفسيح و الخالد!
دريج/ هاملتون
27/1/2022

zalingy@gmail.com
//////////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً