وفي نفسه شئ من حتي: (علي هامش حوارات قناة الجزيرة) .. بقلم: تاج السر الملك
24 أبريل, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
28 زيارة
لم يكن لي أن أخوض في سيرة الراحل السيد (حسن الترابي)، لو لا سماعي بخبر حوارات الحلقات التلفزيونية الجزيرية ، والتي زُعم بأن الراحل أمر بحفظها حتى ساعة رحيله، لم أتوقع بالقطع أن يكون الأمر على عظم وصية المفكر العراقي معروف الرصافي، والذي اوصي بنشر كتابه بعد خمسين سنة من وفاته، ولا بخطورة اعترافات عصبة نورمبرغ، ولكن فضولي الح علي بالسؤال، ما الذي يود السيد حسن قوله أخيراً؟
ومهما كان أمر وخطورة الحلقات، فإنني وتحت سطوة قناعة شخصية، فقد قررت الا ازعج حالي وحال عيالي بتحويل القناة من موقعها درجة، لسماع شهادة عصر اعلم سلفاً، أن من سيدلي بها، وبرغم من درجاته العلمية، وزعمهم بتفقهه وسعة علمه، واحد من اسوأ المتحدثين في الحوارات او اللقاءات، في كل الذين اتيحت لي الفرصة سماعهم من مفكرين وكتاب وسياسيين سودانيين، من أعلى المستويات إلى أدناها، ولعل مرجع ذلك في راي الشخصي يعود إلى أحد أمرين، إما أن الرجل يعتمد علي سليقة حاضرة تجعل افكارة تتدافع بسرعة أكبر من قدرة لسانه على ترجمتها، أو إعتماده على سليقة وموهبة في الحديث منعدمتين أصلاً، وفي كل الاحوال، فالمحصلة لا كما يقول التعبير الشعبي، دخلنا بخوجلي وخرجنا بحمد، ولكن دخلنا بخوجلي وتقطعت بنا الأسباب هناك.
وعنّ لي التأمل في في أمر المسمى المفكر، فقال عقلي بأنه ولربما كان عيياً، والعيي في اللغة العاجز في نطقه، ولا اتفق مع القاموس بشأن قصور العقل، فقد كان السادات عيياً، ولكنه فتك بمن فتك دون أن يقصر عقله عن تحديد ضحاياه، وكذا دأب مفكرنا، قلت لنفسي، لعل الأمر متعلق برواسب ناشئة من مناضلته المليئة بالريب، وكان أول ما اتانا من غيث الفكر، أن الرجل أكثر سياسي سوداني على امتداد التاريخ، تعرض إلى النبش المسئ، فكان كمن حمته حلة من الرصاص تتثلم دونها سهام خصومه، فيعود بابتسامته التي ليست صدقة في وجه أخيه بالقطع، ولم تزده الحادثات إلا عناداً.
وتأملنا فأدعينا بأن للسيد حسن فهم آخر لمفهوم الوطن، غير الذي نعرفه جميعاً، والذي هو عزة في هواك، وأنا امدرمان، والذي نطير في سماه الممدود والذي هو شين ودشن، والذي نعود في المغيرب لدياره ما حد يشوفنا لا نشوفو… الي آخر ما يقول الشعراء. فما صادفنا في حديثة، شجن فارق لقدلة وهو حاف حالق، ومن العجائب أنه لم يدلل ولو للحظة، على ارتباطه بهذه الأمة، ولو من باب النصاحة والذكاء السياسي، فإننا وطوال فترة تواجده على مسرح الحياة السودانية، فإننا – عفواً لا اعمم- لا نذكر مناسبة تناول فيها السيد حسن بالنقد والتحليل والمناقشة، همومنا الحياتية كشعب متفرد، لا تحدث عن التراث مرة، لا الفن ولا الادب السوداني، كان رجلاً مصنوعاً من هتاف، ماعناه أمر مصطفي سيد أحمد وسيد خليفة ومحمد وردي، ولا شعر صلاح والنور والمجذوب، لم يعنه تراث السودان التشكيلي ورقصه الشعبي المتعدد الإيقاعات، ولا طنابيره التي ترن تروي الحكاوي، لا زرعه لا ضرعه ولا حتى اندفاق نيله العظيم وسماءه المزينة بالنجوم، وما رعى اصول الرحمة حين ارسل الشيخ السبعيني إلى حبل المشنقة. ولعل هذا الفارق العظيم بينه وبين مفكري وساسة السودان المعاصرين، هو أس ما اصاب حديثه بطاعون الملل والخواء، فأتت كل أحاديثه كنذر شؤم أصاب جلها.
ولعل من أسوأ أحاديثه طراً، حديث الجعلي والغرباوية، والذي يعف عن ذكره بسطاء القوم قبل علمائهم ومرشديهم، وزاد من ثقل الرزية، صياح الحاضرين من أتباعه بكلمات التهليل والتكبير، ما أشبه المشهد باسبارطة. وللترابي عظمة في لسانه تمنعه من قول الحق إلا ما جانبه، وتمنعه من قدرة السرد السليم، ، حيث يظل يقفز المقدمات ويأتي النتائج منقوصة، فيحول الحوادث إلي جلد ذو خروق، ينفذمنه الماء والضوء، لا يصلح ماده موضوع إنشاء إبتدائي، ولعل حديثه حول حادثة محاولة إغتيال الرئيس المصري السابق حسني مبارك، أنصع الأدلة على ما نقول، رحم الله الفنان خوجلي عثمان.
ثم أتت إلى الوجود حين ظننا أن الأمر قد قضي، أخبار الحلقات الموصي ببثها في قناة الجزيرة المثيرة، فقلنا وتالله أنه لاحدود للنرجسية في زماننا، نرجسية فاقت نرجسية السيد نرسيس في مظانه، لا يزال يصر على أن ينبع مثل الظل في أثيرنا، وأن يجمع ما تبقى من أهتمامنا من بعد أن (صلينا واستغفرنا وانبنا من بعد بكاء حار) كما اشعر صلاح أحمد ابراهيم، في قصيدة دوريان قراي والذي تقول الاسطورة بانه منح الوسامة، واستبانت افعاله غير الوسيمة في وجهه، فصار مسخاً!
ولعلنا نسبق الاحداث بكتابتنا قبل أن تنجلي غبرة القوادم، ولكنا والحق الحق نقول لكم، لا تحلمو بعالم سعيد، وانه لن تكون هناك وصية في الحلقة الاخيرة تبشركم بقول (القروش الخليتا ليكم مدفونة في تيبار قصاد بنطون رفاعة..اتبسطو). ولكننا نتوقع أن نسمع ولو ضمناً، جملة واحده، تعبر عن رغبة عمل كل حياته لتحقيقها، فما اصابها حتي عندما كانت ادني اليه من (ود امه البعيد)
(ليتني وصلت إلى رتبة رئيس السودان ولو ليوم واحد أغبر).
ولعل هذه الرغبة تقف شاهداً يفسر ولع الرجل بتقويض أي نظام منذ الاستقلال وحتي إخر لحظة، لا نغمط حقه في المناضلة، إن لم تكن من أجل صناع وزراع وبسطاء السودان، فهي على الاقل من أجل السلطة وحظوة الإنتباه.
وبعد
ندعو له بالرحمة.
tajmultimedia@gmail.com