ما العمل أذا لحقت الهزيمة (بوتين) 

 


 

حامد بشري
29 مايو, 2022

 

في سلسلة المقالات السابقة عن الصراع الروسي / الأوكرايني وفي المقال الأخير المعنون (الصراع المستعر بين الغرب والشرق في أوكراينا) رأيت أنه من الأفضل أن أنقل بتصرف وجهة نظري حول هذه المشكلة التي أصبحت تتعقد علي مدار الساعة وخاصة بعد أن قدمتا دولتي فلندا والسويد طلبهما للأنضمام لحلف الناتو . مما يزيد المشكلة تعقيداً محاصرة روسيا من بحر البلطيق حال أنضمام الدولتين الي حلف الناتو الذي أصبح جزءً من المعادلة العسكرية والسياسية التي باتت باتت تخوض الحرب بالوكالة في هذا الصراع مما يشكل خطورة علي الدولة الروسية . وفي الختام سأتعرض علي ما جاد به الدكتور حامد فضل الله نقلاً وترجمة عن (مارتن شولز)، الرئيس السابق للبرلمان الألماني (البندستاغ) ورئيس الحزب الأشتراكي الديمقراطي سابقاً .

في المقال الأول بعنوان ( ليس دفاعاً عن بوتين ولكن ... ) أوردت بعض الحقائق الهامة التي يجب وضعها في الأعتبار، من ضمنها أن هنالك صراع غير معلن يديره الأوليغارشييون الذين يتحكموا في أوكراينا هدفه الرئيسي تقسيم أغنى الأراضي الأوكرانية ، وقد تكون أكثر الأراضي خصوبة على وجه الكرة الأرضية ، والكنز الحقيقي الذي تمتلكه أوكراينا . ولإعطاء القارئ فكرة ننبهه الي تربة الخصبة بأوكراينا في أقليم (الدنباس) حيث يمتد عمقها الي حوالي المترين مما يعني أنها تصلح لزراعة عدة محاصيل الشيئ الذي جعلها تساهم بنسبة عالمية عالية في زراعة القمح الذي يشكل الغذاء الرئيسي لدول أفريقية عديدة من ضمنها السودان . العقبة الأساسية في حيازة هذه الأراضي للأوغارشية الأوكراينية هي القانون الأوكرايني الحالي الذي يمنع تملّك الأجانب لأراضي الدولة وفي هذا الصدد وعد الرئيس (زيلينسكي) أنه سوف يلغي هذا القانون ، أنصياعاً لشروط البنك الدولي (وتقرأ أمريكا) حال نجاحه في ضم شرق أوكراينا المنطقة المتنازع عليها (أقليم الدنباس) الي دولة أوكراينا. التوقيع علي هذا الألغاء الذي يمنع تملك الأجانب لأراضي الدولة يهدّد أوكراينا بكارثة مجتمعية وبئية ، حيث يتم تحويل هذه الدولة تدريجياً إلى مستعمرة . ولتقريب الصورة أكثر في دواعي الحروب وآثارها وتداعياتها علي السكان الأصليين ، يجدر بنا أن نقارن بين هذه السياسة المتبعة في أوكراينا ومثيلتها في الإبادة الممنهجة في أقليم دارفور. هذه هي أحدي الأسباب التي تجعل (زيلنسكي) يرفض الوفاء بشروط أتفاقية مينسك التي أنهارت في يناير 2015 والتي تمنع الأجانب من تملك أراضي في أوكراينا . هذا ما كان عليه الحال في الماضي ، أما الآن فأن مطالب أمريكا سترتفع لدفع فاتورة التأهيل التقني والعسكري للجيش الأوكرايني ومرتزقة (آزوف) علي داير المليم مما يهدد الدولة عملياً بالإفلاس ، علاوة علي الهجرة التي فُرضتها الحرب الجارية علي الكادر البشري الذي يؤثر سلباً علي الدخل القومي .

وفي المقال الثاني تطرقتُ الي الموقف العالمي لهذه الحرب التي أُطلق عليها " العملية العسكرية الروسية الخاصة " حيث وضعتْ رئيس الوزراء الروسي فلاديمير فلاديميرفتش بوتين أمام خيارين أحلاهما مر أما وضع نهاية لمسار الولايات المتحدة علي العالم ورسم خريطة جوسياسية جديدة تنهي عنجهية وهيمنة الولايات المتحدة التي تعتقد أن عليها سيادة العالم أو أنتصار للفاشية والنازية الجديدة بحليفها الرئيسي الولايات المتحدة وتبعاتها من الدول الغربية . وفي هذا الأتجاه يُجري الأستقطاب العالمي الحاد مما حدا بروسيا لأستخدام سلاح الطاقة والغاز وفي هذا تسعي بنشاط محموم لتكوين محور يضم الدول المنتجة لهذا المورد أضافة الي لجوئها للتهديد بالأسلحة النووية والتي ليس من المستبعد أن يضم حلفها في هذا المنحي الصين وأيران وكوريا الشمالية . لا يفوتنا أن نذكر أن أستخدام الطاقة كسلاح أجبرت في بعض الحالات الأنصات الي صوت الشارع في غرب أوربا مما ساهم في أضعاف معسكر الناتو وتسبب في عدم أتخاذه لموقف موحد مثال ( المانيا ، المجر، بلغلريا ، النمسا، اليونان) الشيئ الذي فرض علي بعض الدول الشروع في شراء الطاقة بالعملة الروسية (الروبل) بدلاً من الدولار.

وفي ذات الإتجاه نري أن أمريكا بسياستها التي يتبناها بايدين تقود الي الدفع بروسيا للدخول في أوكرينا حتي تعود الحرب الباردة علي ما كانت عليه علي أمل أن تزدهر صناعة السلاح ومبيعاته ويعود الأقتصاد الأمريكي لعافيته بعد الجائحة التي مرت بالعالم وبالسير في المقاطعة الأقتصادية تحاول الولايات المتحدة الأمريكية أن تفرض عزلة علي روسيا متناسية في ذات الوقت أن هنالك أمكانية حقيقية لتلاقي المصالح المشتركة ما بين روسيا والصين والهند وكوريا الشمالية.

وفي الجانب الآخر نجد التدخل الأمريكي في شئون دول العالم وفي تغيير الأنظمة والحكومات يزداد حدة وبوتيرة سريعة و أوشك أن يكون ظاهرة عادية مثلها ومثل الكوارث الطبيعية من زلازل وفيضانات تتقبلها دول المعمورة راضية مرضية . تمثل ذلك في غزو العراق ، أفغانستان ، شيلي ، بنما ، نيكاراجوا ، غرانادا ، الكويت ، يوغسلافيا ، سوريا ... الخ . ورد في بعض الأدبيات أن أمريكا تدخلت وحاولت التدخل لتغيير الحكومات في حوالي 52 قطراً . ومن المفارقات أن حكومة أوكراينا بقيادة (زيلنسكي) التي تعترض حالياً علي تدخل القوات الروسية في الجزء الشرقي من أوكراينا لحماية المواطنيين الذين يتحدثون اللغة الروسية هي نفسها قد شاركت فعلياً مع الجنود الأمريكان في غزو العراق متبعة سياسة الكيل بمكالين .

أما المقال الثالث المعنون ب (الصّراع المُسّتْعر بين الغرب والشرق في أوكراينا) أحتوي علي ردود لوجهة نظر باحث أمريكي (جون ج. مير سهايمر) كما أوردها حامد فضل الله حيث قام الكاتب والصحفي(دانيل آرك)  بإجراء حديثٍ مع المؤرخ والخببر الأمريكي الاشهر في الولايات المتحدة بأوكراينا والذي الف العديد من الكتب حول أوربا الشرقية (تيموثي سنايد)  وقد تم نشر المقابلة في الصحيفة اليومية البرلينية

 " Tagesspiegel " بتاريخ 14 أبريل 2022 .

حديث المؤرخ الأمريكي به كثير من المغالطات ومحاولة طمس للحقائق التاريخية التي لا تزال عالقة بأذهان الكثيرين ممن عايشوها واللذين ما زالوا علي قيد الحياة . نورد هنا  بعض الأمثلة :

تحدث  أشهر خبير أمريكي بالشأن الاوكرايني في الولايات المتحدة حيث ذكر :( من الواضح أنّ حديث بوتين عن "نزع النازية" كان يدور حول تدمير الأمة الأوكرانية، ولم يكن لها أي علاقة بالنازيين الفعليين، لأنّ روسيا نفسها تدعم النازيين. ولكن وفقاً للتعريف الروسي الرسمي، فإن أي أوكراني يرفض الاعتراف بأنّه روسي في الواقع هو نازيّ. وعن طريق "نزع السلاح" عنىَ بوتين تدمير الدولة الأوكرانية ذات السيادة. لا يمكن أن تكون أي دولة ذات سيادة منزوعة السلاح) . أنتهي حديث الخبير الأمريكي بالشأن الأوكرايني .

هذا حديث عار من الصحة وضد حقائق التاريخ التي تؤكد التضحيات الكبري التي قدمها الجيش الأحمر مقارنة مع جيوش الحلفاء من أجل هزيمة النازية . وصادف التاسع من مايو الجاري إحتفال جمهورية روسيا نيابة عن كل القوي المحبة للسلام بعيد النصر علي الفاشية حيث ضحي أكثر من27 مليون سوفيتي بأرواحهم خلال سنوات الحرب فداءً للبشرية والدول الأوربية خاصة من التوسع النازي في عام 1945 وحموا أوربا والعالم بأسره من المآسي التي كانت ستعقب وباء النازية في حالة إنتصارها. وفي أستعراض تاريخي علي عجل علينا أن نتذكر أنه  وُلدت علي يد النازية أبشع أفكار العنصرية وأفظع مصانع الموت المتنوعة والرهيبة مثل معسكرات (أوشفتس) و(بوخنف فالت) وغيرها .

طمس الحقائق التاريخية يفرض علينا أن نطرح سؤالاَ جوهرياً وهو كيف ظهرت النازية في أوكراينا؟

التاريخ القريب لا زال يذكر أن النظام النازي كان شعاره ( المانيا فوق الجميع ) وفي نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي أُنشئت في أراضي أوكرانيا مؤسسة القوميين الأوكرانيين ورصدت لها المانيا أموالاً طائلة لتطويرها في صراعها ضد الشيوعيين والبولنديين وأستخدم هتلر هذه المؤسسة حيث تم التعاون بين الأوكرانيين القوميين والنازيين في تنفيذ العمليات القذرة ضد الشعب الأوكرايني نفسه واليهود والبولنديين . وما يدعوا للدهشة أن زعماء هذه المؤسسات الذين تعاونوا مع هتلر بتاريخهم الأسود أصبحوا اليوم أبطالاً في أوكراينا تملأ صورهم صفحات الكتب ضمن المقررات لطلاب المدارس وتُزين صورهم مداخل الشوارع. إضافة الي شعارات القوميين الأوكرانيين و الصليب النازي المعكوف الذي يغطي صدور وأكتاف جيوش (آزوف) .

وفي تناولنا الي الحلقة الأخيرة بعنوان : زمن التحوّل العالمي بقلم (مارتن شولز) تقديم وترجمة حامد فضل الله /برلين حيث تم نشر هذا المقال بتاريخ 27 إبريل في مجلّة السياسة الدولية والمجتمع لكاتبه (مارتن شولز)، الرئيس الأسبق للبرلمان الألماني (البندستاغ) والبرلمان الأوروبي، ورئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي سابقاً، ويشغل حالياً رئيس مجلس إدارة مؤسسة فريدرش إيبرت في برلين.

ذكر الكاتب ما يلي " يجب علينا - نحن الأوروبيين- مواجهة هذه المخاوف. إذ أن دعم أوكرانيا، والمشاركة القويّة مع بلدان جنوب الكرة الأرضية، يجب ألاّ يكونا متعارضين. وفي الفقرة التي تليها ذكر الكاتب أنّ برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، والذي يحصل على أكثر من نصف حبوبه من أوكرانيا أو روسيا، يفتقر إلى الأموال اللازمة لمكافحة المجاعة الوشيكة. لقد أصبحت النداءات الموجهة إلى مجتمع المانحين الدولي يائسة على نحو متزايدٍ" . أجد أن هنالك تعارضاً ما بين أمنيات الكاتب وما بين حقيقة أن العالم يفتقر الي الأموال اللازمة لمكافحة المجاعة الوشيكة في بلدان جنوب القارة حتي قبل بداية الحرب ، وهذا كما واضح نتاج لعدم عدالة التوزيع ولنهب ثروات جنوب القارة ولأفتعال الحروب لتزدهر تجارة بيع السلاح إضافة الي أسباب أخري ليس هذه مجال ذكرها . علاوة علي أن رئيس الوزراء الأوكرايني أصبح يفتقد الي الحياء مطالباً الدول الاوربية بدعم يقدر ب 50 بليون دولار حتي يتمكن من التفوق العسكري علي روسيا . دافع الضرائب في الغرب وفي المانيا لا يستطيع تمويل هذه الحرب ناهيك عن دفع الأموال لمكافحة المجاعة والفقر . هذه الوقاحة في طلب المزيد من الدعم لتمويل الحرب قد تكون أحد الأسباب التي تُعجل برحيل (زلينسكي) .

ورد في مقال (مارتن شولز) " إن ارتباط أوروبا مع الجنوب العالمي أوسع من ارتباط الشركاء الآخرين. تعمل روسيا والصين وتركيا والإمارات العربية المتحدة هناك بشكل حصري تقريباً مع الحكومات - بغضّ النظر عن مدى ديمقراطيتها. بينما تتعاون أوروبا مع البرلمانات والسلطة القضائية والمجتمع المدني. سواء كان الأمر يتعلّق بمكافحة الجوع أو حماية السكان المدنيين أو فرض حقوق الإنسان وحقوق العمل وفي سلاسل التوريد العالمية أو تعزيز المجال الديمقراطي. - تعتمد الجهات الفاعلة المدنية في الجنوب العالمي على الدعم الأوروبي. وهذا ليس متوقعاً من روسيا والصين. " أنتهي النقل .

أجد تحفظاً وتعارضاً علي ما أورده الكاتب حول تعاون أوربا مع البرلمانات والسلطة القضائية والمجتمع المدني الي آخر الفقرة . الغرب وأمريكا خاصة في تعاون متكامل مع المملكة السعودية ودول الخليج ومصر والسودان علي الرغم من غياب الحكم المدني والديمقراطي أضافة الي محاولات أمريكا الحميمة لتغيير نظام الحكم بالتدخل العسكري في كثير من دول أفريقية وآسيوية ولاتينية .

وختاماً ، بعض دوائر إتخاذ القرار في الغرب طرحت بعض الأسئلة المشروعه والمهمة علي سبيل المثال كيف سيتعامل بوتين أذا تمت هزيمته عسكرياً في أوكراينا ؟ وفي الإجابة علي هذا السؤال أري أنه يتوجب علي محور الغرب أن لا يستمر في أستفزازه لرئيس دولة روسيا وأن يكف عن صب الزيت علي نار الحرب الدائرة حتي لا ينفذ صبر (بوتين) ويرغمه علي تصويب سلاحه العابر للقارات غرباً ويضطره للضغط علي زر السلاح النووي .


حامد بشري

28 مايو 2022


hamedbushra6@gmail.com

 

آراء