وكذلك أبي عزالدين مع الفارق: الإعلام الرئاسي … محك الإختبار .. بقلم: محفوظ عابدين


لم يكن أصيل الخميس وماسبقه من ساعات ،مر دون ان يكون للوسائط خبرا تتناقله من المبنى العتيق قبالة النيل الازرق ، والذي كان مقرا للحاكم العام الانجليزي واصبح من بعد ذلك مقرا للحكام الوطنيين الذي تعاقبوا عليه خلال فترة الستين عاما منذ الاستقلال وحتى الان .
لم تكن الوسائط تحتفل بالاخبار الا ما كان منها جديدا اومثيرا او غريبا منذ العصر القديم وحتى العصر الحديث الذي نعيش فيه والذي اصبح فيه المواطن منتجا للخبر ولم يعد ينتظر وكالة انباء او فضائية لتبث له خبرا عاجلا ، وقد يكون الخبر بعيدا ويتنقل بين هواتف الناس لتلتقطه بعد ذلك وكالة أنباء ،او فضائية، او محطة اذاعية ،او صحيفة لتبني عليه خبرا مخدوما بخلفيات او معلومات جديدة ،حتى يمكن ان تقدمه بصورة مقبوله ويخرج من دائرة انه خبر قديم، او طرق الأذان من قبل ،او قل العيون في ظل انتشار الهواتف الذكية ، وبالتالي لم تعد مؤسسات الاعلام الرسمية التي يعتمد عليها كمصادر للاخبار لم تعد بذات القوة في الاحتكام اليها وان كانت لا تزال ترفل في ثوب المصداقية في القليل الذي تقدمه في هذا الكم الهائل من الاخبار الذي يتنجه المواطن يوميا ويبثه على مدى واسع من الكرة الارضية ، متفوقا على تلك المؤسسات ذات التاريخ العريق في إنتاج الاخبار وبثها وذكرها كمصدر لايتثرب الشك فيما تبث من اخبار ومعلومات .
صغت هذه المقدمة وانا اتابع في كل يوم الاخبار الواردة من القصر الجمهوري ، دون ان تمر بالوسائط الاعلامية الرسمية المعروفة لمصادر الاخبار مثل وكالة السودان للانباء او الاذاعة السودانية او التلفزيون القومي ، او بعض الصحف المقربة او ذات المصادر العليمة والمقربة من القصر الجمهوري ،وباتت الاخبار التي يجب ان تكون صادرة من المؤسسسة الرئاسية عبر تلك الوسائط التي ذكرناه ، باتت تخرج من غيرها ويصبح تداولها مشاعا بين الناس عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون ان تمر على وسائل الاعلام الرسمية والمعروفة بمهنيتها ومصداقيتها ،ولايحتاج التأكد مما تبث من اخبار او معلومات ، ولكن للأسف الشديد ، يحدث هذا الامر من مؤسسة كان يجب ان تكون هي القدوة في التعامل او في أدارة ، أمر مهم مثل الإعلام والمعروف بخطورته وفاعليته ، وانه سلاح ذو حدين ، ويجب التعامل معه بمهنية لا تتضرر منه الجهة المعنية من حده الثاني او السلبي او غير الايجابي ، وبالتالي يكون أمر المعالجة فيه شيء من الصعوبة ، ولابد من إعمال مبدأ (ان الوقاية خير من العلاج) ، لان العلاج يعني ان الضرر قد حصل وان المرض قد وقع وان العلاج مهماخفف من الألم او الضرر فان دائما ما يترك أثرا وبالتالي كانت نصحية أهل التجربة ان (الوقاية غير من العلاج).
ومن خلال متابعة هذا الامر ، ان خبر إعفاء والي نهر النيل السابق الاستاذ محمد حامد البلة من موقعه كانت مصادره مواقع التواصل الاجتماعي ، وحتي كيفية الاستدعاء والطريقة التي تمت بها وتلقيه نهاية التكليف كلها متداولة عبر الوسائط الاجتماعية دون ان تحرك ادارة الاعلام في القصر الرئاسي ساكنا او تقدم توضيحا ، كما تعمل بعض المؤسسات التي تنفي او تؤكد او تصحح ماتداوله الوسائط الاجتماعية عنها ، ولم يكن اعفاء ود بلة فقط هو محل التساؤل ولكن الوسائط نقلت اشياء تتعلق بالمؤسسة الرئاسية ، ولم تكن إدارة الإعلام ايضا حاضرة بالقدر الكافي لتضع حدا لهذا السيل من الاخبار والتعليقات ، وكما هو معروف ان وسائط التواصل الاجتماعي هي بالضبط مثل (حاطب ليل) يجمع الجيد والرديء والسيء ، ولابد من التعامل معها بشيء يحد من خطورة انتشارها وتأثيرها على الراي العام ، ولاشيء أفضل من الحضور الدائم وهذا هو الشيء الوحيد الذي لم تفعله ادارة الاعلام في المؤسسة الرئاسية .
وكما ذكرنا فان اصيل الخميس الماضي كانت مواقع التواصل الاجتماعي حضورا ،مع الاخبار في مساء ذلك اليوم ، وكان الخبر الأهم ،هو اعفاء مدير الاعلام بالمؤسسة الرئاسية المهندس أبي عز الدين ، ومن الغرائب ان خبر انهاء مهمته في الادارة المهمة جاء على نفس طريقة اقالة ودالبلة ، بداية في وسائل التواصل الإجتماعي ، حيث شكلت ادارة الاعلام غيابا في اعفاء والي مهم مثل والي نهر النيل ، وشكلت غيابا في اعفاء مديرها ، ويبدو ان تراكم الملاحظات وكثرة الاخطاء قد عجلت برحيل مدير ادارة الاعلام ، وهو شاب صغير السن لم يتجاوز السن القانونية التي يحددها مجلس الصحافة والمطبوعات الصحفية لتولي منصب رئيس تحرير صحيفة ناهيك ان يكون مديرا لادارة مهمة في المؤسسة الرئاسة تتلاقى عندها وتتقاطع ايضا كثيرا من الاشياء ويرتبط عملها بادارات داخل المؤسسة الرئاسية ومؤسسات خارجها ،ويبدو ان مدير ادارة الاعلام لم يكن قدر وحجم هذا المنصب ، وأبي عز الدين من مواليد 1975م يحمل كما من الشهادات الاكاديمية دون خبرة وفي تخصص ليس له علاقة بالاعلام ، مباشرة ،إن كانت علاقته بالاعلام بدات داخل أروقة المؤتمر الوطني ولاية الخرطوم ثم أمانة الاعلام بالمركز العام وهي مدة غير كافية لتولي منصب مهم مثل هذا في المؤسسة الرئاسية ، وقد يكون اندفاع الشباب وعدم الخبرة في التعامل مع ادارة مهمة مثل هذه في المؤسسة الرئاسية ، وجهله بحدود الادارة وامتدادتها وتقاطعاتها ، قد جعله يقع في كثير من المحظور والذي بسببه تضرر عدد من منسوبي الادارة وبعض الادارات الاخرى التي تتلاقى معها بحكم طبيعة العمل ، داخل مؤسسة الرئاسة .
وأذكر هنا مارواه الدكتور احمد بهاء والذي تولى رئاسة تحرير صحيفة الاهرام المصرية في عهد الرئيس أنور السادات وهي من المؤسسسات الاعلامية الكبرى وذات تأثير كبير في مجريات الاحداث داخل مصر وخارجها ، والدكتور أحمد بهاء الدين كان كثير الحضور مع الرئيس السادات في الاجتماعات والمناسبات العامة و الخاصة ،وكان بهاء الدين ياتي في مساء متأخر الى موقع الصحيفة ويسأل عن الاخبار واتجاهاتها ،فتأتي الاجاب ، من طاقم التحرير كيف تسأل عن الاخبار وانت كنت مع الرئيس فالاخبار عندك يادكتور ، ثم يحكي لنائب رئيس التحرير ومساعديه عن بعض الوقائع ، ويتفاجأ في عدد الغد بما اخبر به مينشتات وخطوط رئيسية في صدر الصفحة الاولى ، وهويحادث نفسه معلقا على هذا (لانني لم أكن صحفيا فان الأخبار تمر من تحت أنفي ولا أعرفها )، وكذلك أبي عز الدين.. مع الفارق .

nonocatnonocat@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً