الحرب في السودان، لماذا ينخرط المواطن العادي في تأييد طرف من أطرافها؟

تندلع الحروب الاهلية حين لا تجد القوى الاجتماعية المتنافرة المصالح صيغة تحقق لها نوعا من القسمة المرضية للسلطة والمال والنفوذ. الصيغة الكلاسيكية للديناميك الذي يسوق لهذه الحروب هي رغبة كل طرف في السعي للاستحواذ على كل شيء في مثل هذه القسمة وترك الطرف الاخر فارغ اليدين.. مثل زحف اهل السهول والقرى في السابق قاصدين مركز السلطة في المدينة من اجل دكه وبناء مركز اخر بديل يمثل علاقات القوى الجديدة الصاعدة.
نموذج الدولة المتنازع عليها وداخل مؤسساتها يحدد على نحو كبير طبيعة الخلافات وسقفها وآليات اقتسام وتوزيع السلطة داخل شرائح المجتمع المختلفة قبل ان يستفحل الخلاف ويتحول لحرب مفتوحة.
الأنظمة الديكتاتورية المطلقة والملكيات الفردية تختلف عن الدول التي تطبق نوعا من أنواع الديمقراطية. وهذا يمكن ان يحدد بشكل من الاشكال هدف الحرب، هل هو القضاء على مركز السلطة وتفكيكة واستبداله، أم هزيمة قوى اجتماعية بعينها وتقليم اظافر قوتها. يمكن في هذا الصدد المقارنة بين حروب مثل تلك التي سعت للإطاحة بالقذافي في ليبيا وعلي عبدالله صالح في اليمن، بالحرب الاهلية اللبنانية في منتصف السبعينات من القرن الماضي.
في السودان لا يمكن الحديث عن شكل دولة، أو عن نظام استطاع ان يرسي تقاليد ديمقراطية تحكم الخلافات السياسية وتداول السلطة سلميا. الشيء الوحيد الملموس في التجربة السياسية على مدى سبعون عاما هو تجارب الحزب الواحد للأنظمة الانقلابية، نظام نميري ونظام الاخوان المسلمين. وذلك بإنشاء اجسام تنظيمية لها طابع الحزب السياسي مثل الاتحاد الاشتراكي والمؤتمر الوطني في محاولة لإخفاء الوجه القبيح لديكتاتورياتها. لذا وفي تحليلنا السياسي لما ظل يحدث في البلاد، وبدلا عن ترديد مصطلح الحلقة الشريرة شائع الاستخدام في توالي النظم الانقلابية والديمقراطيات قصيرة الاجل، يمكننا الحديث عن مؤسسة عسكرية ظلت تحكم طوال تاريخ السودان السياسي في تحالف مع مختلف القوى الأيديولوجية الاجتماعية، مع الاخوان المسلمين في الوقت الراهن، وفي السابق مع الشيوعيين والقوميين العرب ومختلف القوى الحزبية الطائفية. وهي على استعداد ان ظلت هذه المؤسسة قائمة، على استعداد للتحالف مع أي مكون اجتماعي يشبه تركيبة قيادتها القبلية ويخدم المصالح العريضة للمكون الاجتماعي الذي ظلت تخدمه بعيدا عن حكايات تبرير السلطة والتمسك بها: وطنية سودانية، إسلامية، عروبية، اتحادية نيلية، عربية اشتراكية.. الخ
الحكاية الوحيدة التي تم تجنبها والقتال ضدها بشراسة من قبل المؤسسة العسكرية والقوى التي توجهها هي حكاية: دولة المواطنة، المؤسسات والقانون والدستور التي يتساوى فيها الجميع ولا يلعب الدين فيها أي دور.
في أدوات التحليل السياسي للمشكل السوداني لم يتم التطرق بشكل مفتوح وصريح الى البعد القبلي في الصراع السياسي إلا اثناء الحرب الجارية الآن. وللأمر علاقة بطبيعة الخطاب، او الخطابات التي تسعى القوى الاجتماعية المهيمنة لنشرها وتوزيعها وتعميمها كجزء من نسيج هيمنتها. تعمد هذه الخطابات وفي كل المجمعات لإخفاء وحجب مثل هذا البعد على الدوام وحجب طبيعة الصراع الاصلية بإنتاج حكايات وقصص تسعى لاخفاء نواة الصراع الحقيقية، يتم ذلك باستخدام أجهزة مثل الإذاعة والتلفزيون والصحف التي تسيطر عليها الدولة. إضافة الى النظام التعليمي ذاته ومؤسساته البحثية.
هذه الإجراءات تشكل، وتمكن من هيمنة معلوماتية وتربوية وثقافية بالكامل على المجتمع وتحديد مصادر معارفه وتصوراته للحياة والواقع .
ظلت مناصرة الشعب السوداني لجيشه في مختلق الحروب الداخلية التي ظلت تجري منذ استقلال السودان، مناصرة متحفظة تكتفي بمسيرات التأييد وطقوس وداع القوات المغادرة لجبهة القتال. ومن جانب اخر بتبني خطاب الحكومة الذي تبثه من خلال وسائل الاعلام التي تسيطر عليها الدولة على الدوام، حرب النظام المايوي على الأنصار في الجزيرة أبا وصفت بأنها حرب على قوى الطائفية والرجعية، والحرب على انانيا وعلى الحركة الشعبية بقيادة قرنق هي حرب ضد التمرد في فترة مايو، وحرب ضد قوى الكفر في زمن الاسلامويين. والحرب الحالية هي حرب ضد القحاتة (قوى الحرية والتغيير) ومرتزقة النيجر وتشاد وعرب الشتات.
الذي يدير كل هذه الحروب ذات الأسباب المختلفة هي ذات المؤسسة العسكرية وقيادتها ذات التكوين القبلي التي تعكس الوجه الحقيقي للسيطرة والهيمنة والقوة.
التحول الجديد في الحرب الحالية:
في الحرب الحالية ولأول مرة ترى انقسام فئات الشعب السوداني الى فئتين، أو كتلتين كبيرتين، فئة تناصر الجيش وفئة تناصر الدعم السريع. شمل هذا الانقسام حتى قادة الرأي والمثقفين والصحفيين وأساتذة الجامعات، وهي القوى التي لديها القدرة على رؤية عناصر الصراع وطبيعة المشكل ولها القدرة على تحليله وتسمية كل طرف صاحب مصلحة فيه.
هذان الكتلتان تدعمان نموذجين لا بد أن ينهزم احدهما ويتلاشى ويصعد الاخر او يعزز وجوده.
بالعودة لنموذج الدولة الذي يتم الاقتتال عليه وحوله (الحديث عن اقتلاع دولة 56) يجب الانتباه لبعض تفاصيل الدولة التي اورثنا إياها المستعمر كأفضل ما ترك بعد رحيله: التجربة الديمقراطية الوليدة التي باغتت المستعمر نفسه بإعلان الاستقلال من خلال البرلمان، ثانيا الخدمة المدنية التي يمتدحها الكل بأنها قمة في الانضباط.
هذان العاملان يشكلان الدعامة الأساسية التي نهضت عليها المستعمر السابق المملكة المتحدة ودول الغرب المتقدمة عموما وامريكا، واهمالهما من قبل الحكومات التي تعاقبت على حكم السودان فتح الباب امام المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي توسعت لدرجة اصبح من المستحيل معالجتها الا بإجراء فيه الكثير من الاكراه والعنف، لنقل الحرب. هذان العاملان هما:
نظام ديمقراطي ينظم التداول على السلطة ويعتمد في تشريعاته على التوافق في الحفاظ على الحد الأدنى من مصالح كل فئة اجتماعية مهما كان وزنها طفيفا. وبالتالي الديمقراطية لا تعني بسط سيطرة الأغلبية لتشرب الأقليات من البحر مثلا. ولكن من أجل الوصول لحلول واتفاقات مرضية فيما يخص توزيع الثروة والنفوذ وتخطيط المستقبل بحيث لا تجد شريحة من الشرائح نفسها مهددة في وجودها، الممارسة الديمقراطية الحقة تبعد الغبن وتبطل مفعول الضغائن الاجتماعية في مهده.
هذا ما لم يحدث في السودان طوال تاريخه السياسي بديمقراطياته وانقلاباته. في اول تجربة حكم ديمقراطي ظهرت على الفور المكايدات الأولى التي أدت لذهاب رجالات السياسية بأنفسهم لبوابة الجيش من تسليمهم السلطة. هذا يكشف عن عجز كبير في فهم محتوى الديمقراطية وكيفية عملها، او قد يعود لغياب تربية الاختلاف وادارته من الأساس والاستهانة بالديمقراطية ذاتها كأداة لإدارة الخلافات. الغرب ورثنا أفضل منتجاته فيما يخص الحكم وإدارة الاختلافات ولكن المنتوج تدعمه ثقافة وتربية وعقلية لم تتوفر للرعيل الأول الذين مارسوا السياسة مما أدى لسوء استخدام المنتج والاستهانة به وبجدواه في النهاية.
ثانيا مسألة جهاز الخدمة المدنية المعروف في التجربة العالمية بمصطلح البيروقراطية والذي تم ابتداعه في الغرب بغرض معاملة الجميع على قدم المساواة بغض النظر عن أصل الشخص ومنحدره. يعتبر هذا الجهاز هو الضمانة والحارس للتجربة الديمقراطية ومخرجاتها. في أمريكا حاليا نرى الرئيس دونالد ترامب يصطدم يوميا بأحد المسئولين بسبب تمسك هذا المسؤول بالنظم المتفق عليها لإدارة موارد المجتمع دون تدخل خارجي من الساسة الذين ينظر إليهم كقوى عابرة.
كما أن التقدم لشغل الوظائف في هذا الجهاز تخضع لمبدأ آخر هو “الميريتوقراطية” وهو أيضا ابتداع صيني قديم استلفه الانجليز والغرب عموما. والغرض منه اتاحة الفرصة لكافة طبقات المجتمع للوقوف على خط بداية متساوي في السباق الاجتماعي من اجل شغل مختلف الوظائف العامة والخاصة. ومن اجل كسب المال والسعي نحو الرفاه وتحقيق الذات.
يشمل هذا المبدأ اتاحة الفرصة للأطفال من جميع الطبقات الحصول على تعليم أساسي وثانوي، وتم فتح الجامعات امام الجميع من بعد. وذلك بعد أن تبين أن أبناء الأغنياء لا يمتلكون بالضرورة المواهب لشغل المقاعد الدراسية في مختلف التخصصات، وأن الموهبة لا تقاس بالثروة والنفوذ الاجتماعي، ولتلبية الحاجات العظيمة للثروة الصناعية كان لا بد ان يشارك المجتمع بكل طبقاته في هذا النمو.. والخير هنا في استغلال كافة الموارد البشرية المتوفرة من أجل المجتمع والبلد ككل.
لا اعتقد ان الحكومات المتعاقبة في السودان ومعظمها ديكتاتورية كانت تولي مسألة المساواة في الفرص أدني أهمية وهو أمر سيكون له توابعه في الحروب التي اندلعت فيما بعد طوال التاريخ السياسي في السودان وحتى الحرب الحالية. وهو أمر أصبح عامل ابتزاز من مختلف الحركات الحاملة للسلاح التي توقع اتفاقات للسلام مع الحكومة، اذ تصر على مسألة قسمة السلطة والثروة وتصر على تنفيذ هذا الامر بصورة هزلية لا علاقة لها بالطريقة التي تعمل بها شبكات السلطة داخل المجتمع ولا كيفية تراكم الثروة ولا كيفية توزيعها بشكل عادل.. انظر فقط للطريقة التي تمسك جبريل إبراهيم بوزارة المالية، ورفاقه في وزارات أخرى مثل المعادن، باعتقاد ان ذلك هو منعقد السلطة الذي يحقق قسمة الثروة.
لطالما تمت “اسطرة ” جهاز الخدمة المدنية في السودان كجهاز فعال في خدمة المواطن و في تحقيق المبدأ البيرواقراطي بمعاملة الجميع بنزاهة وعدالة ومساواة، وفقا للنظم واللوائح. ربما حافظ هذا الجهاز بالفعل على آليات عمله وتمسكه بالقوانين واللوائح، ولكن الجانب الاخر المظلم هو تكون شبكات معارف وصداقات ولوبيات خارج الحدود المباشرة للوائح في منطقة رمادية تتيح التفضيل والتمييز الامر الذي يبطل مفعول المعاملة المتساوية للجميع.
سأضرب مثلا أتمنى الا يكون طويلا من مذكرات الشاعر الراحل سيد احمد الحردلو، وأتمنى الا يفهم بأنه محاولة للنيل من الشاعر الراحل. يقول في مذكراته:
عدت من القاهرة ومعي (ملعون ابوكي بلد) واثار هو الاخر ضجة بأسمه اكتر من محتواه، وسافرت لتنقاسي ثم ناوا ولعجبي وجدت برقية من وزارة التبربية والتعليم تقول بأنهم عينوني أستاذا للغة الإنجليزية بالاهلية الثانوية بام درمان.
وذات يوم وانا لم أكمل شهرين بتلك المدرسة فاجأني ابن عمي القاضي وقتها الصادق سيد احمد شامي بأن هناك امتحانا بالخارجية سيكون بعد أيام وانه قدم لي، وهكذا جلسنا للامتحان في قاعة الامتحانات بجامعة الخرطوم ثم بعد فترة طلبوا من الأوائل الحضور للانترفيو وكان برئاسة السفير عبد الكريم ميرغني وعضوية عدد من السفراء اذكر منهم رحمة الله عبد الله، كمال البكري، المليك.. وبعد أسابيع جئت للخارجية ومعي الصديق محمود نديم وكان هو أيضا امتحن فوجدنا السفيرين عبد الكريم ميرغني وابوبكر عثمان محمد صالح واقفين في حديقة الخارجية فقال لي عبد الكريم ميرغني: موقفك ممتاز جدا ولكن تقرير البوليس ضدك ويقول إنك يساري وهاجمت الرئيس محمد احمد محجوب. وايده السفير محمد صالح بالقول بانهما سيذهبا للرئيس (البوس) هذا المساء وطلبا مني الحضور إذا في نفس المكان ونفس الوقت.. وجئت في اليوم التالي في ذات الزمان والمكان ووجدتهما واقفين وما ان ابصراني حتى هتفا معا: مبروك الرئيس قال يأخذوك اول واحد)
انتهت القصة.
وهكذا نرى سفراء عظام وقامات سامقة يتفانون في خدمة مرشح في المؤسسة التي يديرونها ويعاملونه بطريقة لا يحصل عليها أي مرشح آخر نكرة من عامة الشعب السوداني في اقاليمه المختلفة.
اراهن أن بعض الخريجين أصحاب الموهبة قد لا يسمعون في الغالب بمثل هذه الفرص نظرا لطبيعة السودان المترامي الأطراف والذي لا يملك البنية التحتية التي تتيح الحركة في الزمان المناسب للمكان المناسب. كما أن الكثيرين لا يجرؤن على الوقوف على سور وزارة الخارجية، ناهيك عن ان يتوسط لهم دبلوماسيون كبار ملء السمع والبصر.
قد يقول البعض بأن الامر مجرد شغل شبكة علاقات اجتماعية، أو شغل لوبي، ولك ان تتخيل ان مختلف اللوبيات ظلت تعمل على هذا النحو تحت مختلف الأنظمة السياسية التي حكمت البلد عبر بندقية الجيش وتحت قيادته المباشرة. سواء كان النظام اشتراكي ليبرالي أو إسلامي.. عبود، نميري، البشير، البرهان. نتيجتها الاحتفاظ بالمواقع والوظائف المؤثرة داخل المجتمع لأفراد ينتمون لشبكات اجتماعية وعرقية بعينها هي التي ظلت مسيطرة على مفاصل الدولة.
وقصة الراحل سيد احمد الحردلو تثير مسألة شبكة العلاقات والفقر الاجتماعي التي يعاني منها ملايين السودانيين الذين تخرجوا بأفضل الدرجات، لكن المدخل لأفضل الوظائف والبعثات كان يعوزهم، البعض منهم يتوه حتى داخل العاصمة الخرطوم.
هناك أيضا عامل الصدف السعيدة التي نراها في وزارة الخارجية السودانية وهي فكرة الدبلوماسي الشاعر التي احتلت حيزا كبيرا في سجل خدمة وزارة الخارجية، تكشف لنا هذه الميزة وازدواج المواهب عن صراع الخطابات داخل المجتمع وكيف ان إدارة مثل هذا الصراع بشقه السياسي شكل عامل الاكراه الأساسي الذي فجر تقريبا كل الحروب المختلفة والانقلابات المناوئة للخطاب الأساسي الذي صنف السودان بلدا عربيا إسلاميا منذ فجر الاستقلال والى تاريخ اليوم.
في بلد لا تعتبر العربية اللغة الام لملايين السودانيين في غرب السودان وفي كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان يكون توظيف نظم الشعر بالعربية كميزة تفوق في المنافسة على وظيفة في السلك الدبلوماسي امر فيه الكثير من عدم الانصاف لكل غير متحدث بالعربية بالميلاد.
لتصبح مفردة الشاعر الدبلوماسي التي تم تضخيمها داخل ثقافتنا اليومية نوعا من تعزيز وخلق خطابات تنسب نوعا من الجدارة للأفراد بحسب الدماء التي تجري في عروقهم واللغة الأصل التي يتحدثونها.
ان يكتب أحدهم الشعر أو الرجز أو القصة في مزاوجة مع وظيفته العامة يجب ألا يكون موضوعا لاي بعد سياسي في اي حوار في الظروف العادية، ولكن غياب الممارسة السياسية الحقيقية وعدم التعامل مع الخلافات الأساسية ووضعها في دائرة الضوء وتسمية الأشياء بأسمائها، جعل القوى الاجتماعية المستضعفة تمعن تدريجيا وعلى الدوام في الانعزال والتمسك بمطالب جهوية ضيقة ليست هي الأفضل بالنسبة لهم وبالنسبة للمجتمع ككل، مثل النزعة للانفصال وتكوين دولة خاصة.
عدم حدوث أي ممارسة سياسية حقيقية في فضاء مفتوح يعبر فيها المواطنون عن مظالمهم وتخوفاتهم، وبالتالي عدم حدوث توافق وتنازلات مستمرة هنا وهناك داخل المحيط الاجتماعي أضر كثيرا بتكوين الشخصية السودانية. والحديث عن شخصية سودانية بتعريف الالف واللام لا يمكن أن يتم الا بانصهار حقيقي داخل مكونات المجتمع بحيث يحس الجميع بوحدة المصير ووحدة الهدف بالمحافظة على الرقعة الجغرافية والنظام السياسي الذي ينظم امورهم. مجملا الحفاظ على نسيج اجتماعي يتعرف فيه الجميع على بعضهم ويتيحون المساحات اللازمة لبعضهم من اجل العيش الكريم والتعايش السلمي.
في وقت سابق قبل سنوات كتب مفكر فرنسي أن افريقيا يجب أن تشهد حروبا شاملة كي تستقر الأوضاع فيها على المدى الطويل. وذكر أن كلفة الحروب المستمرة من ناحية موارد بشرية ومن ناحية اقتصادية، عالية جدا وأرخص منها السماح بقيام حرب حقيقية.
الحروب تحصل في المجتمعات المنهكة التي لم تفلح في إيجاد صيغة لحل صراعاتها وتناقضاتها المستمرة والمتراكمة.
بالنظر للحرب الحالية أرى فريقا ضخما يناصر الجيش من اجل استعادة زمام الأمور والسيطرة على الأوضاع. ولكن هل يصلح هذا الجيش بتركيبته وشكله الحالي بالتنازل من الحكم لصالح المدنيين؟ أو قل هل يقاتل من اجل دولة المواطنة والقانون التي يستاوى فيها الجميع؟
من ناحية أخرى أرى الدعم السريع وبعد مشاركته للجيش في جريمته العظمى بوأد واحدة من اقوى الثورات الشعبية، يأخذ خط رجعة ويعلن عن استعادة المسار الديمقراطي وتحقيق اهداف الثورة. هل تصدق هذه القوات في وعدها، وهل تركيبتها الحالية تسمح لها بتبني دولة مؤسسات حديثة يظل فيها العسكر في الثكنات بحيث تدير القوى المدنية بكامل حريتها شئون البلاد؟ أرى أن الدعم السريع حتى لو انتصر فإن تركيبة جيشه ستواجه مشكلة انضباط عسكري وقد تحدث وسط قواته الكثير من التفلتات والاحتكاكات على أساس قبلي.
المواطن العادي ليس لديه أي وسيلة يفرض بها ارادته في مثل هذا الظرف وليس امامه غير الانتظار.
ما أراه من تجارب الحرب في مجتمعات أخرى أن القوى الصاعدة الأكثر تماسكا والأطول نفسا في مواصلة هذه الحرب هي قوات الدعم السريع. وهي قوات شابة تتكون من فئات تحكم بينها روابط الدم القريبة أو البعيدة، لم تنل في الغالب أي تعليم يعتد به وفرصتها الوحيدة في مستقبل حقيقي هي مواصلة الحرب والانتصار.
الجيش بالمقابل أصبح وضعه وضع الميليشيا التي تتكون من مجموعات عرقية وعقائدية متنافرة: كتائب ظل، إسلاميون متشددون،مستنفرون اغرار، مجموعات قبلية تابعة لكيكل ومجموعات مسلحة تابعة لمناوي وجبريل.
هذه التركيبة لا يمكن ان تصمد على المدى الطويل وتتباعد مصالحها بدرجة لا تسمح بنشوء أي درجة من درجات الثقة بينها. لا يمكن ان نتخيل ان يكون لمثل هذه المجموعات الروح الجماعية اللازمة لمواصلة القتال حتى النهاية المرة او الانتصار في غياب عنصر الإحساس الجماعي بالمصير المشترك.
في كل الأحوال سيشهد السودان عنفا مستمرا وشاملا لكل الرقعة الجغرافية قبل ان يتم التوافق على عقد اجتماعي جديد يحقق الكرامة والمساواة للجميع على أساس المواطنة وبحماية الدستور الذي يجب ان ينص على مبدأ المساواة بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجهة.

إبراهيم حمودة
ناقد – صحفي
أمستردام 27 أغسطس 2025

hamoudaj72@gmail.com

عن إبراهيم حمودة

إبراهيم حمودة

شاهد أيضاً

سياسات الهوية والباب المفضي للحرب الأهلية الشاملة .. بقلم: إبراهيم حمودة

الحرب التي بدأت بين جنرالين يتناطحان على السلطة وصلت الآن وبعد زمن وجيز قياسا بتاريخ …