عودة السودان إلى أحضان القارة الأم “أفريقيا” .. بقلم: د. حسن حميدة – ألمانيا


التفكير في تعليق عضوية السودان أبديا في الجامعة العربية: الدول التي تقف أمام التحول الديمقراطي للسودان، وللأسف الشديد هي كلها دول عربية. دول تدين بالدين الإسلامي وتتحدث اللغة العربية كلغة أم. تأتينا مرة وتقول لنا كشعب سوداني: نحن دم ولحم، تجمعنا بكم العروبة، ويجمعنا بكم الدين – تجمعنا بكم الأصالة، وتجمعنا بكم الجيرة، ونبينا الكريم وصى على الجار. هنا نقطة وقوف وسؤال: لما كل هذا التكلف ولما كل هذا العناء، إذا كنتم تقولون شيئا، وتفعلون شيئا آخر، هو لما تقولون نقيض؟ هل هو الكذب على شعب لازم لمكانه ومستقل بذاته، هل هو الاستخفاف بعقول أفراده، هل هو تطبيق للعنصرية في شعب آخر، تجمعكم به أشياء “الدين، اللغة”، وتفرقكم عنه أشياء أخرى “لون بشرته، تقاطيع وجهه”؟

ربما كانت كل هذه الأشياء الداعي الأول لكي يتبرأ منكم السودان كقطر قائم بذاته أبديا. وهنا أعني عندما أتحدث عن السودان كقطر، وكبقية أفراد الشعب السوداني، أتحدث من صميم القلب عن شماله وعن جنوبه، عن ما تبقى لنا من سودان، وعن نصفه الذي ضاع سدا. ضياع النصف الآخر منه بالرغم من وجوده، وبعد أن انفصل أكبر قطر في القارة الأفريقية وأصبح دولتين. وكما تعلمون لقد انفصل السودان بمساعدتكم أنتم في أمر انفصاله وغير متحسرين. وهنا ليس بوسعنا غير أن نقول: شكرا لكم على الجهود التي بذلتموها من قبل، لكي يتباعد الطرفين على مر الأيام والسنين. كل سوداني يدري الدعم السخي من جانبكم كدول بالأسلحة الثقيلة، حتى يتبارى الطرفين في التحارب ويؤججوا العداء، لكي يتحقق حلمكم الكبير “الانفصال”. الشيء الذي لا يخفى حتى على أطفال السودان، ما هو الكيد الذي تكيده بعض الدول للسودان بإسم العروبة وبإسم الإسلام، والذي هو بريء منكم وبما تكيدون.

ما هو الشيء الذي تبقى لكي يربطنا بكم كدولة أفريقية في جامعة عربية بعد آخر التطورات؟ الدين الإسلامي الذي يربطنا هو لله عز وجل، وليس مقصور على دولة عربية بعينها، واللغة العربية التي نتحدثها، هي لمتحدثها، تثقيف آخر، ووسيلة لفهم الكتاب الكريم. وأما عن السودان، فعليكم أن تعوا جيدا أن السودان للسودانيين. هذا القطر الذي هو في المقام الأول دولة أفريقية، أولى له أن يعود الآن إلى أحضان أفريقيا “القارة الأم”. أن يكون هناك محميا منها ومن أهلها البسيطين، بموقعه الجغرافي والثقافي والاثني. هنا نرى رابط أوجه التشابه بين شعوب أفريقيا، واختلافهم عن بقية شعوب الدول الأخرى، خصوصا الحانقة والحاقدة عليهم بلدانا وبشرا. من الدول العربية ما يحاول استبذاذ إنسان السودان عبر السنين، ومنهم من يستنفد طاقاته المتمثلة في ثرواته وموارده، ومنهم من يلعب بوضعه السياسي ومستقبل أجياله. العودة إلى أحضان أفريقيا هي الحل، وهذا على الرغم من فقرها وجوعها. الشيء الذي أصبح حقيقة، وأضحى باب لا بد للسودان من طرقه. وهذا حتى يتمكن السودان من الخروج من عنق الزجاجة، التي أدخل بداخلها عنوة، بإسم الدين ووبإسم العروبة، ؟؟العنصرية الموجهة للسودانيين كشعب أسود اللون وفي وطنه لا يمكن التستر عليها، وتقولون وترددون: لا فرق بين عربي أم عجمي إلا بالتقوى؟؟ لم ينقطع أمل السودان أبدا في أفريقيا، أم القارات، وهذا إذا كان الأمر يخص السودان، شماله وجنوبه – القطرين، القطر الواحد. وليعلم الكل بأن أفريقيا كقارة، قادمة للعالم بموقع لا يصدق قدومه المنتظر. أفريقيا قادمة وبأبسط المقومات التي يمكن أن يتصورها الإنسان، بإنسانها الموهوب، وبخيراتها الطبيعية الغير محدودة.
هنا تستوقفنا الواقعية التي لا تعرف الصدف: لا بد لنا من أن نقارن النجاحات التي تمكنت جامعة الدول العربية، والتي ينتمي إليها السودان، من تحقيقها حتى الآن. الملمة الجامعة “جوغة دول لا يربطها شيء”، والتي لا يجمعها شيء سوى أنها دول تجتمع، وتفض اجتماعها من دون إتفاق. كيف للسودان، لأن يستفيد من الجامعة، التي لا تسموا إلى التسمية الجميلة بشيء؟ كيف يصح للسودان أن يكون حليف لدولها الأعضاء، والتي إذا نجحت في شيء، استخدمته وحرضته على الاقتتال مع شعب بريء ومسالم كشعب اليمن المسالم، والذي هو كشعب أثيوبيا الصديق، الشعبين الأكثر قربا لشعب السودان عن غيرهما من الشعوب؟ نعم السودان معروف، وحتى للبريطانيين والأتراك في استعمارهم له برجاله الأشاوس “الأسود”، ولكنا غير مستعدين لمحاربة كل من هو أقرب إلينا من الشعوب، كشعبي اليمن وأثيوبيا الشقيقين. الشيء الذي يجعل كليهما يتساءل بذهول، ما هو الشيء الذي أصابنا نحن السودانيين، وما هو الشيء الذي حصل لنا لكي نقاتلهم؟ إنها الفتنة، وأسوأ الفتن هي التي تفتك بالجار والقريب. نقول هنا للشعوب التي تريد أن تتحرر أو تبرهن قوتها لغيرها من الشعوب، عليها أن ترسل أبناءها كمحاربين، وليس أبناء السودان للحروب، لكي يموتوا بثمن رخيص. عليهم أن يقاتلوا بأنفسهم، ويمكن لهم أن يتفاخروا بعد حروبهم، بأنهم حاربوا وانتصروا بقوتهم ومقوماتهم الذاتية.لنقارن دول أفريقيا السوداء، التي لم تتدخل حتى الآن في شأن من شؤون السودان الداخلية، وهذا بالرغم من أنها هي الدول الأقرب للسودان في كل شيء عن غيره. الدول الأفريقية التي تحترم قيمة الإنسان في دولته، وتراعي سيادته وحدوده السياسية والجغرافية. دول تلزم مكانها، ولا تطأ حدود دولة من الدول، لها حكومتها ولها كيانها. هذا بالمقارنة إلى الدول العربية، التي صارت دخيلة على السودان في داره من باب العروبة، ومن باب الدين. هدفها الأول والأخير، سلب السودان ذاتيته، والرمي بكينونته في سلة المهملات. وهذا بعد الاستفادة من ثرواته ومدخراته الطبيعية والإنسانية، وعلى منهاج كلنا في الدين والعروبة أخوان. E-Mail: hassan_humeida@yahoo.de


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك