نزار عثمان السمندل
مشهدٌ يفيض بالالتباس، ويُعيد ترتيب الأسئلة أكثر مما يقدّم أجوبة.
جنرال كان حتى الأمس القريب جزءا من ماكينة القتل والاغتصاب، يعبر خطوط النار، فيجد الأبواب مفتوحة، والابتسامات جاهزة. كأن الدم الذي سال في الطرقات يمكن أن يُمحى ببيان ترحيب، أو يُؤجَّل إلى زمنٍ آخر لا يأتي.
النور القُبة يصل، بعد أيام من الغياب والتكهنات، إلى مناطق سيطرة الجيش. روايات متضاربة لاحقت خط سيره في صحارى دارفور، واشتباكات قيل إنها اندلعت لمنع عبوره، ومقاطع فيديو روّجتها منصات موالية لمليشيا «الدعم السريع» عن خسائر وأسرى.
في النهاية، وصل الرجل. وصل ومعه ظلّ ثقيل من المعارك التي خاضها، والاتهامات التي تلاحقه، والذاكرة التي لا تُقنعها بيانات النفي ولا خطابات الاحتواء.
القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، يستقبله بعبارة مألوفة: الأبواب مفتوحة لمن يختار «مسيرة البناء». عبارة تحمل وعداً سياسياً أكثر مما تعكس موقفاً أخلاقياً حاسماً. في لحظة كهذه، يتجاوز السؤال الإجابة: أي بناء يمكن أن يقوم فوق أرض لم تُسوَّ بعد مع حساباتها؟ وأي دولة تلك التي تخلط بين من حمل السلاح ضدها، ومن دُفعوا إلى المحاكمات بتهم أخف وطأة وأقل دموية؟
حكاية القُبة لا تبدأ عند لحظة الانشقاق، بل تمتد إلى مسار طويل داخل مليشيا «الدعم السريع»، حيث كان من بين الأسماء الثقيلة في هيكلها العسكري، وشارك في معارك حاسمة من الخرطوم إلى كردفان، وصولاً إلى الفاشر.
هذا السجل لا يُطوى بسهولة، ولا يمكن عزله عن السياق الأوسع لحربٍ أعادت تشكيل السودان على إيقاع الفوضى والانقسامات الحادة. الحرب هنا لا تُخاض بالسلاح فقط، بالولاءات المتحركة أيضا، وإعادة تدوير الخصوم إلى شركاء محتملين.
تجربة سابقة لا يزال صداها يرنّ، بطلها أبو عاقلة كيكل، المتمرد الذي عبر الطريق ذاته ومُنح عفواً، شيّد على إثره «قوات درع السودان».
مسار يوحي بأن الانشقاق لم يعد نهاية لمسيرة عسكرية… صار محطة لإعادة التموضع داخل منظومة جديدة، تُعيد إنتاج القوة بأسماء مختلفة، بينما تبقى البنية العميقة مُختلة كما هي.
في الشارع، تتكاثر مشاعر الغضب والمرارة. ذاكرة الضحايا لا تُساوم بسهولة، ولا تنخرط في حسابات اللحظة السياسية. هناك من يرى في هذا الاستقبال رسالة قاسية، تؤكد أن الجرائم يمكن غفرانها إن تغيّر موقع مرتكبها، بينما يُترك المدنيون لمصيرهم في قاعات المحاكم، يواجهون اتهامات أقل بكثير مما ارتكبه أولئك الذين صاروا اليوم جزءاً من «مسيرة البناء».
السؤال الأكثر إزعاجاً يتطاول: إلى أي حد يمكن أن يمتد هذا المنطق؟ وإذا كانت الأبواب مفتوحة إلى هذا الحد، هل تصبح كل الخطايا قابلة للتبييض بمجرد تبديل الموقع؟ كأن يتم استقبال «جزار دارفور» أبو لولو أيضاً، وسط هذه المعمعة الجارفة لسيل قانون «العفو»!
ما يتشكّل الآن، ليس مجرد مشهد تعدو به الريح في حرب طويلة. هو مزاج سلطة تعيد تعريف الذنب وفق موقع صاحبه. الذاكرة تُزاح جانباً كقطعة أثاث قديم، والدم يُعامل كرقم قابل للتأجيل، والعدالة تُستدعى حين تخدم، وتُغيَّب حين تُحرج. في هذا المناخ، تتغيّر معاني الأشياء، فالخيانة يمكن أن تتحوّل إلى دهاء، والانشقاق إلى بطولة مؤجلة، والنجاة إلى شهادة حسن سلوك.
الخطورة لا تكمن في انتقال قاتل من معسكر إلى آخر، بقدر ما تكمن في الرسالة التي تترسّب ببطء في الوعي العام؛ والتي مفادها أن الطريق إلى الغفران لا يمر عبر الحقيقة، وإنما عبر تبديل الموقع.
وعند تلك النقطة، تفقد الحرب حدودها الأخلاقية بشكل كلّي، وتتحوّل إلى سوق مفتوحة لتبديل الولاءات، حيث يُكافأ القتلة، ويُجرّ الضحايا إلى ساحات الإعدام… المادي والمعنوي.
onizar@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم