أخبار عاجلة

في رثاء صلاح الدين الفاضل.. وداعا أيها الجميل

صلاح حسن أحمد

كل قلب جميل يخفق حتى بعد سكون الجسد.. مثل ذلك الذي كان يحمله صلاح الدين الفاضل. ولذا فها هو الآن أمامي كما كان دوما، صورة لم تبهت ورنين صوت لم ينشز وضحكة لم يتعكر صفاؤها رغم ضباب الزمن المتراكم بيننا على مدى عقود من الزمن.
كل سر نبيل يسطع بجماله.. مثل ذلك الذي جعل من صلاح نسيجا إنسانيا متفردا. ولا يطول بحثي عن سرّه ذاك لأن الساطع فيه هو حبه لعمله ولمن حوله وللحياة. وشبه اليقين أنه كان أسعد خلق الله إنسانا في حياته اليومية بسبب اشتغاله بمهنة وهبها قدرا من الشغف والحب لن تجد مثلهما لدى غيره. ولهذا صعد على السلم الوظيفي حتى تسنم منصب المدير العام للإذاعة السودانية، وهي المؤسسة الأكبر على الإطلاق في ما يتعلق بالتعليم والتنوير والترفيه على مستوى الأمة. وكان هذا تطورا طبيعيا لأن مستلزمات هذا المنصب كانت وصفا دقيقا لمؤهلات صلاح ودرايته بالعمل الإذاعي وقدرته الطبيعية على الإدارة والارتقاء بكل شيء يقع بين يديه، ولذا يصح القول إن المنصب هو الذي كان يبحث عنه.
في السبعينات، (العصر الذهبي للدراما السودانية) تنامى اتجاه وسط المشتغلين بالمسرح والتشكيل نحو اعتبار العنصر المرئي الأهم مطلقا على الخشبة. ووجد هذا التيار سندا منيعا بعد زيارتين قام بهما المخرج الألماني فولفرام ميهرنغ مؤسس “مسرح الماندراغور”. فقد ضرب هذا الألماني الشهير على وتر حساس بدعوته إلى تفوق العنصر المرئي فتقاطر إلى ورشة عمله نفر من طلاب معهد المسرح ممن وجدوا فيه خروجا حميدا على سلطان الأكاديميات. ورغم ان صلاح الدين الفاضل، بخياله الذي لا يعرف الحدود، كان قادرا على الإخراج المسرحي والتلفزيوني المعتمد على المرئي أولا وأخيرا، فقد امتنع عن السباحة مع التيار وظل وفيا لرأيه القائل إن الدراما المسموعة هي الأداة الفنية الأكثر فعالية عندما يتصل الأمر بالتنوير الجماهيري. ففي نهاية المطاف، هذه بلاد يتمتع فيها الراديو – وليس المسرح أو التلفزيون – بالانتشار.
وكانت دار صلاح مقصدا للإعلاميين والممثلين والموسيقيين والكتّاب وغيرهم من كبار المثقفين الذين استمالهم إلى دار الإذاعة “حتى ينتفع الناس بعلمهم” كما كان يقول. وكانت داره أيضا استراحة بسط فيها جناحي رعايته على طلاب معهد الموسيقى والمسرح خصوصا وبينهم من كان في عمره ومن كان أكبر سنا منه. فصاروا جميعا يلتقون عنده ليس للأنس وحده وإنما طلبا أيضا للعلم من كتبهم ودفاترهم ومناقشاتهم وفوق ذلك الحضور الذي كان يتمتع به صلاح ومعرفته العملية والنظرية بفنون الدراما. ثم أضف إلى كل هذا قدرته المدهشة على فتح كل القنوات الممكنة أمام طلاب المعهد وإشاعة الطمأنينة بينهم في جدوى ما يسعون إليه، رغم أنهم يعيشون في بلاد تعتبر الدارسين في غير جامعة الخرطوم فاشلين أكاديميا.
وعلى مبعدة من الهموم الثقافية وإن كانت الصلة واضحة، تمتع صلاح بمقدرة مدهشة على التقاط الجمال في العادي، فقلب الموائد على القواعد والاستثناءات لأن كل شيء في نظره يحمل سرّا لا تجده في غيره. خذ الفول الذي أتى به البارحة من كشك صغير في ركن مهمل لا يلفت الانتباه.صحن الفول هذا، تبعا له، مطعّم بالبصل والشمار وزيت السمسم و”نص طماطماية وطعمياية واحدة”. أيوجد شيء أكثر عادية وإلفة من هذا أيها السادة؟ ولكن عندما يحدثك صلاح عن هذا الفول، يسبغ عليه فرادة تقنعك تماما بأنه ليس ذلك الذي ازدرته أكثر من أي طعام آخر في حياتك، وإنما هو طبق اقتضى أمره أن تجتمع فيه مهارات طهاة العالم أجمع لإنجازه. والناتج: أنك تشتهي الفول فقط لكي تتذوق طعم ما تناوله صلاح في تلك الأمسية.
كان أيضا خفيف الوقع على القلب وضمن تلك القلة من الذين يملأونك بإحساس جميل وأنت تلتقي بهم للمرة الأولي، فيخيّل إليك أن اللقاء امتداد لعلاقة سنوات طويلة. وأذكر لقاءه أبي في بيتنا للمرة الأولى. تركتهما في الديوان دقيقتين أو ثلاثا لأرجو من جدتي تجهيز أكواب الشاي المنعنع. وعندما عدت إلى الديوان وجدت “صديقين” يتبادلان الحديث الضاحك وكأنهما يسترجعان حدثا طريفا شهداه سويا. وعندما وقعت عين صلاح عليَّ أشار إلى أبي وقال لي: “بختك يا اصلاح، ديل الأبهات ولا بلاش”. وخاطبتي أبي وهو يشير إلى صلاح: “وبختك تاني يا صلاح. ديل الأصحاب ولا بلاش”. فوجدتني أتلذذ بابتسامة فرح عارم وتمتمت لنفسي “والله بختي بيكم انتو الاتنين”.
شرّفني صلاح بإخراج كل أعمالي الدرامية الإذاعية في عقد السبعينات. وأورد حدثين يلقيان في ظني بعض الضوء على قدرات صلاح الإبداعية وموهبته الطبيعية في مجال الإخراج. كانت الأولى في تمثيلية (“التقرير الأخير” إذا أسعفتني الذاكرة)، عن سوداني يجد نفسه معتقلا ثم ماثلا أمام محكمة دولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في رومانيا عندما كان جنرالا خلال الحرب العالمية الثانية، وهو الذي لم يخرج من السودان ولا علاقة له بأي منصب عسكري دعك من أنه ولد بعد الحرب العالمية بسنوات. وكان تصوّر صلاح أن يكون صوت البطل في عتامة الموضوع. وظل يبحث عن هذا الصوت إلى أن قال لي بابتسامة عريضة: “مكي سنادة عنده وجع حلق الايام ديل وصوته زي البعاتي. دا زولنا”. وفعلا تم التسجيل بصوت سنادة – هذا الممثل المقتدر – وكان صوته المجروح هو العمود الذي وضع العمل على مستوى ما كان سيبلغه بدونه.
وعندما أخرج لي صلاح مسلسل “الحياة مهنتي”،كانت الموسيقى، دون غيرها، أكبر همومه. واعترف بأن خوفا أصابني من ان يقرر استعارة نماذج من الموسيقى الكلاسيكية الغربية التي تعج بها مكتبة الإذاعة. لكنه طمأن قلبي عندما قال لي: “دا شغل لطلاب معهد الموسيقى.” وقادنا المطاف للاتفاق مع الموسيقيين محمد بلّة ومحد آدم المنصوري ومحمد عجاج. فجلس معهم صلاح وحدثهم عن موضوع المسلسل وتصوره للموسيقى المصاحبة. وكان بين أهم ما طلبه إليهم أن يأتوه بقطعة موسيقية تصاحب البطل وأخرى للبطلة تهيئان الأذن لمقدم كل منهما. وهذا وحده يثبت دراية صلاح بلبنات العمل الدرامي وأن الموسيقى عنده ليست استراحات للمستمع بين مشهد وآخر وإنما جزء عضوي من الدراما لا يكتمل العمل بدونه. وعموما بدا صلاح كمن يتناول النص من زاوية تهمّه شخصيا.. كأنه الأصل الحقيقي للبطل في نسيج الخيال هذا.. أو ربما خُيّل إليّ ذلك لأن انطباعي عنه أنه كان يعتبر الحياة نفسها مهنته.
عندما تلقيت نبأ وفاة صلاح الدين الفاضل كنت كمن فقد كل أحبابه دفعة واحدة لأنني كنت في رفقته أصبح إنسانا مطمئنا متصالحا مع هذه الدنيا. ولا مراء في أن غيابه كمٌّ هائل يضاف إلى خسائرنا الفادحة في الآونة الأخيرة وسط المبدعين أصحاب الأثر في الساحة الثقافية السودانية. لكن صلاح كان في نظري حالة خاصة ولذا فإن حزني عليه حالة خاصة.. عليك شآبيب الرحمة يا صلاح ورفع الله مقامك في الجنة لأنك خلف الكواليس غسلت بالحب النبيل قلبك من الضغائن والصغائر، ومددت يدك لكل محتاج، وأنفقت عمرك ومواهبك طوعا لخدمة أمتك.

wadsakina@gmail.com

عن صلاح حسن أحمد

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor