الحلقة (3)
د. أحمد جمعة صديق
جامعة الزعيم الأزهري
وصف المشكلة
نعيش الان في اقتصاد متسارع الخطى بفضل التقدم التقني وسهولة الاتصال وهذا يتطلب نظرة جادة لتأهيل المواطن السوداني ليكون جزءاً فاعلاً في هذا الاقتصاد الجديد وهو اقتصاد يقوم على المعرفة والمهارات العالية في استيعاب أدوات التقنية الحديثة.
ويعتبر التعليم الركيزة الأساسية للتنمية الوطنية والأداة الأكثر فاعلية في إعداد رأس المال البشري القادر على قيادة التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. غير أن المؤسسات التعليمية في كثير من الدول النامية ما تزال تُنظر إليها بوصفها مؤسسات مستهلكة للموارد العامة – كما أشرنا لذلك في مقال سابق- وتعتمدهذه المؤسسات بصورة شبه كاملة على التمويل الحكومي، دون أن تسهم بشكل مباشر في توليد الدخل أو دعم التنمية الاقتصادية المحلية. وقد أدى هذا النموذج التقليدي إلى تفاقم الأعباء المالية على الحكومات، وإضعاف قدرة المدارس على توفير تعليم ذي جودة عالية ومخرجات تعليمية تواكب احتياجات التنمية وسوق العمل.
وتزداد هذه التحديات حدة في الدول التي تعاني من الأزمات الاقتصادية أو النزاعات المسلحة أو الكوارث الطبيعية – والسودان كخير مثل – حيث تتراجع الإيرادات الحكومية في الوقت الذي تتزايد فيه الحاجة إلى توفير الخدمات التعليمية. ونتيجة لذلك، تواجه المدارس نقصاً في المباني الدراسية، والمعامل، والورش، والمكتبات، والوسائل التعليمية، والتقنيات الحديثة، فضلاً عن ضعف القدرة على استقطاب المعلمين المؤهلين والمحافظة عليهم. وينعكس ذلك سلباً على جودة العملية التعليمية ومخرجاتها.
ومن أبرز أوجه القصور في النظم التعليمية الحالية تركيزها على الجوانب النظرية على حساب التطبيق العملي. فالكثير من الخريجين يمتلكون مؤهلات أكاديمية، إلا أنهم يفتقرون إلى المهارات المهنية والتقنية وريادة الأعمال والقدرة على حل المشكلات، وهي المهارات التي يتطلبها سوق العمل المعاصر. وقد أسهم هذا الخلل في ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، واتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد الوطني. فالمطلوب تعليم يقدم معلومات معاصرة – تتحول الى تطبيق عملي على ترض الواقع – وينبغي أن يكون المنهج الدراسي ذا صلة باحتياجات الفرد و المجتمع في آن واحد.
كما تعاني المدارس من ضعف الارتباط بالمجتمعات المحلية، إذ تعمل في كثير من الأحيان بمعزل عن الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بها، رغم امتلاك بعضها كمدارس الصناعية والزراعية والنسوية موارد مادية وبشرية يمكن توظيفها بصورة أكثر كفاءة. فالأراضي الزراعية، والورش، والمعامل، والمباني، والمكتبات، ومهارات الطلاب والمعلمين، تظل في كثير من الأحيان موارد غير مستغلة بالشكل الأمثل، بينما تواجه المجتمعات المحلية تحديات تتمثل في الفقر، والبطالة، وانعدام الأمن الغذائي، وضعف فرص التنمية الاقتصادية.
وتُعد الاستدامة المالية للتعليم من أبرز التحديات التي تواجه الدول النامية، حيث تتزايد تكاليف تشغيل المدارس بصورة مستمرة، بما في ذلك رواتب المعلمين، وصيانة المباني، والخدمات الأساسية، والوسائل التعليمية، والتقنيات الحديثة. وفي المقابل، تخصص العديد من الحكومات نسبة محدودة من ميزانياتها لقطاع التعليم، في حين تستحوذ قطاعات أخرى على النصيب الأكبر من الإنفاق العام. ويؤدي هذا الوضع إلى استمرار ضعف التمويل التعليمي وتراجع جودة الخدمات التعليمية.
وفي ظل التحولات الاقتصادية العالمية، لم يعد الهدف من التعليم إعداد الباحثين عن الوظائف فحسب، بل أصبح من الضروري إعداد رواد أعمال ومبتكرين يمتلكون القدرة على الإنتاج، وخلق فرص العمل، والمساهمة في التنمية المستدامة. ومن ثم، فإن المدارس مطالبة بالتحول من مؤسسات تعليمية تقليدية إلى مراكز للإنتاج، والابتكار، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع، بحيث يصبح التعلم مرتبطاً بالإنتاج والعمل والتنمية الاقتصادية.
وانطلاقاً من ذلك، يقدم مشروع (المدارس كوحدات إنتاجية) نموذجاً مبتكراً لإعادة هيكلة المؤسسات التعليمية، بحيث تصبح مؤسسات تعليمية وإنتاجية في آن واحد، قادرة على تمويل جزء من احتياجاتها التشغيلية من خلال مشروعات إنتاجية متكاملة مع المناهج الدراسية. وتشمل هذه المشروعات الأنشطة الزراعية، والإنتاج الحيواني، والتصنيع الغذائي، والحرف والصناعات الصغيرة، والطاقة المتجددة، والخدمات الرقمية، والتدريب المهني، وغيرها من الأنشطة التي تتوافق مع طبيعة كل منطقة واحتياجاتها الاقتصادية.
ولا يهدف هذا النموذج إلى إحلال التمويل الذاتي محل الدعم الحكومي، بل إلى تنويع مصادر التمويل، وتعزيز الاستدامة المالية للمؤسسات التعليمية، وتحسين جودة التعليم، وربطه بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في بناء اقتصاد محلي أكثر إنتاجية واستدامة.
الهدف العام
يهدف المشروع إلى تحويل المدارس إلى مؤسسات إنتاجية مستدامة تدمج بين التعليم والإنتاج وريادة الأعمال والتنمية المجتمعية والاستدامة البيئية، بما يعزز جودة التعليم، ويحقق قدراً أكبر من الاعتماد على الذات، ويخفض الاعتماد المفرط على التمويل الحكومي
الأهداف
يتطلع المشروع إلى تحقيق الأهداف الآتية:
- تنويع مصادر تمويل المدارس من خلال إنشاء مشروعات إنتاجية مستدامة تسهم في تغطية جزء معتبر من النفقات التشغيلية.
- تحسين جودة التعليم عبر تطوير البنية التحتية، وتجهيز المعامل والورش، وتوفير التقنيات الحديثة والوسائل التعليمية.
- إكساب الطلاب المهارات المهنية والتقنية وريادة الأعمال والمهارات الإدارية التي تؤهلهم لسوق العمل أو لإنشاء مشروعاتهم الخاصة.
- الإسهام في الحد من بطالة الشباب من خلال إعداد خريجين يمتلكون مهارات إنتاجية وفرصاً حقيقية للعمل الحر.
- تعزيز التكامل بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي من خلال التعلم القائم على المشروعات والإنتاج.
- توسيع مشاركة أولياء الأمور، والقطاع الخاص، والبنوك، ومنظمات المجتمع المدني، والجهات التنموية في دعم المدارس وتنفيذ مشروعاتها الإنتاجية.
- الإسهام في تحقيق الأمن الغذائي عبر مشروعات الزراعة، والإنتاج الحيواني، والتصنيع الغذائي داخل المدارس.
- تعزيز الاستدامة البيئية من خلال تطبيق ممارسات إعادة التدوير، وترشيد استهلاك الموارد، واستخدام الطاقة المتجددة، والزراعة الذكية مناخياً.
- تطوير التعليم الفني والمهني بما يتوافق مع احتياجات الاقتصاد المحلي وسوق العمل.
- تشجيع الابتكار والإبداع والبحث العلمي وحل المشكلات من خلال مشروعات إنتاجية يقودها الطلاب.
11. رفع دافعية المعلمين وتحسين أدائهم من خلال أنظمة حوافز مرتبطة بالإنتاج والتميز المهني.
12. بناء نموذج مالي مستدام للمؤسسات التعليمية يضمن الشفافية، والكفاءة، والاستمرارية، ويحد من الاعتماد الكامل على الموازنات الحكومية. فما النتائج المتوقعة للمشروع؟ هذا ما نوضحه في الحلقة (4) ان شاء الله.
* استخدم الذكاء الصناعي في تحرير هذه المادة
aahmedgumaa@yahoo.com
