إلى النمسا .. بقلم: محمود دفع الله الشيــــــــخ / المحامى


mahmoudelsheikh@yahoo.com

    لك أن تتخيل و تتحسر ثم تقلب كفيك عجباً، ولتقل بعدها  الحمدلله ماخلقت (الفرنجة) باطلا .

    يقول القائل، أن مواطناً نمساويا صالحاً داهمه الجوع حتى كاد أن ينتاش كبده، فكان أن قصد صاحبنا كشكا يبيع ساندوتشات الشاورما، فجعل البائع يكثر له من البصل والفلفل الحار مازجا إياهم مع الشاورما بطلب النمساوى أو من دونه لايهم . أكل الرجل حتى استبدل الجوع بالتخمة ثم (تجشأ) ،فحمد الله وأثنى على فضله وترجاه استدامة النعمة ، هكذا أظن، فالمؤمن لا يتبع الظن السئ،  أليس كذلك؟ .

    توكل صاحبنا بعدها مواصلا مسيرته حتى تفاجأ بشرطى يوقفه موبخا إياه على مسلكه الذى لايتسم بالتحضر ! أى مسلك يا سيدى؟!! قال له الشرطى: أن التجشؤ بصوت مسموع وفى مكان مفتوح يعد بمثابة إزعاج عام وسوء سلوك اجتماعى ! ! هل رفعت حاجب الدهشة يامسكين؟ أرجوك اخفضه قليلاً .

    بعد حصة الوعظ والإرشاد القصيرة حرر الشرطى لآكل الشاورما (الاسبايسى) ايصالا بمبلغ 70 يورو نكالا بما اقترفته معدته وحنجرته ، ولكى يكون عظة لذوى الألباب ومضربا للأمثال !

    الرجل سدد الغرامة ولم يسكت ، بل أقام دعوى وكلف محامياً له شنة ورنة لمتابعتها ، وتحولت لقضية رأى عام.  والطريف فى الأمر أن دفوعات المحامى انحصرت فى تبرير الغرامة إن تجشأ موكله فى مسرح أو دار للأوبرا ، أما التجشؤ فى الطريق العام فلا يعد جريمة! !

    حيا الله النمسا وظللها بالغمام ، والهمنى وإياكم الصبر والسلوان والتحضر ، فنحن يا سادة من بلاد يكتب على حوائطها  (ممنوع البول ياحمار) ، و فى مواجهة الحائط وعلى مستوى تلك العبارة مباشرة تجد عشرين رجلا يثبتون أطراف جلبابهم بأحناكهم ويرشون الحائط رشا وهم يتبادلون الحديث والضحكات، ثم لاتسمع لهم (نهيقا) ابدا ولا ترى لهم أذيال ! !!! وبعضهم يتفنن بأن يجعل الرش دائريا، خصوصاً المتبولون ( ليلاً ) ! !

    نحن ياسادة من بلاد الكثير من المارين فى شوارعها يمارسون فضيلة البصق، ولم أعرف فى حياتى شعبا يعانى معظمه من حموضة وغثيان، اللهمَّ إلا إن كانوا يعانون من أعراض حمل كاذب! وهنالك طائفة  (المتمخطين)، وطائفة (المتنخمين)،  والفرق مابينهما أن التمخط يكون للخارج، أما التنخم فيكون للداخل، تماماً مثل الفرق بين سياستى  (بسمارك ) الداخلية والخارجية !
    وخامسة الطوائف هم السفافون، الذين يستخدمون أيديهم المجردة فى تكوير السفة وفى إخراجها من تحت إحدى الشفتين، وما أن يروك حتى يبادروا إلى احتضانك ومصافحتك مصافحة من غاب لدهر ! والذين يخلفون ارجلهم ويطقطقون اصابعها ، فإذا ماحضر الأكل انكبوا عليه كبا، واؤلئك الذين يلحسون اصابعهم واكفهم لحسا أثناء الطعام ويقولون لك أنها سنة ( بضم السين) !!!

    تلك من مظاهر الانحدار السريع من البادية إلى المدن الكبرى ورفض التطبع بمسلكها، والأسباب معروفة فى بلادنا بضرورة الحال، فالتدرج هو ما جعل الشاعر يقول – بمظنة المدح- فى أول مقدمه للمدينة  :(انت كالكلب فى الوفاء وكالتيس فى قراع الخطوب) ، وما أن طالت إقامته وتشبع بالتحضر أدرك أن ما قاله سلفاً يعد ذما لا مدحا، فيستبدله بقوله:( عيون المها بين الرصافة والجسر، جلبنا الهوى من حيث أدرى ولا أدرى)!  

    اللهمَّ فى كل لحظةٍ شرقت فيها شمس واطل على الناس قمر، سألتك أن تجعل من بلادنا مثل النمسا، وأن تقلل من تبصقنا وتمخطنا وتنخمنا وفرقعة أصابعنا، وأن ترحم السفافين والسفافات، الأحياء منهم والأموات، ولا تجعلنا من اللاحسين ولا (الملحوسين )،إنك سميع مجيب الدعوات.
    قوموا إلى النمسا يرحمكم الله.

محمود، ،،،

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً