ورقة ناصية .. بقلم: حسام عامر جمال الدين

لا أدري من أين يتأتى لموظفي مكتب والي الخرطوم كل ذلك الجبروت و السطوة رغم أن وظيفة الوالي تأتي في التراتيبية -على قول الهندي- خلف كثير من المواقع الدستورية ، و أغلب الظن بأن جاءتهم السطوة تجرجر أذيالها لأنها ولاية (لحم راس) و ليس لها أهل بلد محددين يدافعون عنها في وجه الفساد و التجاوزات
في الفترة الأخيرة ظهرت في عالم التجاوزات ظاهرة الفساد الذي إرتبط بالأراضي من حيث الحيازة و التسجيل بكل الطرق الملتوية و لكل لص طريقته في السرقة و لكن الذي لفت نظري بأن هنالك بعض اللصوص يستخدمون أوراق صادرة من مكتب الوالي و بواسطتها يتم التجاوز ، و هنا ﻻ أريد أن اتحدث عن كيف خرجت هذه الورقة من مكتب الوالي فالفساد ليس له حدود ولا تقوى الإدارات الحكومية حتى و لو كان الوالي بجلال هيبته في أن يوقف مده و من الممكن أن يقوم أي لص مبتدئ بطباعة ورق مروس لمكتب أي وزير أو والي أو حتى ورق يحمل ترويسة رئاسة الجمهورية و لكن كيف تملك هذه الورقة قوة السحر و تسطيع أن تحيل المستحيل إلى ممكن ، إن كانت مصلحة الأراضي أو التخطيط العمراني أو أي من دواوين الحكومة تعمل وفق القوانين و لوائح تنظم الإجراءات لما حدثت مثل تلك الجرائم و التي يتضح بأن المتهم الأول فيها هو تسيب الموظف العام بعدم إلتزامه بالضوابط و تعامله وفق نظام يعتمد بشكل كامل على المحسوبية و إلا ما هي قيمة (ورقة) من والي أو حتى من رئيس طالما هنالك لائحة تطبق بصرامة في منح الأراضي و التي هي ملك للدولة و ليس للوالي ، و لكن يبدو بأن السادة الولاة قد درجوا على إرسال بعض المواطنين من اهل الحظوة بمثل تلك الورقات السحرية (والتي تجعل الحزن سهلاً) إلى الإدارات الحكومية و هذا في حد ذاته تجاوز ، فإن كان الولاة يملكون صلاحية توجيه إداراتهم إﻻ أن هذا التوجيه ﻻ ينبغي له أن يتجاوز اللوائح و الإجراءات السليمة حتى ﻻ يكون هنالك تمييز بين الناس و في ذلك إهدار للحق الدستوري الذي يحظر التمييز بين المواطنين ، حيث أن السادة الولاة غير متاحين إلا لعدد قليل من الناس و هذا أمر مقبول بطبيعة الحال .
ولأن ورق السيد الوالي يبدو أنه صار (مكشوف) فلماذا يجهد (الحرامي) نفسه في القيام بعملية سرقة مرهقة و غير مأمونة العواقب طالما هنالك وسيلة للسطو على قطع الأراضي (النواصي) مهملة على قارعة الدواويين الحكومية لا تكلف الراغب فيها إلا تزوير في ورقة واحدة لها فعل السحر في قرار الموظفين .
و أنا هنا لا أرمي اللوم على السيد الحرامي و الذي أدى مهمته على الوجه الأكمل و لكني أصب جام غضبي و أشير بكل أصابع إتهامي لذلك الموظف العام الذي مكن ذلك اللص من الأراضي لأنه يحمل ورقة من الوالي و هنا ﻻ تهم إن كانت الورقة مزيفة أم هي سليمة لأن الأمر سيان و جريمة ذلك اللص ﻻ تتجاوز تزييف تلك الورقة فقط ، و لكن جرم الموظف العام هو تمكين شخص من حق عام دون وجه حق و تمييز ذلك المواطن عن الآخرين لأنه من طرف الوالي و تلك لعمري جريمة أشنع من التزوير ومن المفترض أن تكون عقوبتها أشد تنكيل و ان ﻻ تقتصر على الاصلاح فقط ، لأن الجرم هنا و بتكرار حدوثه صار داء يكبل الخدمة المدنية و يقعد بها تماماً و أهل الحظوة في يد كل منهم ورقة ستتحول في لمح البصر الى قطعة ناصية .

husamamir@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً