الفبركة الإعلامية حول الصراع الروسي الأوكرايني 

 


 

حامد بشري
16 أبريل, 2022

 

"العملية العسكرية الخاصة تهدف الي أنهاء هيمنة الولايات المتحدة علي العالم"

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف

دخلت الحرب يومها الخمسين مخلفة وراءها الآف الضحايا وملايين النازحين وتدمير شامل للبني التحتية لبعض المدن هذا بخلاف الضائقة المعيشية التي أجتاحت أوربا غربها وشرقها وأرهاصات المجاعة القادمة التي لا تبغي ولا تذر . هذه الحرب التي أُطلق عليها " العملية العسكرية الروسية الخاصة " وضعت رئيس الوزراء الروسي فلاديمير فلاديميرفتش بوتين أمام خيارين أحلاهما مر أما وضع نهاية لمسار الولايات المتحدة علي العالم ورسم خريطة جوسياسية جديدة بهذه التركة المثقلة من الضحايا وما تخلفه الحروب من مشاكل وأزمات أو أنتصار للفاشية والنازية الجديدة بحليفها الرئيسي الولايات المتحدة وتبعاتها من الدول الغربية .

أستمراراً لما تم عرضه في مقالنا الأول " ليس دفاعاً عن بوتين ولكن " نستعرض ما جاء في الصحافة الروسية حول الموقف الراهن فيما يخص الحرب الروسية /الأوكراينية . أهمية هذا الأستعراض تأتي من وجهة نظر أن وسائل الأعلام الغربي التي تغطي هذه الأحداث في غالبيتها تتعرض لها من وجهة نظر غير محايدة ووصل الحد الي أتهام الأعلام الغربي بفبركة الأخبار واللعب علي مشاعر المشاهد كما أعتبر  المحلل السياسي مركو جاسيتيش أن " المزاعم الكاذبة والأخبار المزيفة مُنحت تفويضاً مطلقاً للظهور فيما يتعلق بملف أوكرانيا " من هذا المنطلق أتت أهمية أيصال وجهة نظر مغايرة للقارئ حتي يتمكن من الألمام لتقييم ما يدور في هذه المنطقة .

صحيفة (الحجج والحقيقة ) والتي فضلتُ ترجمتها الي (الحجج والوقائع ) صحيفة روسية مرموقة تصدر أسبوعياً مما حدا بها أن دخلت موسوعة (جينس) في عام 1990 حيث تتم طباعتها الي 33 مليون نسخة أسبوعياً. ولمصداقية هذه الصحيفة وخطها المعتدل نسبياً حتي علي أيام الحزب الشيوعي السوفيتي الذي كان يحكم أحتفظتُ بنسخ ورقية منها لفترة تزيد علي الثلاثين عاماً صحبتني في حل وترحال . سأحاول هنا أن أنقل وأتطرق لما ورد بأفتتاحية الصحيفة العدد رقم 14الأسبوعي بتاريخ 6 أبريل لكي ألقي بعض الضوء علي التناقض الذي يصل الي المشاهد من وسائل الاعلام الغربية.

جاء في الأفتتاحية : ماذا حدث بالفعل ببوتشا بالقرب من مدينة كييف ؟

تعتمد كييف على حقيقة أن الصور ومقاطع الفيديو للمدنيين القتلى المفبركة ستجبر الغرب على إمداد أوكرانيا بالأسلحة الثقيلة وأتخاذ أجراءات أكثر صرامة فيما يخص المقاطعة الأقتصادية.

خلال عطلة نهاية الأسبوع ، نشرت السلطات الأوكرانية صوراً ومقاطع فيديو من منطقة كييف ، يُزعم أنها تشهد على جرائم الجيش الروسي ضد المدنيين علي أمل تزويدها بالأسلحة الثقيلة من الغرب وفرض عقوبات صارمة جديدة علي روسيا. وعلي أثر ذلك طالبت روسيا بعقد جلسة لمجلس الأمن الدولي لمناقشة ملابسات الحادث ودراسة التناقضات في الرواية الأوكرانية التي يتم تداولها.

ذكرت وزارة الدفاع الروسية أنه خلال الوقت الذي كانت فيه (بوتشا) وهي المدينة التي كانت تحت سيطرة القوات الروسية ، لم يتعرض أي من السكان المحليين لأية أعمال عنف ولم يتم حظر المخارج منها كما أُتيحت الفرصة للسكان لمغادرة المستوطنة شمالاً حتي الوصول الي جمهورية بيلاروسيا . أشارت المذكرة الي أن المدينة كانت تتعرض بأستمرار لإطلاق النار من القوات المسلحة لأوكرانيا وأن القوات الروسية غادرت المدينة في 30 مارس ، وفي 31 مارس أكد رئيس بلدية المدينة  " أناتولي فيدورتشوك"  عدم وجود جيش روسي ، لكنه لم ينبس ببنت شفة عن إطلاق النار على أي شخص في شوارع المدينة . ولاحظت وزارة الدفاع الروسية أن "كل ما يسمى بالأدلة على الجرائم في بوتشا لم يظهر الأ في اليوم الرابع عندما وصل ضباط من إدارة أمن الدولة وممثلو التلفزيون الأوكراني إلى المدينة.

في الوقت نفسه ، يقال أن جميع جثث الأشخاص الذين نشر نظام كييف صورهم بعد أربعة أيام علي الأقل لم يكن لها بقع جثث مميزة . وأشار مراسل الحرب الروسي الكسندر كوتس الذي أمضي عدة أسابيع علي خط المواجهة في بوتشا وجوستوميل أن العديد من القتلي في الفيديو والصورة يحملون ضمادات بيضاء علي أيديهم في منطقة العمليات الخاصة وهذه علامة التعريف الخاصة بنا والتي تعني " لا تطلقوا النار" أما بالنسبة للجيش الأوكراني فإن هذه العلامة تعني " العدو" . مما يعني أن كتائب الجيش الأوكرايني قامت بسحب المواطنين الي القبو الذي يقع في أسفل البناية وتعذيبهم للحصول علي معلومات ومن ثم إطلاق النار عليهم والآن يقومون بتصوير الأشخاص الذين قتلوا علي أنهم ضحايا للعدوان الروسي مع العلم بأن من أطلق النار هم الجيش الأوكرايني .

كيف كان رد فعل الغرب علي ما ورد في مدينة بوتشا؟

في 4 مارس ظهرت معظم الصحافة الغربية علي صفحاتها الأولي بعنوان " كابوس في بوتشا" " "أبادة في بوتشا أسوأ من داعش " " القتل الجماعي للأبرياء" " روسيا يجب أن تتحمل المسؤولية عما جري في بوتشا" . هذه هي دعوة القادة الغربيين وفي رأيهم أن خطأ موسكو لا يدع مجالاً للشك مما يدعو الي أتخاذ أجراءات جديدة ضدها حتي بدون تحقيق رسمي في ما حدث في بوتشا.

وصرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "أعتقد أن ما حدث في بوتشا يلزمنا بتقديم حزمة جديدة من العقوبات وإجراءات واضحة " أنا أؤيد العقوبات التي تتعلق بالنفط والفحم بشكل خاص" .

أما بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني فهدد " سافعل كل ما في وسعي لتدمير آلة بوتين الحربية" . وكتبت التايمز أن جونسون يريد إقناع المستشار الألماني أولاف شولتز بعدم الضغط من أجل محادثات السلام بين كييف وموسكو ، و بدلاً من ذلك زيادة العقوبات ضد الأتحاد الروسي وبحسب رأي جونسون الذي عبر عنه في دائرة ضيقة ، يجب توقيع الأتفاق عندما تكون أوكرانيا في "موقف قوي" ( المقصود موقف عسكري ) وهذا لا يزال حلماً بعيداً كما كتبت صحيفة بريطانية . كذلك يؤيد الرئيس البولندي توريد أسلحة جديدة الي أوكرانيا . وهذا هو المطلوب من تأثير الصورة والفديو الذي تريد أرساله الحكومة الأوكرانية لكي يتم تحفيز العالم الغربي وعلي رأسه أمريكا بمدها بالأسلحة الثقيلة التي هي في أمس الحاجة اليها . سبب هذه الحملة الأعلامية هو ربط صورة الجندي الروسي بالأرهابي ولا غرابة أن "بوتشا" أختيرت كمشهد للتوافق مع الكلمة الأنجليزية " بوتشار" التي تعني الجزار لتأثير أعلامي أكبر. وفي رأي قصد هذه الحملة الإعلامية هو صب مزيداً من الزيت علي النار بدلاً من السعي الي وقف الحرب .

كيف ترد روسيا علي الأتهامات الغربية ؟

وفي الرد علي هذا السؤال صرحت المتحدثه بأسم وزارة الخارجية الروسية ما ريا زخارفا أن المضي في الأستفزاز وتكذيب الوقائع علي ما جري في " بوتشا" يؤدي الي تعطيل محادثات السلام وتصعيد العنف ويؤكد ذلك السرعة التي جري بها نشر هذه الفرية ، وتري زخارفا ان تصريحات رؤساء الدول الغربية تستند فقط الي مقطع من الفديو طوله حوالي دقيقة أو أقل . كما لم يتم التأكد من الفديو وفحصه عن طريق خبراء متخصصين حتي يتم القاء الضوء علي ما حدث بل تم الأدلاء والأدانة ببيانات سياسية قبل معرفة الحقيقة

وعلي عنوان آخر : كيف أثرت العقوبات ضد روسيا علي أوربا؟

علي خلفية العقوبات المفروضة علي روسيا أنخفض مستوي المعيشة في الدول الغربية . وحذر السياسيون الأوربيون ناخبيهم بالفعل من أنه يتعين عليهم في المستقبل القريب التخلي عن العديد من الأحتياجات التي أعتادوا عليها .

حكي أحدهم ، اليوم تلقت والدتي فاتورة غاز لمدة شهرين 645 يورو وعندما رأت هذا المبلغ صارت تبكي. كيف يمكنها دفع مثل هذه الفواتير عندما يتلقي المتقاعدون لدينا مبلغ 600 يورو شهرياً . مثل هذه الأسئلة يتم طرحها الآن من قبل المواطنين في جميع أنحاء أوربا . حقيقة أن الحياة المزدهرة في أوربا أصبحت تتلاشي ببطء . معدل التضخم في ألمانيا قفز الي 7.3% ولم يشهد الألمان الزيادة المفرطة في هذه الأسعار منذ 40 عاماً ووصل التضخم في الدنمارك الي 5.4% وفي أنجلترا أرتفعت الأسعار الي 8% وفي جمهورية التشيك قفز سعر البنزين بنسبة 50% . والحال في أسبانيا واليونان أسوء . أما في الولايات المتحدة فقفز سعر البنزين في شهر مارس وحده الي 18% والحرب لم تدخل شهرها الثالث بعد .

ستضرب القوات المسلحة الروسية المنشآت العسكرية في كييف إذا أستمرت القوات المسلحة الأوكرانية في محاولة التخريب

وتحت هذا العنوان ورد الآتي : أكد ممثل الإدارة العسكرية ، اللواء إيغور كوناشينكوف ، أن روسيا كشفت محاولات من قبل الجيش الأوكراني لضرب أهداف في أراضي الأتحاد الروسي وأضاف أنه إذا واصلت القوات المسلحة الأوكرانية مثل هذه الأعمال ، فسيضطر الجيش الروسي لضرب مراكز صنع القرار ، بما في ذلك العاصمة كييف ، وبحسب كوناشينكوف ، فإن الجيش الروسي أمتنع حتي الآن عن القيام بذلك . وبحسب رواية اللواء خسرت أوكرانيا في هذه الحرب أكثر من 230 وحدة من الطائرات العسكرية و447 طائرة بدون طيار، و 4.2 الف دبابة وعربة قتالية فضلاً عن مئات من قطع المدفعية .

وتشير أخبار اليوم الي أن هنالك قصف أوكرايني علي مباني سكنية روسيه وأصابت مدنيين وعلي أثر هذه الأحداث نبهت وزارة الدفاع الروسية الأ أن عدد الضربات الصاروخية الواسعة علي مواقع في كييف سيزداد رداً علي هذه العمليات مما يقلل من فرص السلام  . وفي نفس الوقت طالبت روسيا الولايات المتحدة وقف تزويد أوكرانيا بالأسلحة ، مهددة بعواقب غير معروفة في حالة الرفض . كما حذرت الصين الولايات المتحدة علي وقف جميع الأتصالات الرسمية مع تايوان .

وختاماً ، أذا لم يستمع القادة السياسيين الي صوت العقل والجلوس الي طاولة مفاوضات جادة تراعي مصالح الشعوب فإن القادم أسوء .

حامد بشري

كندا 15 أبريل 2022


hamedbushra6@gmail.com

 

آراء