مـن لا يقـرأ التاريـخ يعـيد إنتـاجه  .. بقلـم: عمـر العمـر

 


 

عمر العمر
21 نوفمبر, 2021

 

عندما أقلع شاه إيران منتصف ياناير 1978 في رحلة ذات إتجاه واحد لم تكن ثمة طائرة مثقلة بالإحباط ، الحزن والندم مثل تلك الطائرة البوينغ. ظن ذلك البهلوي طوال عقود أنه ليس شاه إيران وحدها بل رجل المنطقة القوي بأسرها. لكنه أثلع حزيناً منكسراً وعو يعاين كل جبروته واحلامه تتكسر تحت أقدام شعبه في شوارع طهران .شعب دفعته جسارته تحت إحساس غامر بالظلم لتحدي أشرس آلة قمع في الشرقين الأودنى والأقصى. حِسُ الشاه الإمبراطوري إستيقظ  بعد فوات الأوان  إذ ادرك  حتمية الأنحناء أمام إرادة الجموع الهادرة  في الطرقات . فما كان لتوغل في سفك الماء وإعمال العنف لينقذا عرش الطاؤوس.لذلك رفض الرجل توصيات ا حفنة من جنرالاته بغض البصر عن تصفية بضعة آلاف من الإيرانيين في غضون عشرة أيام إضافية بغية تجفيف الشوارع من الثوار.ماكان الوطن وحده قد ضاق أمام الشاه بل العالم بأسرهإذ لم يجد غير السادات من يفتح مدرجا أمام الطائرة الإمبراطوربة.هكذا بدأ شاه إيران عزلته الخانقة حتى قبل الإقلاع إفي الرحلة الأخيرة من طهران.

***   ***   ***

  السادات استقبل الشاه لكنه لم يستوعب خلاصة تجربته. فبعد جهده المكثف في تجريف   تجربة عبد  الناصر عقب ما أسماه " ثورة التصحيح" في مايو 1976 جرفه إندفاعه للاصطدام بقطاع عريض من المجتمع المصري حداً زج معه  1500 ويزيد من اليساريين والإسلاميين واللبراليين في السجون في سبتمير 1981 معتمداُ على استخدام حقه الدستوري في الإحتماء بمظلة الطوارئ.. تلك الحملة شملت انهاء وجود صحف وتشتيت صحافيين ممن لم يشملهم الإعتقال . هكذا غيّب الرجل نخباً من الساسة و المثقفين بينهم اساتذة جامعيين و إسلاميون متطرفون وراء القضبان . غضب السادات طال البابا شنودة فعزله,عند ذلك المنحنى الزماني افترقت الطرق بالسادات حسب تعبير محمد حسنين هيكل. بينما شبه فؤاد سراج الدين السادات بلويس السادس عشر وصف الصحافي المعروف موسى صبري فعلة السادات بـ ثورة العمل الوطني". بعد مضي أقل من شهر أقلع السادات في رحلة مسرفة في تراجيديتها  لا رجوع منها إلى العالم .الرئيس المصري لقي مصرعه برصاص  عسكري إبان الإحتفال بإنجازه الأكبر و أحد أبهى إنجازات مصر المعاصرة. هكذا من لا يقرأ التاريخ يعيد إنتاجه على نحو أو آخر..

***   ***   ***

لتلك القراءات الخاطئة نسخٌ عديدة مثلما هي المحاولات الخائبة لإستعادة التجارب الفاشلة عبر التاريخ. فالثورة الثقافية في الصين لم تكن سوى أحد فصول الصراع المتوحش المكرورة من قبل ومن بعد على السلطة. فتحت بريق ذلك الشعار الوهاج لم يكن ماونسي تونغ  يستهدف غير تصفية خصومه من "العناصر البورجوازية مخترقة أسوار الحزب". لكن الزعيم الصيني تعمّد في الوقت نفسه  استنساخ أطقوس "عبادة الفرد": تلك الخرافة المنبثقة في خضم الثورة الروسية مع لينين ثم ستالين. في غضوت سنوات عشر مبتدؤها العام 1966  شهدت الصين أحد أسوا فصولها قسوة .ففي بكين وحدها تعرض نحو الفي شخص للضرب حتى الموت. مصطلح تصفية العناصر البرجوازية ذو الجذور السوفياتية  ساهم إلى حد بعيد  في بسط النفوذ الروسي على شعوب شرق أوروبا.لمّا حاولت تشيكوسلفاكيا كسر ذلك الطوق الخرافي دفع التشيك والسلوفاك فاتورة باهظة فيما بات يعرف ب" ربيع براغ" في العام 1968 .حينها أرسلت موسكو أرتال الدبابات من أجل سحق جهد الأكسندر دوبشيك الوجه الإصلاحي من أجل أنسنة المنظومة الإشتراكية وفق توصيف التيار الإصلاحي

***   ***    ***

ما كان الشاه وحده في إيران من لم يستوعب دروس التاريخ عند ذلك المنعطف . فاليساريون واللبراليون الإيرانيون تحمّلوا كلفة باهظة بفع غفلتهم .فتلك القوى المساهمة بفعالية طوال زمن النضال ضد الشاه  حتى سقوطه في ثورة 1978 تجاهلوا التاريخ والواقع عندما ارتضوا الدخول تحت عباءة الفقيه..قما كاد الخميني يقبض على زمام الأمور في طهران من قم حتى كشّر عن أنيابه في وجه حلفاء الثورة فلاحقهم بالتعقب والغلظة في العقاب.حد النفي الإختياري أو القسري. للتيار الإصلاحي السوري لم يتعظ بالتجربة الإيرانية على قربها كما لم يستوعب الدرس التشيكي عندما راهن لفيف من المثقفين على فرصة إنجاز  " ربيع دمشق" . أؤلئك احسنوا الظن بمراكز قوى داخل النظام  مثل سابقيهم في براغ وطهران.لو أجمعت النخبةالسورية يومها على خيار  موحد ولو غادر أركان النظام خنادقهم العتيقة لتفا الشعب حتما مصير التشظي والتهديم اللاحق الواقع.

***   ***   ***

     تلك هب الخطيئة الشنعاء من قبل قادة كتلة الحرية والتغيير إذ قفزت هي الأخرى فوق دروس وعبر التاريخ والحال الواقع . في معية تدني الوعي وهزال التجربة استسلمت القيادات المفاوضة إل إغراء النصر الزائف فوضعت أيديها في أيدي حفنة جنرالات ليسوا غير واجهة غير محسنة للنظام القديم.تلك الخطيئة ترتب عليها ولوج الشعب والوطن في المأزق الراهن.على غير ما توهم الجنرالات إذ أنهم لا ينظرون في التاريخ دعك عن قرآته فإن استنساخ التجارب الخرقاء لا يفضي إلى النهايات السعيدة. هكذا في عتمة غفلة القيادات متدنية الوعي وجنرالات ينقصهم إلى جانب قلة الإدراك ضعف القدرة على إحكام المغامرة وجد الشعب نفسه يستعيد فصول إجهاض فرص التقدم والبناء التاريخية.

***    ***    ***

  وحدهم جيل لجان المقاومة الفتية من قرأ التاريخ وقرروا دفع كل الفواتير المحتملة والمستحيلة من أجل تجاوز استعادة الدوران في فصول الإخفاق .هم لا يكتفون باستنتاج العبر من التاريخ بل يتمتعون بمهارات التحديق في المستقبل بأعين الإرادة الغلابة . لذلك هم يقدمون أرواحهم قرابين مهرا لغد من صنعهم لا من خيارات العاجزين. وحدهم الغارقون في عتمة الماضي يحاولون إخماد جذوة الوعي ووهج اثورة بأدخنة البومبان والرصاص الجبان.

أما آن للغارقين في الوهم الخرافي أن يفيقوا على أهازيج الشبان الجديدة عقلياتهم وأرواحهم وتطلعاتهم ومقدراتهم على التصميم والسخاء في البذل.


aloomar@gmail.com

 

آراء