الإنقاذيون يبَّدلون جلودهم .. بقلم: إسماعيل عبدالله
لقد ضج الإنقاذيون في الأيام والليالي القليلة الماضية , وطفقوا يبشرون الناس بالحكومة الجديدة والمنظومة الرشيقة , في تمثيلية جديدة هي إمتداد طبيعي لمسلسلهم الدرامي القاسي والممل والطويل الأمد , المتعدد والمتنوع الحلقات الذي بدأ منذ ثلاثة عقود , فانّه لم ولن يستطيع المراقب لحالة الحكم الانقاذي أن يحصي أو يعد , العدد والكم الهائل من جيوش الوزراء و وزراء الدولة و المعتمدين و الولاة و المستشارين , و المساعدين المحيطين بالرئيس و الوالي و المعتمد والمدير التنفيذي , حتى أن مقولة ظرفاء المدينة الطريفة : (من لم يستوزر في عهد الإنقاذ فإنه سوف لن يستوزر أبد الدهر ) , قد جسدت هذه الظاهرة الإنقاذية الفريدة في نوعها وترجمتها خير ترجمان , وظني أن ما دعا الساخرين إلى هذا التهكم و ودفعهم إلى إصدار هذه الطرفة البليغة , هو وصول الفرد السوداني من الفاقد التربوي وتبوئه لمقعد الوزير و المستشار و المساعد لرئيس الدولة , ما أدى إلى إثارة الشعور بالإدهاش لدى المواطن السوداني البسيط الذي يجلس على عتبة الدكان وصندوق البيبسي كولا أمام البقالة , من جراء شيوع مثل هذه الظاهرة المسيطرة على أروقة ودوايين حكومات الانقاذ المتتالية , فهذا المواطن المقهور ظل يتابع عن كثب قنوات التلفزة , وهي توزع الألقاب و تمنح الأنواط و الدرجات العلمية و الأكاديمية , و تهب الرتب العسكرية العليا يمنة ويسرة دون رقيب أو حسيب , فاختلط حابل المهن الشعبية واليدوية و التخصصات الفنية , بنابل الوظيفة الدستورية و السياسية والبرلمانية والأكاديمية العليا , فترك سائقوا الشاحنات والبصات السفرية مهنتهم الشريفة , وبين ليلة وضحاها وجدوا أنفسهم يخوضون مع الخائضين في شأن (ساس يسوس) , وبالمقابل غادر حملة الإجازات العلمية العليا بهو قاعات المحاضرات ومعامل البحوث في الجامعات والمعاهد و الكليات , و أصبحوا يقودون سيارات الأجرة وحافلات المواصلات العامة , تماماً مثل ذلك الرجل الحاصل على درجة الدكتوراة , والذي كان يعمل أستاذاً محاضراً بإحدى الجامعات السودانية , فهجر تلك المؤسسة الجامعية العريقة لينخرط في سلك السياقة , فعمل سائقاً لحافلة تقوم بنقل الركاب لتوصلهم إلى منازلهم بأحيائهم في المدن الداخلية , باحثاً عن الدخل المادي المجزي الذي وبأي حال من الأحوال , يعتبر الأكثر إيفاءً باحتياجات أسرته من فتات جنيهات الراتب الشهري الذي يتقاضاه من الجامعة , وقد أجرت قناة الجزيرة مع هذا الرجل حواراً مطولاً تناول تجربته العجيبة تلك , وقد تأكدت حقيقة واحدة لكل من شاهد ذلك اللقاء, ألا وهي : أن الذي حل بالأمة السودانية (أمة الأمجاد) , ليس له من وصف او تعريف سوى أنه (ردة وإنتكاسة حضارية).
اسماعيل عبد الله
لا توجد تعليقات
