أهمية تصالح الدين مع العرف لمعالجة الواقع الإجتماعي .. بقلم: محمود عثمان رزق
3 يناير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
28 زيارة
morizig@hotmail.com
إنّ الدين هو في حقيقته مجموعة من القيم الأخلاقية والمباديء العامة التي تصلح للتشريعات الدستورية والقانونية التي تستند على تصورات عقائدية ترتكز أساساً على مفهوم الوحدة والتوحيد. ومن هذا التعريف يتضح لنا جلياً أن الدين لم يأتي لصالح مجتمعٍ بعينه ورفض غيره من المجتمعات، وفي الحقيقة منذ اللحظة الأولى التي كُلف فيها النبي (ص) بتبليغ الرسالة الإلهيةجُعلت مهمته إنسانية التوجه وذلك واضح من قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. ولا شك أنّ للعالمين أعرافٌ شتى تظهر جلياً في هذا الإختلاف الكبير الذي نراه بين الشعوب والقبائل والمناطق والقارات في الملبس والمسكن والعلاقات الإجتماعية والإحتفالات وغيرها.
ولو تخيلنا أن رسول الله (ص) لم يكن عربياً ولم ينتشأ في مجتمع عربي، فهل سنجد لازمة بينه وبين الجلباب والعمامة مثلاً؟ إنّ الإجابة قطعاً ستأتي بالنفي، ولكن إذا بحثنا عن تلك الازمة في المباديء والعقائد والأخلاق في حال تغيير جنس النبي الخاتم فسنجدها هي هي. وبكلماتٍ أُخر، ستظلالعقائد والأخلاق والمبادي العامة هي نفسها بغض النظر عن جنس النبي وثقافته وبيئته ولغته. فاذن الرسالة الخاتمة لا بد لها من أن تكون عالمية التوجه وإنسانية المباديء بالضرورة، ولهذا الغرض لا بد للرسالة الخاتمة من أن تأتي محررة تماماً من ملامح أيّ مجتمعٍ من المجتمعات وأيّ عرفٍ من الأعراف،حتى لو كان ذلك المجتمع هو مجتمع الرسالة وعرف الرسالة.
أما العرف الإنساني فهو تلك التقاليد والعادات والأساطير التي تتشكل في وجدان المجتمعفتؤثر على سلوكه وأخلاقه ومعارفه. فالأعراف عادة تأخذ فترة زمنية طويلة لتتشكل ومن ثًمَّ تُقبلإجتماعياً، لتصبح ذات قدرة فائقة على تخلل كل جوانب المجتمع لتشكيل العقل الجمعي للمجتمع. والأعراف سلاح ذو حدين في علاقتها مع الدين، فهي إمّا أن تقف سداً منيعاً أمام الدين إذا عمل أصحابه على عداوتها وتهيجها واستإصالها، وإمّا أن تكون عاملاً مساعداً لانتشار الدين في المجتمع وبسرعة شديدة وبصورة سلمية تساعد في خلق قاعدة إنسانية مشتركة بين أبناء الوطن الواحد، والإقليم الواحد، والقارة الواحدة، وصولاً للإنسانية الواحدة.
ولهذا لابد لعلماء الإسلام ومفكريه من إعادة التكييف الفقهي والتشريعي والدَعوي ليحتضن الأعراف الحسنة، ويهذب الأعراف التي يمكن تُهذيبها، وكذلك يساعد المجتمع للتخلص من عاداته السيئةوالمنكرة. فمحاولة تسويق أعراف المجتمعات العربية البدوية منها والحضرية في قوالب دينية باسم السنة النبوية والإجماع والقياس هو عمل من باب الزيادة في الدين وتحريفه وتصعيبه والصد عنه. فمثلاً، لا يعقل أن يأتي الدين بملبسٍ واحدٍ، ولونٍ واحدٍ، وتفصيلٍ واحد لكل البشرية! لم يحدث ذلكأبداً إلا في إطار شعيرة واحدة من شعائر الإسلام هي شعيرة الحج ليتساوى الجميع قسراً لأيام معدودة بغرض لفت نظر الحجاج لأصلهم الإنساني الواحد، وبمجرد انتهاء هذا الدرس التربوي يرجع الناس لسُنة الإختلاف التي فطرهم الله عليها فتختلف أشكال ملابسهم والوانها وفقاً لأعرافهموعاداتهم.
وخلاصة القول يجب علينا تنقية الدين من الأعراف التي اندمجت فيه وأصبحت جزءً منه فشوشتعلى المسلمين الرؤية، وكذلك أعاقت الدعوة الإسلامية في عصرنا هذا. كما يجب على الدعاة تقديم الدين في شكل قيم وعقائد ومباديء مجردة من الأعراف وأشكال التدين ليتمكن كل مجتمعٍ من المجتمعات تكييف أعرافه ومنظومة الدين العقائدية وقيمه ومبادئه الكلية بالصورة التي تريحه كمجتمع وتحقق غرض الدين، فمن الضروري أن نؤكّد أنه لا يوجد نمطٌ واحد للممارسة الدين حتى يفرض على الجميع. ولتحقيق هذا التوافق بين الدين والعرف يجب على الدعاة والعلماء والمفكرين الإنتباه لعملية إخضاع تفسير النص القرآني ليتماشى مع العرف الذي ساد في عصر الوحي وعصر تدوين السنة النبوية. وعموماً يجب عليهم تسهيل الدين، ومصالحة العرف، ومراجعة الخطاب الديني، لمعالجة الوضع الإجتماعي والخلل الفكري الباين للعيان، وعليهم ألا يصوروا الدين ويجعلوه كالجبل الأملس الذي لا يستطيع أحدٌ تسلقه إلا إذا أوتي موهبة خارقة وتدريباً عالياً!