(كلام عابر)
أجري مؤخرا لقاء صحفي مطول مع السيد مدير عام الشرطة ، وقد تفوق سيادته بإجاباته وتصريحاته على نفسه، إذ قال أن الشرطة لم تمتنع عن إصدار الإذن لأي أحد خلال الفترة السابقة للانتخابات بإقامة أي لقاء سياسي إلا إذا كان المكان الذي سيقام فيه اللقاء قد سبق تخصيصه لجهة أخرى لنفس الغرض، وقال أن الدكتور خليل ابراهيم زعيم حركة العدل والمساواة ما كان سيستطيع أن يدخل الأراضي السودانية لولا اتفاقية الدوحة، وقال أيضا إن ارتفاع عدد البلاغات المفتوحة يعني زيادة في نشاط الشرطة وليس زيادة في حجم الجريمة، وأكد أن الشرطة جهاز”قومي” ولا يتم التعيين فيه على أساس الولاء السياسي. ولم يجد سيادته حرجا في نفسه أن يؤكد أو يقرر أن المواطن السوداني يثق تماما في الشرطة. الصحيفة التي أجرت اللقاء تصدر وتطبع وتوزع في الخرطوم وقراء الصحيفة يتوزعون بين الخرطوم وبقاع السودان الأخرى ، بمعنى أنهم (شايفين كل حاجة) ولا أعتقد أنهم سيستطيعون ابتلاع إفادات وتصريحات السيد مدير الشرطة التي آثرت أن أتوقف بالتحديد في الجزء مها الذي يتعلق بما وصفه سيادته بثقة المواطن السوداني في جهاز الشرطة. غني عن القول أن سيادته يعلم أكثر من غيره أن هذه الثقة قد تراجعت خلال السنوات الماضية حتى بلغت الآن أضعف حالاتها لأسباب يعلمها ، بعضها من صنع الحكم وبعضها يعود لجهاز الشرطة نفسه مجموعة وأفرادا، وبعضها يعود لمزاج المواطن السودانيٍ. ما صنعه الحكم هو تجريد الشرطة من صفة القومية مثلما فعل بالخدمة المدنية والخدمة العسكرية،وأصبح التعيين والترقي يقوم على أساس الولاء السياسي وقد بلغت هذه الحالة ذروتها في سنوات التمكين الأولى، كما إن الدولة قد استغلت جهاز الشرطة في تحصيل الجبايات وكان ذلك يتم بقدر كبير من التعسف مما أعاد للأذهان حالة من التاريخ حينما كانت دولة الحكم المصري التركي في السودان تمارس عنف الدولة في أبشع صوره وهي تتحصل الإتاوات والجبايات المختلفة، وكان ذلك العنف من أهم أسباب قيام ونجاح الثورة المهدية.صحيح أنه قد توقف استغلال الشرطة كعنصر في فريق الجبايات بعض الشيء ولكن الذاكرة السودانية ما تزال تختزن مشاهد تلك الحقبة.
هناك بعض الممارسات السالبة لبعض رجال الشرطة وهي إن كان يصعب إثباتها لأن الإثبات يتطلب الدخول في متاهات قانونية وإجرائية لم يألفها المزاج السوداني ، فلا ينفي هذا وجودها، وقد اعتاد المواطن على التعايش معها وقبولها كأمر واقع فرضته ظروف اجتماعية واقتصادية ومعيشية معينة تصيب كل المجتمع وتلقي بظلالها السالبة عليه، ولكنها،أي هذه الممارسات، تقضي على الثقة والاحترام.
لاستعادة ثقة المواطن السوداني في الشرطة لا بد من أن يقر من بيدهم الأمر بأن هذه الثقة إن لم تكن مفقودة تماما فهي في أدنى درجاتها ، الاعتراف بوجود المشكلة نفسها أساس ضروري لحل المشكلة. استعادة ثقة المواطن في الشرطة مسئولية مشتركة وجهد متبادل بين الشرطة كجهاز والمواطن السوداني كفرد وكمنظمات وكيانات اجتماعية، ولكن لابد أن يسبق ذلك العمل على معالجة الممارسات السالبة المسكوت عنها والتي يسأل عنها المواطن والشرطة على حد سواء.
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم