كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
تحيل عبارة Deja vu إلى تجربة تبدو مألوفة إلى حد التطابق، وكأن المشهد قد عُرض عليك من قبل بكل تفاصيله… هذا هو الانطباع الذي يفرض نفسه مع مؤتمر برلين حول السودان 15 أبريل 2026م، الذي يأتي امتداداً لسلسلة بدأت في باريس ثم لندن، مع توقعات باستمرارها في عواصم أخرى. تتكرر المؤتمرات، وتتغير القاعات، بينما تبقى النتيجة في حدود الوعود والتعهدات، وعبارات التآذر في وقت تتسارع فيه معاناة الناس على الأرض بوتيرة لا تعرف الانتظار.
غير أن ما يستحق التوقف لا يتعلق فقط بتكرار المؤتمرات، وإنما بما تكشفه من حالة أعمق.. هي تآكل السيادة السودانية، إلى الحد الذي أصبحت فيه البلاد موضوعاً دائماً للنقاش في الخارج، دون حضور فعلي لمن يملك القرار داخلها.
اعتراض الحكومة السودانية على مؤتمر برلين بسبب عدم دعوتها يفتح باباً لسؤال أكثر جوهرية.. كيف وصلت السيادة إلى وضع تصبح فيه موضوعاً للتداول الخارجي بهذا الشكل المتكرر؟ وفي هذا السياق، جاءت إعتراضات سفيرة السودان في ألمانيا الهام إبراهيم عن “التعامل بالمثل” لتضيف بُعداً آخر للمشهد. حديث يحمل قدراً من الحدة، دون أن يقدم مضموناً عملياً يمكن الإمساك به، إذ إن فكرة “المعاملة بالمثل” في العلاقات الدولية ترتبط أساساً بميزان القدرة والتأثير، وهي تفقد مضمونها حين تُطرح بمعزل عن أدوات القدرة الفعلية. وتبقى موضوعة للتفكه والتندر.
على عموم الأمر، تتحول المؤتمرات الدولية في هذا المشهد إلى ساحة موازية للصراع، تُسجَّل فيها نقاط متبادلة، بينما تبقى القضية الأساسية — وخاصة الإنسانية — عالقة في مستوى التعهدات. وقد تقاطعت المؤتمرات الثلاثة — باريس ولندن وبرلين — في الدعوة إلى فتح مسارات آمنة للمساعدات الإنسانية، غير أن هذه الدعوة تظل معلقة ما دامت منفصلة عن الفاعلين الحقيقيين على الأرض. ففي الحالة السودانية، يتركز هذا الدور في قوتين واضحتين… الحكومة وقوات الدعم السريع. وتغييب هذين الطرفين عن النقاش المتعلق بالوصول الإنساني يطرح سؤالاً عملياً وفنياً مباشراً: كيف يتسنى فتح مسارات في الميدان دون حضور من يملك السيطرة عليه؟ الممرات الإنسانية تُبنى عبر ترتيبات ميدانية تتطلب اتفاقاً مباشراً، وضمانات متبادلة، وآليات تنفيذ واضحة. وأي تصور يتجاهل هذه الحقيقة يظل أقرب إلى الرغبة منه إلى الخطة.
ويمتد الإشكال إلى قضية وقف إطلاق النار. فأيما مبادرة لا تتضمن آلية رقابة فعالة قادرة على المتابعة وفرض الالتزام تظل محدودة الأثر. فوقف القتال يحتاج إلى منظومة تشمل المراقبة، والتوثيق، والمساءلة، وفرض كلفة على من يخرقه. وهو ما لم يفلح أي من المؤتمرات في رسم حدود له… وتتجلى المفارقة في أن المؤتمرات تتحدث عن مليارات وتُصاغ التعهدات بلغة دقيقة، بينما يظل السؤال البسيط حاضراً بإلحاح… كم من هذه الموارد وجد طريقه فعلياً إلى من يحتاجه؟ إن وجبة متواضعة تُقدَّم في تكية لجائع في معسكر نزوح تحمل أثراً مباشراً يفوق كل ذلك، لأنها تلامس الحاجة في لحظتها. في المقابل، تتحرك التعهدات الدولية ضمن مسارات إجرائية معقدة تستغرق من الزمن ما يفوق قدرة الحاجة على الانتظار. فالجوع المرتبط بالكوارث لا ينتظر نتائج المؤتمرات، والكرامة الإنسانية تُقاس بما يصل إلى اليد، ويقيم الأود ويوفر الحماية، لا بما يُعلن في القاعات.
مهما يكن من أمر…ثمة إشكالية أخرى لا تقل تعقيداً، وهي قضية تقابل الإرادات. فإذا كان الفاعل الداخلي يمارس إرادته ضمن حدود تدفع نحو استمرار التصعيد، فإن المنطق نفسه يطرح سؤالاً موازياً حول إرادة المجتمع الدولي. غير أن ما يتكشف في الحالة السودانية هو نمط تتحرك فيه الأطراف الدولية ضمن حدود إرادة تكاد تكون منعدمة، تكتفي بالتعبير عن “القلق” وتُعيد إنتاج الأدوات نفسها… بيانات، وتعهدات، ومؤتمرات دورية. هذه الأدوات تُبقي الأزمة حاضرة في الخطاب، دون أن تغيّر اتجاهها في الواقع. ففرض السلام يتطلب استعداداً لاختبار الكُلفة، واستخدام أدوات ضغط حقيقية، وتجاوز دائرة الراحة الدبلوماسية. وفي غياب هذا الاستعداد يستمر المسار التصاعدي للأزمة، بينما يظل التدخل الدولي محكوماً بإيقاع العجز. وهكذا تتقابل إرادتان غير مكتملتين… إرادة داخلية تمضي بالحرب إلى مداها، وإرادة دولية تراقب وتُعبّر دون أن تبلغ الحد الذي يغير المعادلة.
في 15 أبريل، تدخل الحرب في السودان عامها الرابع، في امتداد زمني يكشف حجم التعطل في الإرادة ويُراكم كلفة إنسانية تتزايد يوماً بعد يوم. وتآكل السيادة يتحرك عبر درجات متصاعدة، يبدأ بمناقشة الشأن السوداني في منصات خارجية دون حضور الدولة المعنية، ثم يمتد إلى مستويات أكثر تأثيراً، وقد يصل — كما شهدنا في حالات أفريقية مشابهة وحتى في السودان نفسه — إلى فرض ترتيبات أمنية أو نشر قوات لحفظ السلام. هذا المسار يتسع كلما تراجعت القدرة الداخلية على إدارة الأزمة، وكل درجة تُمهّد لما يليها، إلى أن يصبح التدخل الخارجي أكثر مباشرة وعملية. وإذا مضت الأطراف الدولية — ومن بينها ألمانيا وشركاؤها — في هذا الاتجاه، فإن النقاش سيتحول حتماً إلى الكلفة والمآلات.
أيّهما أكثر كلفة على السودان… تآكل متدرج في السيادة قد يفضي إلى فرض السلام، أم حرب مفتوحة تستنزف الإنسان والدولة معاً دون نهاية قريبة؟
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم