د. سامي عبد الحليم سعيد
في العديد من المواضع، تٌشبه الكتابات السياسية الاوضاع الراهنة في السودان بتلك التي ظلت سائدة في ليبيا منذ 2011 بعد إندلاع الحرب الأهلية بعد سقوط حكم العقيد معمر القذافي في إكتوبر 2011. و يبدو ان تلك السرديات لم تكن مجافية الواقع، لا سيما في النطاق المتصل بالتسابق نحو إحتكار السلطة بقوة السلاح. تُجسّد الحروب الأهلية في السودان وليبيا قصورَ في ترتيبات تقاسم السلطة بين النخب والأطر الدستورية المؤقتة، و بالتالي تنتج إنتقالاً عكسياً بالانتقال من الحكم الدستوري إلى الصراع المسلح الداخلي. وتُشكّك هذه الحالات في فعالية الدساتير الانتقالية في الدول الهشة، لا سيما عندما تهيمن السلطة العسكرية وتؤسس حولها حكومات موازية بأحكام دستورية تابعة للجيش. و مع إنكار تام لدور الشعب و في غياب العقد الاجتماعي، تعجز الدساتير المكتوبة عن حماية المواطنين أو دعم سيادة القانون، لأن الدساتير نفسها غير محمية من عسف القوى التي إحتلت الحكم بقوة السلاح. وقد أثبتت الاتفاقات السياسية، مثل اتفاقيات السلام أو الدساتير المؤقتة، عدم كفايتها للحفاظ على الاستقرار السياسي خلال الفترات الانتقالية بسبب عدم صياغة تلك المبادئ وفق توافق إجتماعي حقيقي . وتُجسّد النزاعات المسلحة في السودان (2023-حتى الآن) وليبيا (2011-حتى الآن) التعطيل الفعلي للمبادئ الدستورية خلال فترة الحرب الأهلية. ففي كلا البلدين، أدى الانتقال من الحكم المؤسسي إلى الصراع العسكري إلى انهيار كامل للعقد الاجتماعي، ما جعل آليات فصل السلطات وحماية الحقوق الأساسية غير قابلة للتنفيذ فعلياً.
في السودان، تم تهميش الوثيقة الدستورية لعام 2019، عقب انقلاب 2021 الذي قاده الجيش ضد حكومة الفترة الانتقالية، و تواصل تهميش الدستور بعد ابريل 2023 حين إندلعت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وقد أدى هذا الصراع تحديدًا إلى إبطال اتفاقية جوبا للسلام لعام 2020. صُممت الاتفاقية في الأصل كإطار قانوني لاقتسام السلطة و لإقتسام الثروة وإصلاح القطاع الأمني، إلا أن الاتفاقية انهارت بعد اندلاع الحرب و عادت الاوضاع إلى ما قبل توقيع الاتفاقية بصورة أكثر شراسة. ونتيجة لذلك، يعيش السودان حاليًا في فراغ قانوني، حيث حلت الضرورة العسكرية محل العقد الاجتماعي الذي توافقت عليه المكونات الاجتماعية السودانية بعد الثورة على الرئيس البشير في 2018 – 2019.
على النقيض من ذلك، تفاقمت الأزمة الدستورية في ليبيا جراء ثورة 2011، التي أدت إلى الانهيار الفوري لإطار الكتاب الأخضر لعام 1977 الذي وضعه العقيد القذافي، و الذي كان هو بمثابة الاطار الدستوري في ليبيا قبل الثورة. وخلافًا للسودان، افتقرت ليبيا إلى توافق انتقالي قبل الحرب، مما أدى إلى مشهد سياسي متشرذم تتنافس فيه سلطات الامر الواقع على احتكار السلطة في غياب إطار دستوري موحد. ويعكس فشل الحوارات الوطنية اللاحقة في ليبيا بعد عام 2011 عجزًا عن إرساء أساس دستوري جديد قادر على التوفيق بين التنافسات القبلية والسياسية.
أوجه التشابه:
يشابه المشهد السياسي الذي أعقب سقوط حكومة العقيد معمر القذافي في ليبيا عام 2011 إلى حد كبير المشهد الذي أعقب الإطاحة بالجنرال البشير في السودان عام 2019. ففي كلتا الحالتين، أدى سقوط الأنظمة السياسية وانهيار الحكومات المركزية إلى ترك البلدين بلا دساتير وبدون مؤسسات فاعلة، مما أدى إلى منافسة حادة بين الأطراف الجديدة على السلطة والموارد. برزت قوى سياسية جديدة تدعو إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان، مدعومة بشكل خاص من قبل جماعات الشباب والنساء، في حين واجهت القوى المؤيدة للنظام السابق والحركات الإسلامية الإقصاء والتهميش. وسعى جنرالات الجيش الوطني، إلى جانب فلول النظام الدكتاتوري السابق، إلى اغتنام الفرص لاستعادة السيطرة بالوسائل العسكرية مستغلين تواجدهم الكثيف داخل المؤسسات الأمنية. وفي ليبيا، كشفت الانتخابات العامة لعام 2014، التي فازت بها القوى المؤيدة للديمقراطية، عن هذه الانقسامات عندما رفضت الحركة الإسلامية نتائج الانتخابات وسيطرت على طرابلس. وفي السودان، نفّذ جنرالات من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع انقلابًا ضد الحكومة الانتقالية في أكتوبر 2021، واعتقلوا رئيس الوزراء وشخصيات سياسية بارزة. وسرعان ما اختلف قادة الانقلاب حول الخطوات التالية للإنقلاب و حول إعادة تصميم الوثيقة الدستورية. فشلت المفاوضات التي قادتها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي عام ٢٠٢٢ في استعادة الانتقال السياسي أو حل النزاعات بين الفاعلين السياسيين الرئيسيين، بما في ذلك القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والجهات المدنية الفاعلة، بشأن العملية السياسية والتكامل العسكري، مما أدى إلى نزاع مسلح في أبريل ٢٠٢٣ بين الجيش و قوات الدعم السريع.
باختصار، تنشأ الأزمات في كلا البلدين من غياب الشرعية والسيادة، واختلاف وجهات النظر حول نقل السلطة، والتنافس على الموارد كالنفط في ليبيا والذهب في السودان. و تعاني الحكومات الانتقالية بعد الدكتاتورية ضعفاً شديداً في مؤسسات الدولة و التي تصبح غير قادرة على إدارة الدولة في مرحلة الانتقال السياسي.
مركزية السلطات:
يؤدي تركيز السلطة التنفيذية والإدارية في أيدي الأطراف المتحاربة إلى تفاقم الأثر المنهجي للنزاعات المسلحة بشكل كبير و يتمظهر الاثر في غياب مظاهر الدستورانية في الدولة. وتبرز هذه الظاهرة بشكل خاص في السياق السوداني، حيث توقف الانتقال السياسي الذي تم تصميمه في الوثيقة الدستورية لعام 2019، و الذي كان ينظم إنتقال السلطة من الجيش إلى المدنيين بشكل تدريجي. فبعد الانقلاب العسكري على السلطة الانتقالية في 25 أكتوبر 2021، دخلت كل مكونات الدولة الاجتماعية و السياسية و الامنية في مرحلة عدم توافق شديدة التعقيد، مما مهد السبيل إلى اندلاع الأعمال العدائية في أبريل/نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وكانت قوات الدعم السريع آنذاك جزءًا من مؤسسات القوات المسلحة السودانية.
و كانت قيادة الجيش قد أعلنت عن تعطيل العديد من أحكام الوثيقة الدستورية عقب إنقلاب إكتوبر 2021. من بين تلك التعديلات الدستورية التي لجأت اليها قيادات الجيش لضمان إحتكار السلطة و الانفراد بالحكم كانت التعديلات على الوثيقة الدستورية في فبراير 2025 و التي كان من بينها تعديل أحكام الفقرة الاولى من المادة 35 من الدستور للالتفاف و التي تنص على إشراف الحكومة المدنية و مؤسساتها على قرارات إعلان الحرب أو إعلان حالة الطوارئ. و كذلك تعديلات أخرى شملت تعديل على المادة 11 بتمكين القائد العام للجيش من تعيين أعضاء مجلس السيادة بإرادة منفردة. و لتأكيد سيطرة الجيش على السلطة، شمل التعديل على تقليص مقاعد المدنيين في مجلس السيادة مقابل زيادة مقاعد الجيش، و حذف كل المواد الدستورية التي تشير على وجود المدنيين في اجهزة الحكم. ومن خلال تركيز السلطة في يد القائد الأعلى، رئيس مجلس السيادة، أخضعت القيادة العسكرية فعلياً السلطتين القضائية والتنفيذية لسلطتها، بما في ذلك تعيين كبار المسؤولين في الهيئآت المستقلة، مثل النائب العام، ورئيس المحكمة الدستورية، ورئيس القضاء. ونتيجة لذلك، تُشكّل هذه التحولات التشريعية خروجاً تاماً عن مبادئ الدستورية، إذ استبدلت المسار الديمقراطي الانتقالي الذي أسسته الوثيقة الدستورية لعام 2019 بتركيز مطلق للسلطة تحت يد قيادة الجيش.
حكومتان وسيادة منقسمة:
في كل من ليبيا والسودان، لم تتمكن الحكومة الشرعية من السيطرة على كامل أراضي الدولة، وعجزت عن حماية المدنيين و إنفاذ سيطرة الدولة و إنفاذ سيادة حكم القانون. في السودان، سيطرت قوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو (والمعروف أيضاً باسم “حميدتي”)، على ولايات دارفور الخمس، وجزء كبير من إقليم كردفان الذي يضم ثلاث ولايات. ونتيجة لذلك، باتت قوات الدعم السريع تسيطر على معظم الموارد الطبيعية التي كانت تدرّ سابقًا عائدات للحكومة المركزية، مثل الذهب والنفط والماشية والصمغ العربي. وتسيطر القوات المسلحة السودانية على المناطق الشرقية والوسطى والشمالية من السودان، وتدير شؤونها من خلال حكومة مُشكّلة من جنرالات القوات المسلحة السودانية وبعض أعضاء الفصائل المسلحة الموقعين على اتفاقية جوبا للسلام. وفي 18 فبراير 2025، أسس حلفاء قوات الدعم السريع، وجماعات متمردة سابقة، وشخصيات سياسية موالية لها، تحالف “تأسيس” في نيروبي، كينيا، ووقعوا ميثاقًا سياسيًا ووثيقة دستورية. و إستناداً على ذلك الميثاق السياسي، شكلت قوات الدعم السريع في 30 أغسطس حكومة موازية، أطلقت عليها “حكومة السلام” وجعلوا مقرها في نيالا، عاصمة جنوب دارفور، بالشراكة مع فصائل عسكرية وأحزاب معارضة مختلفة، من بينها الحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال. تتألف هذه الحكومة الجديدة في مدينة نيالا من مجلس للحكم مؤلف من 15 عضواً برئاسة الفريق حميدتي، وحكومة مدنية برئاسة محمد حسن التعايشي، العضو السابق في مجلس السيادة الانتقالي عقب سقوط نظام البشير عام 2019.
وبوجود السلطة التي أسستها قوات الدعم السريع و حلفائها في نيالا، وتوطيد القوات المسلحة السودانية سيطرتها في بورتسودان، تكون إدارة السودان إنقسمت بين حكومتين، حكومة في بورتسودان في شرق البلاد بقيادة القوات المسلحة السودانية المعترف بها دولياً، وحكومة موازية بقيادة قوات الدعم السريع في غرب السودان. وقد صاغت كلتا القوتين المتنافستين دساتير لأراضيهما، لكنها ظلت وثائق دستورية، و لم ترقى لأن تكون عقداً إجتماعياَ شاملاَ.
في مفارقة عجيبة، وتكرارًا للتجارب المأساوية في شمال أفريقيا، سلك السودان، بعد أبريل/نيسان 2023، المسار الليبي نفسه بطريقة تكاد تكون متطابقة ومتشابهة بشكل لافت. تنقسم ليبيا حاليًا إلى منطقتي نفوذ رئيسيتين. حكومة الوحدة الوطنية، بقيادة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، هي الإدارة المعترف بها دوليًا والتي تسيطر على الجزء الغربي من ليبيا و مقرها في طرابلس. ومع ذلك، فإن سيطرة الدبيبة تعتمد بشكل كبير على مجموعة من الميليشيات المستقلة التي تساند حكومته. أما الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، فيسيطر على مناطق ومدن مهمة في شرق وجنوب ليبيا – و هذين الاقليمين يضمان معظم الهلال النفطي الليبي والمناطق الحدودية الجنوبية. وقد أنشأ الجيش الوطني الليبي حكومة مدنية موازية، أطلق عليها حكومة الاستقرار الوطني في شرق ليبيا، كإدارة منافسة تتخذ من بنغازي وسرت بشكل أساسي مقرًا لها، وهي غير معترف بها دوليًا كحكومة رسمية.
حكومة أمراء حرب، لا حكومة قانون
استخدم جمال عبد الناصر، ثاني رؤساء مصر (1956-1970)، شعار “لا صوت يعلو على صوت المعركة” خلال أواخر الستينيات، وخاصة بعد حرب الأيام الستة عام 1967. ويشير تفسير هذا الشعار في سياق التحولات السياسية في ليبيا والسودان إلى أن الحرب قد تبرر غياب سيادة القانون وحقوق الإنسان والنظام الدستوري. بعد الإطاحة بالعقيد معمر القذافي، تبنى القادة السياسيون الجدد في ليبيا إعلانًا دستوريًا في أغسطس 2011 كإطار مؤقت للانتخابات وصياغة دستور دائم. وفي عام 2014، انتُخب مجلس صياغة الدستور مؤلف من 60 عضوا لإعداد الدستور الجديد. أنجز المجلس مسودة في عام 2017، لكن الانتقادات وانعدام التوافق عرقلا اجازة الدستور، و بالتالي ظل الاطار الدستوري غائباً و البيئة السياسية متكلسة. ونتيجة لذلك، لم يعد لدى ليبيا دستور موحد، وتطبق القوتان المتنافسان مسودة عام 2011 بتعديلات اعتمدها كل طرف لتناسب سلطته في الاقليم الذي يسيطر عليه. و بالتالي أصبح هناك دستورين. في غضون ذلك، واصلت حكومة شرق ليبيا ومجلس النواب استخدام تعديلات إعلان عام 2011 لتبرير ممارساتها. وأبرز هذه التعديلات التعديل الثالث عشر، الذي أُقرّ عام 2023، والذي يُحدد صلاحيات الرئيس والمجلس التشريعي.
أما في السودان، في جميع المدن والمناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، تنهار سلطة إنفاذ القانون فورًا عقب إعلان سيطرته على المدينة. ينسحب رجال الشرطة والمدعون العامون، وتُغلق المحاكم، ويعود القضاة إما إلى قراهم البعيدة أو يهاجرون إلى خارج السودان. أما في المدن الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية، فيعمل إنفاذ القانون بموجب أحكام طوارئ غامضة، مما يُسبب ارتباكًا لدى المسؤولين والمواطنين. وقد فاقمت الحرب التوترات العرقية، ما دفع الجماعات المسلحة من كلا الجانبين إلى إجراء محاكمات موجزة بدافع العداء تجاه جماعات عرقية وقبلية مُحددة.
لا يُمكن للدستور أن يحمي المواطن من سلطة خلقت وجودها بالبنادق:
بعد انهيار مؤسسات إنفاذ القانون في السودان، تفاقمت انتهاكات حقوق الإنسان، مُؤثرةً على المدنيين بطرق مُختلفة. وتُسلط تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان الضوء على انتهاكات خطيرة للقانون الدولي من قِبل الأطراف المُتحاربة وحلفائها. تشمل هذه الانتهاكات اعتقال وقتل الصحفيين، وإغلاق وكالات الأنباء وشبكات الإعلام، واعتقال المحامين بتهمة التعاطف مع قوات الدعم السريع. كما حوكم العديد من المعارضين السياسيين المقيمين خارج السودان غيابياً أمام المحاكم بتهمة الخيانة.
وفي ليبيا، خلصت تقارير حديثة صادرة عن بعثة الأمم المتحدة في ليبيا (UNSMIL)، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، إلى أن الطرفين المتحاربين في ليبيا، ارتكبتا قمعاً ممنهجاً بشكل متكرر، واستخدما ميليشيات تابعة لهما للحفاظ على السلطة. وفي الغرب، كثفت حكومة الوحدة الوطنية وميليشياتها، مثل قوات الردع الخاصة، حملات القمع ضد المعارضة، واعتقلت نشطاء إعلاميين، وأعضاء منظمات المجتمع المدني، وصحفيين بتهمة تغطية قضايا فساد. كما تفرض هذه الميليشيات “تدابير أخلاقية” خارجة عن القانون، تنتهك حقوق المرأة وتقيد حركتها ولباسها. وفي الوقت نفسه، تستمر الاشتباكات بين الميليشيات في المناطق السكنية، متسببةً في سقوط ضحايا مدنيين و تدمير غير مبرر للبنية التحتية. تُحكم حكومة شرق ليبيا وقوات المشير خليفة حفتر قبضتها في الشرق والجنوب، مُخضعةً المدنيين لمحاكمات عسكرية متكررة، وقمع لنشطاء حقوق الانسان و تقييد لنشاط منظمات المجتمع المدني عبر قوانين تسجيل صارمة. وقد اعتقلت حكومة شرق ليبيا سياسيين بارزين وزعماء دينيين ونشطاء ديمقراطيين، وأخفتهم قسرًا. وتُدير وزارة الداخلية التابعة لحكومة الوحدة الوطنية مراكز احتجاز يُواجه فيها اللاجئون الأفارقة الاتجار بالبشر والعنف الجنسي والتعذيب وانتهاكات أخرى لحقوق الإنسان. و بحسب تقارير دولية موثوقة، كثيرًا ما يُباع اللاجئون للمُتاجرين بالبشر على يد الحراس، أو يُرحَّلون جماعيًا إلى مناطق حدودية صحراوية دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة.
في كلا البلدين، وفي المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المتحاربة، يُصبح مبدأ سيادة القانون، أي خضوع جميع الأفراد والسلطات للقوانين العامة، أمراً ثانويًا أمام الضرورة العسكرية. وتُفرض قوانين جديدة غير مكتوبة من قِبل قوات عسكرية رسمية وغير رسمية. وبينما توجد حكومة مدنية اسميًا، تُمارس السلطة القانونية الفعلية من خلال سلطة عسكرية صلبة لا تتورع في تبديل القواعد الدستورية بدون مشاورة أي هيئة أخرى في الدولة، متى إحتاجت إلى توسيع نطاق سلطتها.
ضرورة الحوار
منذ اندلاع الحروب الأهلية في كلا البلدين، يفتقران إلى دستور موحد نتيجة انهيار العقد الاجتماعي مما سبب في استمرار العنف و عدم الاستقرار السياسي. ففي ليبيا، لم تتفق الفصائل السياسية على دستور انتقالي منذ الإطاحة بالقذافي، ولذا لا تزال البلاد بلا دستور. أما في السودان، فلا تُبدي حكومتا شرق السودان وغربه أي احترام للدستور الذي وضعاه باردتهما المنفردة.
خلال المراحل الانتقالية السياسية، تشير المسارات القانونية في كلا البلدين إلى أن الاتفاقات السياسية المحدودة، مثل اتفاقية جوبا للسلام أو الدستور المؤقت، غير كافية للحفاظ على الاستقرار السياسي أو منع اندلاع حرب أهلية نتيجة التنافس على السلطة. ويتطلب التحول، من واقع الصراع من أجل السلطة و الوصول إلى اتفاق سلام شامل، صياغة عقد اجتماعي جامع من خلال حوار وطني واسع. وبدون أساس دستوري مستقر مقبول من جميع الأطراف المعنية، يبقى كل من السودان وليبيا محكومين بالقوة لا بسيادة القانون.
يواجه كلا البلدين تحديات وجودية، وسيستمر المواطنون الخاضعون لسلطات الأمر الواقع في المعاناة من غياب سيادة القانون وإنفاذ حقوق الإنسان. ولا تزال هذه البلدان مصدر قلق بالغ، إذ تُشكل حالة غياب سلطة مركزية موحدة في كل من البلدين تهديدات حقيقية للأمن والسلام في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل. يُعدّ الحوار الوطني الحقيقي والشامل ضروريًا لمعالجة الأزمة في كلا البلدين، ولإرساء عقد اجتماعي جديد يدعم الاستقرار السياسي والسلام والعدالة الاجتماعية والانتقال الديمقراطي.
advosami@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم