الفساد (الغميس) والفاسد (الحويط)!!

 


 

حيدر المكاشفي
23 يناير, 2023

 

بشفافية –
يجادل البعض ربما بحسن نية وآخرون بسؤ نية وقصد واضح، بضرورة ان ترفع كل قضايا الفساد للقضاء للفصل فيها، ولكن ربما فات على ذوي النوايا الحسنة، (سيئوا النية يمتنعون).أن للفساد أوجه وضروب وفنون عديدة ولقبيلته خشوم بيوت وبطون وأفخاذ، أقلها شأنا وخطرا هو ما يستطيع أى مراجع مالي مبتديء كشفه، فمن فرط بساطته وغشامة مرتكبه هو أنه يترك دليلا عليه وهذا هو ما يمكن ان نسميه (الفساد أبو أدلة)، أما أخطر أنواع الفساد وأكثرها فتكا بالمال العام هو ذاك الذي لا تطاله يد المراجعة، ولو طالته لن تجد دليلا عليه وفق التعريف القانوني لـ(الادلة) وهذا ما نسميه الفساد (أبو من غير أدلة) قانونية وأوراق ثبوتية تذهب بمرتكبه الى سوح القضاء، ولكن من حكمة الله ولطفه على عباده المساكين أن جعل له دلائل وإشارات وأمارات وعلامات أخرى تدل عليه، فالدنانير دائما ما تأبى إلا أن تطل برأسها على قول الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضى الله عنه، الذي إعتبر في القصة الشهيرة مع احد عماله مجرد إطلال الدراهم والدنانير دليلا يستوجب المحاسبة والسؤال، ولكن مشكلتنا هنا مع هذا النوع الخطير من الفساد أن بعض الفاسدين يظاهرهم ذوي النوايا الطيبة، كلما أشرنا اليه تحججوا علينا بأن لا نتحدث عن أى فساد بلا دليل أو برهان عليه، وأنى لنا بالادلة والبراهين وهى حكر على هؤلاء الفاسدين ومن أين لنا أن نعلم ما ستروا وما أخفوا والدليل (الم يقل علي الحاج من قبل خلوها مستورة)..
على أيام صدر الاسلام كان يكفي أي أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له أن يرى على جسد أمير المؤمنين ثوبا جديدا ليتشكك في مصدره ثم لا يتورع من إلقاء سؤاله التجريمي عاريا بغير رتوش من أين لك هذا، ولكن ورغم هذه الغلظة والحدة وقلة (الاتيكيت)، فإن أمير المؤمنين لا يضجر ولا يغضب من السائل المتشكك دعك من أن يأمر بالقائه في غيابة السجن أو رميه في بيوت الاشباح، بل يجيبه بكل سماحة عن مصدر الثوب وكيف حصل عليه ولماذا إرتداه، أما على أيام المشروع الحضاري المزعوم فلا يكفي أن تطل الدنانير بأعناقها، ولا تكفي كل المظاهر التي تكاد تجعل كل مفسد يقول خذوني، بما امتلك من الارصدة البنكية وإبتنى من العمائر والفلل الفاخرة وامتطى من السيارات الفارهة وبنى بالزوجات الجميلات ما حدده سقف الشرع أو أقل قليلا، وهو الذي إلى عهد قريب لم يكن شيئا مذكورا إلا من وظيفة حتى هي لم يرتق اليها بالطريق المشروع،
اليس كل ذلك يكفي لينهض دليلا على إستشراء الفساد، في مفارقة مضحكة لجذور وأصول الدين وسيرة أبكاره الاوائل، حيث كانت تكفي أي حادب على مال المسلمين فقط (جلابية) جديدة يراها على جسد أي والٍ أو مسؤول حتى لو كان في مقام أمير المؤمنين، وحتى لو كان هذا الحادب من غمار المسلمين، كانت تكفي هذه الجلابية لإثارة الشك في نفسه حتى يتحقق من أمرها ويطمئن إلى أنها لم تكن على حساب مال المسلمين، كما لم يكن أي وال يجد غضاضة في السؤال أو يشعر بغبن تجاه السائل، وإنما كان يجيب بكل أريحية ولطف ولين، ولم يكن ذلك إلا لأن الاثنين، السائل من الرعية والوالي المسؤول يتظاهران على الحق، الأول بحق السؤال والشك والثاني بواجب الاجابة والتوضيح، أما الآن ورغم تكاثر مظاهر الفساد التي يكفي أقلها لإقامة مصنع كامل لإنتاج الجلاليب وليس مجرد جلابية واحدة، يقال لك إخرس وإخسأ ولا تبهت الطاهرين ولا ترمهم بغير دليل، وإن كانت لك أدلة موثقة قدمها، وهم طبعا يعلمون إستحالة معرفتك بهذه الادلة دعك عن الحصول عليها لأنها أصلا متداولة بين المفسدين أنفسهم ويتعذر وصول سواهم اليها اللهم إلا إذا إختلف اللصوص أو إنتابت أحدهم صحوة وما اندرها، ولهذا ليس من قانون ناجع وحاسم لمثل هذا النوع الغميس من الفساد غير قانون من اين لك هذا..
الجريدة
////////////////////////

 

آراء