ريحانة مجالس لندن .. بقلم: جعفر فضل
14 أكتوبر, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
59 زيارة
ريحانة مجالس لندن. هذا تعبير ابتدعه الصحفي الإنقاذي حسين خوجلي في وصفه للمرحوم عبدالسلام صالح فرح الذي وافته المنية صباح اليوم الثلاثاء 13 اكتوبر بالقاهرة . ان كان حسين صادقا في شئ فقد صدق في هذا الوصف المعبر. ففي احدي زيارات حسين الي لندن جمعته الصدفة بمنزل أحد الصحفيين بعبدالسلام . وكعادة عبدالسلام الذي حباه الله بطراوة اللسان وبذخيرة ضخمة من المعلومات لفتت انتباه حسين فظلت تلك الجلسة من الاشياء العالقة في ذاكرته . و علي الفور كتب مقالا يحمل هذا العنوان
عرفت عبدالسلام في منتصف تسعينات القرن الماضي عندما قادني سكني بالشارقة ان أكون جارا لصهره السيد/ عوض الكريم ادريس . منزل عوض الكريم و زوجته ناريمان شيقة عبدالسلام كان بمثابة البيت الكبير للاسرة . حيث كانت تشاركهم السكن والدة عبدالسلام عليها الرحمة . و كعادة الاسر السودانية يجتمع افرادها عند الوالدة ، كبير القوم بمفهوم البيت الكبير ورمزيته . كان منزلا مفتوحا للزوار يغشاه افراد الاسرة في تراحمهم و تفقدهم للحاجة . تعرفنا من خلاله علي افراد الاسرة الكريمة التي كان عبدالسلام يمثل وسط عقدها . تلك الجيرة جعلت حبل التواصل بيننا ممدود الي يومنا هذا رغم تباعد الامكنة
كان عبدالسلام قد سبقني للاقامة بلندن فوجدت بها اخا وصديقا و مرشدا . لم يكن اسلوب الحياة في بلد العجم مألوفا لدي . فقد خفف عني كثيرا الام الغربة و كسر حاجز الاندماج بمجتمع غريب . كان عبدالسلام يحتفظ بكم هايل من العلاقات ، صداقات وعلاقات متنوعة . مدين له بمعرفتي علي عدد كبير من البشر في مختلف المهن و التخصصات . التي افادتني كثيرًا
كنت اتحين عطلة نهاية الاسبوع او أي وقت فراغ لأستأنس بصحبة . كان وفير المعرفة . صقلته التجارب ، و ساعده علي ذلك قربه الشديد من الرئيس نميري لاكثر من عقد من الزمان . ظل وفيًا لعلاقته التي اكتسبها بحكم منصبه . بعض الاوفياء ظلوا يحرصون علي زيارته كلما زاروا لندن ، يردون بعض جمايله التي طوق بها اعناقهم عندما كان فاعلا في السلطة . كنت كثيرا ما أسمع من البعض روايات تحكي عن افضاله و ما قدمه لهم دون من او اذي او مقابل
مثلما كان زاهدا في تدوين الكم الهائل من المعلومات و الاسرار التي اختزنتها ذاكرته . فقد كان زاهدا ايضا في متاع الدنيا . عندما عاد مع نميري من رحلتهم الاخيرة من الولايات المتحدة و توقفت بهم الطائرة بمصر ، بسبب أنتفاضة ابريل ، عاد للسودان تاركا نميري بالقاهرة . عند التحقيق معه لم يجد المحققون شيءٍ يدينه . لم يملك بيتا او عقارا او كنز مالا . متخذا من منزل والده بحلفاية الملوك سكنا له ولاسرته الصغيرة
قبل اربعة ايام من حدوث الجلطة التي كانت سببا في وفاته ، وعدني بان يحضر الي لندن ليعطر سمائها التي ظلت داكنة بسبب هذا الوباء اللعين . تعشمنا في التغير الذي سيحدثه و كسر الرتابة و الملل و الاحباط . لكن المنية لم تمهله فجاء خبر وفاته من ابنه الزين الذي كنت أتابع معه الحالة
بوفاته انطوت حقبة من تاريخنا الاجتماعي
و اندثرت اسرار و وقائع مهمة لم يشاء ان يدونها رغم الحاح عدد كبير من الاخوة . نسأل الله له الرحمة و المغفرة و عالي الجنان