الكيماوي يطل برأسه من جديد: تحذير عاجل من انزلاق خطير في السودان

الصادق حمدين

في تطور يبعث على القلق البالغ، أعادت تقارير إعلامية وتسريبات تحليلية تسليط الضوء على احتمال عودة استخدام الأسلحة الكيماوية في السودان، في ظل الحرب الدائرة والتصعيد المتواصل. فقد أوردت قناة اسكاي نيوز العربية تقريراً أكدت فيه، بحسب مصادر وصفتها بالموثوقة، أن المؤسسة العسكرية السودانية، عبر هيئة مياه الخرطوم، تقدمت بطلب لاستيراد نحو 800 طن من الكلور السائل، وهي كمية وصفها خبراء بأنها “خيالية” مقارنة باحتياجات مدينة الخرطوم حتى في أوقات ذروة استقرارها السكاني قبل الحرب.

هذا المعطى لم يأتي من فراغ. فقد ربط د. النور حمد بين هذه الخطوة وبين سلسلة من التصريحات التي صدرت عن قادة عسكريين وسياسيين، على رأسهم الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي شدد في أكثر من مناسبة على ضرورة “تحرير” مناطق كردفان ودارفور و”القضاء على الميليشيا”. كما أشار إلى تصريحات الفريق ياسر العطا التي تحدث فيها عن استخدام “القوة المميتة” (Lethal weapon)، وهو تعبير لا يحتمل، في سياق النزاعات، سوى دلالات تتجاوز الاستخدام التقليدي للقوة العسكرية.

ولم تتوقف المؤشرات عند هذا الحد، إذ صرح عبد الماجد سوار، القيادي البارز في الحركة الإسلامية الإرهابية، بدعوة صريحة للجيش لاستخدام الأسلحة الكيماوية “لتحرير السودان من الميليشيا”، في خطاب يعكس مستوى خطيراً من التدهور في لغة الصراع.

ويعزز هذه المخاوف ما استند إليه د. النور حمد من تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، والذي وثق مزاعم استخدام الجيش السوداني لأسلحة كيماوية، وهو ما ترتب عليه وفق ما أورده التحليل إدانة دولية وفرض عقوبات على قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

إن اجتماع هذه العناصر، كميات ضخمة من مادة ذات استخدام مزدوج، وتصريحات تصعيدية، وسوابق تقارير دولية يشكل جرس إنذار حقيقياً لا يمكن تجاهله. فالكلور، رغم استخدامه المشروع في تنقية المياه، يمكن أن يتحول إلى سلاح قاتل عند توظيفه عسكرياً، وهو ما يجعله خاضعاً لرقابة دولية صارمة.

السودان، بصفته دولة موقعة على اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية، يتحمل التزاماً قانونياً وأخلاقياً بعدم استخدام أو تطوير أو تخزين هذه الأسلحة تحت أي ظرف. وأي انتهاك لهذا الالتزام لا يُعد فقط خرقاً للقانون الدولي، بل جريمة بحق الإنسانية.

من هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الداخل السوداني وحده، بل تمتد إلى المجتمع الدولي، الذي بات مطالباً اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتحرك العاجل والفاعل. إن الصمت أو الاكتفاء ببيانات القلق لن يمنع كارثة محتملة.

وعليه، فإننا نوجه نداءً واضحاً وصريحاً إلى المجتمع الدولي، وهيئاته المختصة، المتمثلة في منظمات المجتمع الدولي المعنية بحقوق الإنسان للتحرك الفوري من خلال:

فتح تحقيق دولي مستقل وشفاف للتحقق من مزاعم استيراد واستخدام مواد كيماوية لأغراض عسكرية.
فرض رقابة صارمة على واردات الكلور السائل وغيره من المواد ذات الاستخدام المزدوج إلى السودان.
تفعيل آليات المساءلة الدولية بحق أي جهة يثبت تورطها في التخطيط أو التنفيذ لاستخدام أسلحة محرمة.

إن الشعب السوداني، الذي يعاني ويلات الحرب، لا يمكن أن يُترك لمواجهة خطر الإبادة بأسلحة محرمة دولياً. إن منع هذه الكارثة يبدأ بكشف الحقيقة، والحقيقة تتطلب إرادة دولية لا تعرف التردد.

لقد دق جرس الإنذار والتقاعس اليوم قد يأتي بالندم غداً ولات ساعة مندم.

umniaissa@hotmail.com

عن الصادق حمدين

الصادق حمدين

شاهد أيضاً

وراثة “جرائم” الدولة المهدية وتوظيف الماضي في حرب حواضن “الجنجويد” (Inherited Guilt)

الصادق حمدين في هذا الزمن الكالح، المثقل بالبؤس والألم، لم يعد استدعاء التاريخ فعلاً بريئاً، …